للتبشير أشكال. منه التبشير  من أجل تغيير دين جماعة إلى دين آخر, أو تغيير مذهب أو طائفة داخل الدين الواحد إلى مذهب آخر أو طائفة أخرى. وهذا ما قامت به القوى الاستعمارية, في بلادنا بشكل خاص في فترة استعمارها لنا, حيث اشتغلت القوى الاستعمارية على فقر الناس وحاجاتهم المادية, فتعملت على تقديم المساعدة لهم ليس حباً بهم, وإنما رغبة في كسبهم إلى جانيها من أجل تحقيق مصالحها… وهذا ما كان يؤكد عليه الجنرال الفرنسي (بيجو) على سبيل المثال لا الحصر, حيث كان يقول لرجل الدين الذين يرافقونه في الحملات داخل الجزائر: (علموهم يا أبتي المسيحية, لأنهم إن تعلموها لن يعودوا ويطلقوا علينا النار) … ربما نجح التبشير في المناطق التي وجدت فيها الأقليات الدينية كـ (المسيحية) تحت نير الظلم والقهر من قبل الأكثرية, أو من قبل حكومات مليّة طائفية كما هو الحال في بلاد الشام تحت حكم العثمانيين. أما بين المسلمين فلم يفلح التبشير لا في الجزائر ولا في غيرها, وظل المسلمون متمسكين في دينهم وطوائفهم ومذاهبهم رغم طول فترة الاحتلال الفرنسي.

     تحظرني هنا قصة طريفة في سورية (محافظة ديرالزور) في ثلاثينيات القرن الماضي أثناء الاحتلال الفرنسي لسورية, إذ جرت أحداث القصة في ريف ديرالزور. حيث كان رجال الدين المسيحي التابعين للاحتلال الفرنسي يجمعون فقراء الناس من أبناء الريف في كل قرية ويشرحون لهم عن معجزات السيد المسيح, ولكن الطريف في الأمر أن ردود فعل الفلاحين كان كالتالي:

رجل الدين : لقد كان السيد المسيح يشفي الأبرض.

الفلاحون: اللهم صلي على محمد.

رجال الدين: كان السيد المسيح يشفي الأعمى.

الفلاحون: اللهم صلي على محمد .

رجال الدين : كان السيد المسيح يحب السلام والرحمة للناس أجمعين.

الفلاحون: اللهم صلي على محمد…..

     اجتمع أخيراً رجل الدين وقرروا الانساب من مشروعهم, بعد أن تأكدوا أن “محمد” متجذر في عقول ونفوس هؤلاء الفلاحين بالفطرة ولا يمكن المراهنة على تغيير دينهم أو عقيدتهم. ويجب عليهم توفير أموالهم لمكان آخر ربما يكون أفضل… 

     أنا اتساءل وبصدق, لماذا يريد بعض أصحاب المشاريع الدينية المذهبية داخل الدين الإسلامي نفسه, تغيير مذهبي أو طائفتي وأنا في القرن الواحد والعشرين اليوم, رغم كل هذا التطور الهائل في العلم والتكنولوجيا… هل من المعقول لم تزل هناك عقول تشتغل على التبشير الديني بعد أن تجاوزه الزمن منذ مئة عام وأكثر؟!!. وهل من المعقول أن يكون تغيير المذهب او الطائفة اليوم حلاً لتجاوز تخلفنا وتجزئتنا؟!.. هل نحن بحاجة للتذرير أكثر مما نحن فيه؟؟!!

     لنتعلم من دروس التاريخ.. لقد سيطرت الدولة الفاطمية مئات السنين على قسم كبير من المغرب العربي ومصر, وجزء من سورية.. فبعد سقوطها عاد المغرب مالكيا, وعادت مصر شافعية, وعادت حلب إلى حضنها السني.

     لنشتغل على العلم والتطور العلمي, ولنبتعد عن الطائفية والفرقة الناجية وما بينهما من أساطير وخرافات أكل الدهر عليها وشرب.. الإسلام واحد, فلا تجعلوا منه حصان طروادة, فلدينا في عالمنا العربي والاسلامي من الأحصنة ما يكفينا. لا حظوا ماذا يجري في سورية والعراق واليمن والبحرين ولبنان من كره وحقد لبعضنها بسبب أحصنة طروادة والاشتغال عليها اليوم. 

كاتب وباحث من سورية