مأساة حالنا نحن العرب تقع اليوم في وجودينا المادي والفكري معاً.

     فإذا كان الوجود المادي ممثلا بتخلفنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. حيث نجد اقتصاداً لم يصل بعد إلى مرحلة اقتصاد منتج لوسائل الإنتاج, وبالتالي هو اقتصاد مرتبط بالخارج,… أكثره ريعي, يقدم مواد أولية للسوق الخارجة, ويستورد ما هو مصنع, وإن كانت هناك محاولات للتصنيع, فهي ليست أكثر من صناعات تجميعية, أو يغلب عليها طابع اللمسات الأخيرة.

     وهناك مجتمع, بل مجتمعات متعددة متداخلة أنماط الإنتاج, وفي انتماءاتها أو مرجعياتها التقليدية… متخلفة في بناها,… كثيراً ما تنغلق على نفسها… تنخرها العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب والعرق. 

     أما سياسياً, فهناك دول عشيرة وقبيلة وطائفة, وكل من يدعي من القوى الحاكمة, العروبة أو الإسلام منطلقاً لسياسة الدولة, فهو يكذب على نفسه وعلى مجتمعه والتاريخ… غياب حقيقي للمواطنة ودولة المؤسسات, أو دولة القانون,… دساتير تُفصل على هوى الطبقات أو القوى الحاكمة… مجالس نيابية أو برلمانية كسيحة ومهزومة من الداخل, فاقدة في معظمها لقدراتها في اتخاذ القرارات الحاسمة في حياة شعوبها, إن كانت هذه البرلمانات صنيعة القوى الحاكمة, أم صنيعة الشعب ذاته, وخاصة في الدول التي حقق فيها الربيع العربي بعض المكاسب الديمقراطية المشوهة بعد إسقاط الأنظمة الشمولية فيها, بفعل تدخل خارجي, كما هو الحال في تونس والسودان أو ليبيا أو حتى العراق السابقة للربيع العربي. 

أما على المستوى الثقافي/الفكري, فهناك:  

     سيطرة لآلية عمل العقل والمناهج القروسطية, في التفكير واللغة والتفسير والتأويل. فالمنهج الذي طبقه سيباويه وابن جني والفراهيدي وغيرهم من النحات واللغوين, لم يزل هو ذاته يُسستخدم في علم اللغة والبيان حتى اليوم, وهذا ما ينطبق أيضاً على المنهج الذي قدمه الشافعي وتلامذته في الفقه المتعلق بإصدار الأحكام لحل قضايا الناس ومشاكلهم.

     فمع تحجيم دور العقل في البحث والاستقصاء, والحد من دور الأنسنة التي تمنح الإنسان حرية المغامرة والإبداع, ساد الفكر الجبري الذي قيد الإنسان بسلطة النص المقدس, الذي اعتبر عند الكثير من السلفيين الوثوقيين المرجع المقدس الوحيد لكل ما يصيب الإنسان من صغيرة أو كبيرة في حياته, وهو مسجل له  بلوح محفوظ. وبهذا حرموا الإنسان من إنسانيته وإرادته, وجردوه من مرتبة الخلافة التي منحه إياها الله ذاته. وبالتالي حاربوا كل من حاول استخدام عقله وحرية إرادته, في البحث والتقصي, إما بحرق كتبه أو نفيه أو سجنه أو قتله. وتاريخنا منذ العصور الوسطى حتى اليوم شاهد على معاناة من حباهم الله بالمعرفة ونور العقل وحب المغامرة العقلية. 

     من هنا تأتي الدعوة المشروعة لشعب أو شعوب هذه الأمة المفوته حضارياً, والتي تجمعها قواسم مشتركة كثيرة, أكثر من عوامل التفرقة والتشرذم, إلى العمل على تحقيق ذاتها, وإعادة النظر بواقع دولها وسياساتها الداخلية والخارجية, على اعتبار الدولة هنا هي القوة والقدرة التي تستطيع أن تحقق الكثير لشعوبها إذا ما سخرت إمكانيات دولها لمصلحة شعوبها وليس لمصلحة القوى الحاكمة ومرجعياتها الضيقة. 

     أما على المستوى الفكري أو الثقافي, فلابد من إعادة تفكيك الخطاب الإسلامي, الذي سيطر من بداية الدعوة الإسلامية حتى اليوم على كل مفردات حياة الإنسان, فالدين يتدخل في السياسية والاقتصاد والمجتمع والأخلاق, وفي أدق تفاصيل إحساسات الإنسان الداخلية, وهو بذلك قد أخذ دور الكثير من العلوم النظرية في عالمنا العربي وحرمنا من نتائج بحثها الموضوعي في حياتنا, لقد أصبح الدين كما حدد فقهه وعلم كلامه ولاهوته مشايخ العصور الوسطى, هو البديل عن علم الاجتماع والتاريخ والنفس والأخلاق والقانون واللغة, ومعظم ما يتعلق بطريقة تفسير وتأويل ظواهر حياتنا. وللأسف لم تزل الأسطورة والتخيل والذاتية والعاطفة والمصالح الضيقة, هي من يوجه نشاط هذه العلوم وتطبيقاتها اليومية المباشرة على حياة الناس باسم الدين.

     نعم نحن بحاجة اليوم لثورة فكرية/ ثقافية عقلانية تنويرية. تستطيع في أقل حساباتها هز كيان هذا الصنم الفكري الذي صنعه لنا سلفنا منذ مئات السنين ولم نزل نتمسح بأذياله, ونتكئ على عتباته دون القدرة على دخول عالم الإنسان الخليفة. 

د. عدنان عويد كاتب وباحث من سورية.