ليس دوما يسيرا الكتابة عن شخص من طينة الدكتور عبد المجيد بوزوبع، الذي غادر دنيا الأحياء في صمت منذ 48 ساعة، لأنه تشكيل تجربة مغربية فريدة، في السياسة والعلم والأخلاق. لأن الرجل كان قامة فيها ثلاثتها جميعها.
بل إن سيرته تقدم عنوانا، عن واحد من عناوين التحول التي عاشها المغاربة سوسيولوجيا في النصف الثاني من القرن 20، منذ بروز مدينة عمالية واقتصادية كبيرة مثل الدار البيضاء، التي ستحمل مشعل إنضاج وإنتاج القيم بالمغرب، أمام تراجع مدن تاريخية ظلت تحمل ذلك المشعل مثل مراكش، فاس، تطوان، طنجة والرباط. فالرجل قد ولد في فاس سنة 1946 (14 مارس)، لكن دراسته ستكون كلها بالدار البيضاء، بسبب انتقال العائلة إلى المدينة / الوعد الجديدة، مثلما حدث مع المئات من العائلات المغربية، على امتداد جغرافية البلاد. بالتالي، فإن وعيه الوطني والسياسي ستصنعه الدار البيضاء، مثلما صنعت وعي جيل مغربي كامل، منذ انتقال المشعل الوطني، عماليا ونقابيا ومقاومة إليها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945.
سنجد الطفل عبد المجيد، ينخرط في مجال تعلم أبجديات الحياة وأبجديات التعليم والدراسة الإبتدائية، بمدرسة واحد من أهم الأحياء الشعبية العمالية الجديدة بالدارالبيضاء، هو حي بوشنتوف. الحي الذي ستخرج منه أسماء مغربية كبيرة في مجالات عدة، من المقاومة المسلحة ضد الإستعمار (محمد منصور) إلى مجالات الفن والإبداع (محمد الحياني وثريا جبران ونعيمة المشرقي)، دون إغفال أن تأسيس المركزية النقابية العمالية المغربية البكر «الإتحاد المغربي للشغل» قد تم في واحدة من منازل ذلك الحي. بالتالي، فإن الفتى الصغير، سيكون هناك مثل من يسبح في بحر من معاني إنتاج القيم الوطنية المغربية الجديدة، في كافة أبعادها القيمية والسلوكية. وستبصم تلك التجربة الهائلة حياته حتى رحيله، لأنه أمام تكامل التربية العائلية الأصيلة (قيمة الترابي الرصينة)، والتربية الإجتماعية للفضاء الإجتماعي العام (درب بوشنتوف)، سيتشرب الرجل قيما سلوكية عنوانا عن معنى مغربي، أصبح اليوم نادرا جدا، يكون فيه معنى الوطنية قرينا بالشرف، وبيقين الإنتصار للعمل التعاوني التطوعي البناء، وليس للحساب الغارق في الذاتية.
لابد من تسجيل، أن حي بوشنتوف يشكل قصة مختلفة في تاريخ تطور مدينة الدار البيضاء، من حيث إنه جزء من حي درب السلطان، جاء ليكون في بداياته سنة 1939 فضاء للأسر المتوسطة الدخل، ذات اليقين المديني الحداثي. وأنه في مكان ما شكل أول النواة لطبقة متوسطة مغربية جديدة، حداثية، متمايزة عن الطبقة المتوسطة التقليدية التي كان فضاء حي الأحباس المجاور، غير البعيد بذات الحي، فضاءها الأكبر منذ سنة 1918. لأنه لا يمكن تفهم مكانة حي درب السلطان، دون العودة إلى المخطط العمراني الأول للمهندس المعماري الفرنسي هنري بروست، الذي وضع سنة 1915، الذي وضع الخطاطة الأولى لإنشاء «المدينة الجديدة» الخاصة بالساكنة المغربية المسلمة واليهودية، كامتداد ل «المدينة الأروبية» المنجزة بوسط الدار البيضاء الجديدة خارج أسوار المدينة القديمة. فشكل حي درب السلطان صلة الوصل المحورية بين كل أحياء الساكنة المغربية شمالا صوب الحي المحمدي وعين السبع (ثم البرنوصي لاحقا)، وجنوبا صوب الحي الحسني ودرب غلف، وشرقا باتجاه حي بنمسيك وعين الشق، وغربا باتجاه المدينة المدينة الأروبية والمدينة القديمة. فضمن هذا الحي الذي تساكنت فيه جنسيات مختلفة (مغاربة وإسبان وإيطاليون) وديانات متعددة (المسلمون واليهود والمسيحيون)، ولد فضاء لمعمل قيم مغربية جديدة، تتأسس على التعايش. وفي القلب منها شكل حي بوشنتوف امتداد لساكنة مغربية جديدة، لعائلات من الطبقة المتوسطة، كانت ضمنها عائلة الدكتور عبد المجيد بوزوبع.
ضمن تلك المدرسة الإجتماعية، ستصقل شخصية الرجل إلى الأبد. وأمامه ستعبر أحداث وطنية وسياسية، في الواقع الفعلي للحياة، وليس مجرد خبر تتداوله الألسن. فتأسيس المركزية النقابية الإتحاد المغربي للشغل، كان بالجوار، وخلايا المقاومة التي سقط أعضاؤها في يد الإستعمار كانوا بالجوار، وصولا حتى إلى أحداث 23 مارس 1965 التلاميذية والعمالية كانت بالجوار بشارع الفداء (السويس سابقا). وكان الفتى اليافع والشاب المنطلق، حين يغادر أزقة حي بوشنتوف (الذي درس بمدرسته الإبتدائية حتى نال الشهادة الإبتدائية منها سنة 1959)، كان يصعد قادما من آخر شارع الفداء باتجاه مسجد السنة بشارع 2 مارس، كي ينعطف يمينا مع شارع موديبو كيتا باتجاه حي لارميطاج ليلج إلى ثانويته الجديدة، ثانوية مولاي عبد الله، التي كانت معقلا علميا وسياسيا وليست مجرد ثانوية عادية. هناك تشكل وعيه السياسي النهائي ليس وطنيا فقط، بل تقدميا أيضا. وحين كانت رائحة البارود ورصاصات الإغتيال التي طالت زملاءه من تلاميذ الدار البيضاء، خاصة بثانويتي مولاي عبد الله ومحمد الخامس، لا تزال بارزة في حيطان درب السلطان وفي ذاكرة الناس، سنة 1965، حصل هو على شهادة الباكالوريا، التي فتحت الباب أمامه ليلج من الباب الكبيرة كلية الطب بالرباط.
هناك سيلج إلى فضاء طلابي آخر شكلت النقابة الطلابية «الإتحاد الوطني لطلبة المغرب» مدرسة أخرى لترسيخ وعيه التقدمي والوطني. حيث سينتمي إلى تلك المنظمة الطلابية الرائدة والوازنة، منذ نهاية الستينات، في مراحل قيادتها ورئاستها من قبل كل من الدكتور فتح الله ولعلو (66- 68)، الأستاذ عبد اللطيف المنوني (68- 70)، الأستاذ محمد الخصاصي (70). سيصبح مسؤولا طلابيا بارزا بكلية الطب. وكلية الطب، ليست أية كلية ضمن النسيج الجامعي والطلابي بالمغرب، فهي فضاء إنتاج نخبة النخب الطلابية. فزاوج بين التزامه الطلابي النقابي وتفوقه الدراسي، خاصة بعد أن تخصص سنة 1974 في دراسة جراحة القلب، حيث ربح المغرب واحدا من أنجح وأكبر أطبائه في مجال القلب والشرايين، الذي بلغ مجد التقدير الدولي وليس فقط الوطني. ورغم كفاءته العالية طبيا، اختار الرجل أن يمارس الطب بقيم قسم أبوقراط، كخدمة عمومية، ولم ينخرط في موجة تحويلها إلى فرصة للربح المالي، بدليل انخراطه في التدريس بكلية الطب سنة 1981، ثم في ممارسة مهامه العلاجية والطبية بمستشفى ابن سينا بالرباط.
بالتوازي، سينخرط باكرا في العمل التنظيمي الحزبي بعد تأسيس حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية (انخرط رسميا سنة 1976)، وكذا في العمل التنظيمي النقابي من خلال نقابة الصحة التي أصبح كاتبها العام. وانخرط ضمن تيار الحركة التصحيحية النقابية منذ 1977، ما جعله في قلب معركة تأسيس المركزية النقابية التقدمية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل سنة 1978، وينتخب منذ مؤتمرها التأسيسي نائبا لكاتبها العام الأستاذ محمد نوبير الأموي. هنا ولد القائد النقابي الشاب عبد المجيد بوزوبع، ببروفايل استثنائي ضمن تاريخ العمل النقابي المغربي، لأنه دكتور، طبيب جراح في تخصص جد دقيق وأستاذ جامعي. كان ذلك عنوانا لتحول قيمي في المشهد العام السياسي والنقابي المغربي. أي أن جيلا جديدا من مدرسة الحركة الوطنية المغربية قد ولد، مسلح معرفيا.
هنا ستفتح الباب مشرعة أمام الرجل لتحمل مسؤوليات سياسية حزبية قيادية ضمن حزب الإتحاد الإشتراكي أوصلته إلى عضوية المكتب السياسي من باب الجناح النقابي، عشر سنوات بعد ذلك سنة 1989. هو الذي سيقوده نضاله النقابي إلى السجن لسنة كاملة سنة 1981، بعد الإضراب العام ليوم 20 يونيو 1981، وأحداث الدار البيضاء الدموية. مع تحمله مسؤوليات حقوقية ضمن منظمات حقوق الإنسان بالمغرب، وكذا تحمله مسؤوليات علمية عالية ضمن جمعيات طب القلب مغربيا وعربيا ودوليا. وسيعبر امتحانات عدة، برزت قيمته الأخلاقية فيها، حين بقي وفيا لرفاق الطريق سياسيا ونقابيا ومهنيا، رغم كل ترسانة الضغط والتهديد التي طالته، وكذا كم من الإغراءات التي فرشت أمامه. فالرجل، بقي وفيا لذات يقينه الوطني التقدمي وما بدل تبديلا.
حين تفجرت أزمة المؤتمر السادس لحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية سنة 2001، وانسحاب الجناح النقابي والشبابي (تنظيميا) من المؤتمر سيغادر مع المغادرين سفينة الإتحاد، لينخرط ضمن تجربة حزبية وليدة هي المؤتمر الوطني الإتحادي، ويتحمل مسؤوليات قيادية به، وكذا مسؤولية إعلامية تابعة له. وبقيت العلاقات الإنسانية والأخوية منسوجة مع رفاق الطريق في الحركة الإتحادية، تأسيسا على أخلاقه الرفيعة، قبل أن يعود إلى بيته الأصلي ضمن الفريق السياسي للحزب الإشتراكي، إلى جانب عبد الكريم بنعتيق والدكتور مولاي أحمد العراقي والمقاوم بنحمو سنة 2013.
عبد المجيد بوزوبع، الطبيب الجراح العالي الدربة (أول من أدخل عملية قسطرة القلب إلى المغرب)، الأستاذ المبرز بكلية الطب ضمن تخصص دقيق مثل أمراض القلب والشرايين، التقدمي الإتحادي، القائد النقابي الوطني الكبير، كان أيضا رجلا قنوتا، مؤمنا لا يفرط أبدا في صلواته بإيمان عاقل. مما جعله نموذجا لمغربي أصيل، عنوانا لجيل كامل، لا خصومة لديه بين وعيه السياسي التقدمي الحداثي، وانتصاره لقيم العدالة ومشروع دولة المؤسسات والقانون والحريات والديمقراطية، وبين انتمائه الحضاري. وهذا عنوان بارز من عناوين «تمغربيت» ميز جيله بالكامل يقوم شاهدا عن معنى خصوصية مغربية مهم إعادة قراءتها وتمثلها والإستفادة منها.

الكاتب : لحسن العسبي

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي * بتاريخ : الأربعاء 02/شتنبر /2020