ظلت إذن منظومة العلم الحديث في أوروبا النهضة تعرف جدلا عميقا بين الميتافيزيقا والعلوم الجديدة، أو قل التصور الجديد لعلم قديم مثل الرياضيات. وتعمق هذا الجدل في مجال علم الطبيعة؛ هذا العلم الذي رآه علماء كثر، مثل: ديكارت ( 1596-1659)، و غاليلو، و ليوناردو دافنشي( 1452-1519)، رأوه لابد أن يكون علما رياضيا، إلى درجة أن اعتبروا أن ( النظرية العلمية) المعتبرة هي تلك التي تلبس لبوسا( برهانيا رياضيا). وهذا ما ألح عليه غاليلو في كتابه: ” حوار حول النظامين الرئيسين للكون “؛ فقد سعى إلى تأسيس الفيزياء على الرياضيات، وهذا جريا على عادة الفيثاغوريين الذين أعجبوا بالعقل الإنساني واعتبروه قبسا من النور الإلهي. وذهب ديكارت إلى الرأي نفسه في كتابه: ” مبادئ الفلسفة”، وهو الذي أعجب أيما إعجاب بالرياضيات. وهذا عكس ما ذهب إليه برينو(1548-1600) الذي أقام فصلا بين الرياضيات والفيزياء، بل اعتبر الرياضيات مجرد بناء خيالي مقطوع عن الواقع.
لقد بدأ يترسخ، إذن، في مناهج البحث، أن طريق المعرفة يبدأ بالملاحظة وينتهي بالقانون بعد معرفة الأسباب الأولى وبعد الوقوف على العلاقات بين الظواهر. وكان هذا المنهج الجديد يواجه في طريقه، بنظر الأستاذ يفوت، منهجا آخر، كما رأيناه مع كابلر وبرينو( 1548-1600)، يتصور الكون بناء على حدوس صوفية ميتافيزيقية لتفسير الظواهر الطبيعية. وساعد هذا الجدل في هذه الظروف على بداية توسيع الهوة، في البحث وفي فلسفة البحث، بين( تصور كوسمولوجي صوفي ) وبين ( تصور علمي(وضعي)). وهذا الجدل/ الصراع سيتجدد في البحث الإبستمولوجي، سواء على مستوى الحركة العلمية، أو على مستوى البحث الإبستمولوجي. وهو نقاش برز في مؤلفات الأستاذ وقيدي الإبستمولوجية، كما تردد في جل الكتب الإبستمولوجية التي خرجت في فترة الثمانينيات في الجامعة المغربية، أو قبل ذلك بقليل، كما ذكرنا مع الجابري في كتابه ” مدخل إلى فلسفة العلوم”. ولكن الجديد في النقاش الإبستمولوجي التفاعلي مع الأستاذ وقيدي والذي أنجزه الأستاذ يفوت هو مناقشة تطور الفكرة العلمية الوضعية، في تاريخ الحركة العلمية الأوربية، والفرنسية على الخصوص، من خلال متن جديد على الفكر الإبستمولوجي المغربي، وهو الفكر الإبستمولوجي الأنجلوسكسوني ، من خلال متن عالمين إبستمولوجيين كبيرين هما: توماس كون ( 1922-1996)، من خلال كتابه: ” بنية الثورات العلمية”، وصاحب مفاهيم تفسيرية أساسية في تاريخ العلوم، وفي تاريخ الأفكار؛ مثل: النموذج المعرفي، والمجتمع العلمي، والمجموعة العلمية، والتوتر العلمي، والتغير العلمي، والتقاليد العلمية، والعلم العادي. وهي البارزة في كتبه: La structure des révolutions scientifiques ، وكتاب: La révolution copernicienne ، وكتاب: La tension essentielle : Tradition et changement dans les sciences . كما ينبغي التنبيه إلى أن توماس كون قد تأثر بالمدرسة الألمانية في الفلسفة، عند إيمانويل كانط( 1724-1804)، وبالمدرسة الأنجلوساكسونية الإنجليزية في فلسفة العلوم، عند كارل بوبر( 1902-1994). كما اعتمد الأستاذ يفوت في نقاشه الإبستمولوجي على الفيلسوف النمساوي بول فايرآبند( 1924-1994)، وهو ذو منزع بحثي أنجلوساكسوني- جرماني؛ كما يظهر في كتابه الذي اعتمده الأستاذ يفوت في نقاشه، وهو: ضد المنهج، Against Method, Outline of anarchistic, theory of knowledge.
لقد تم إغناء النقاش الإبستمولوجي، إذن، في الجامعة المغربية بالانفتاح على المتن الإنجلوساكسوني، في فلسفة العلوم، وفي تاريخ الأفكار، وفي نظرية العلم، وفي الإبستمولوجيا، مع التذكير بأن الأستاذ وقيدي كان سباقا إلى الانفتاح البحثي على متن كانط، كما سبق ذكره، وإن كان في سياق نقدي لأطروحة كانط، خصوصا في الموقف من الميتافيزيقا ومن أدوارها. وعليه استثمر الأستاذ يفوت أطروحة توماس كون لشرح مقابلة أفكار برينو بالصمت عند بعض معاصريه، وعند بعض من أتى بعده. ويرجع توماس كون ذلك إلى أن بعض الأفكار عندما لاتكون تندرج ضمن مايسميه ب: ( مجموع النظرية المقبولة والسائدة )، وعندما لاتلتزم بالقواعد والمعايير السائدة في لحظة علمية ما، يتم تجاهلها. فالفكرة العلمية التي تكون مؤثرة ينبغي لها أن تعبر عن منظور منهجي متبع ومعمول به. إن الفكرة العلمية لكي تكون رائجة، وأن تكون ضمن المنظور المنهجي السوي، لابد من أن تتوفر على( مظلة علمية)، وعلى ( نموذج معرفي)، باراديغم، يحصل عليه إجماع العلماء، ولو من حيث الاستعمال. ويضيف توماس كون أن إجماع العلماء يتأسس على مجموعة من الاعتقادات. اعتقادات تخرج في شكل نظريات، وفي شكل آراء علمية، وفي شكل مقاييس، وهي ما يسمى بالإطار المنظم لنشاط العلماء وللبحث العلمي. وبذلك يتشكل عالم البحث العلمي من التصورات الجديدة للعلماء عن العالم. وهي تصورات تتدحرج إلى لا شعور العلماء، لتتحول إلى( لاشعور جماعي) للجماعة العلمية، يضع الحدود ويرسم الآفاق لكل إنتاج علمي في الأفق. إنه العلم( السوي) الذي ينتج السلطة وينشرها، بتعبير نيتشه. إنها لعبة التواطؤ بين العلم والسلطة! وهي أطروحة فككها بول فايرآبند في كتابه: ” ضد المنهج”؛ إذ كشف مايوجد داخل الحركة العلمية من إقصاء، غير علمي، لكنه مغلف بالبدائل النظرية التي لاتتفق مع السائد من الأفكار العلمية، بل يكون تضييقا للخناق على الإبداع والابتكار. بل يرى فيربآند أن السياق الاجتماعي له دور كبير في فرض خيارات منهجية وتصورات علمية على الجماعة العلمية، وهو أمر كان يمارس في تاريخ العلم باستمرار؛ منذ أرسطو وغاليلو ونيوتن… وفي هذا السياق كشف فايرآبند خروقات غاليلو وانتهاكه للمنهج العلمي. لذلك صمت عن أفكار برينو!
هكذا تتشكل الأفكار العلمية إذن؛ بعضها يسود وينتشر، وبعضها يهمش وينسى. وبهذا المنطق، من منظور الأستاذ يفوت، انتصرت الفلسفة الميكانيكية، وتحول التصور الميكانيكي إلى نموذج معرفي للتفسير ( باراديغم)، يفرض نفسه على العقول، وعلى منهج البحث العلمي، خصوصا في البحث في الطبيعة. وبذلك تشكلت بدايات النزعة الوضعية في القرن السابع عشر، كاختيار علمي ومنهجي، في سياق مملوء بالسلطة والتحيز! وخصومة نزعات علمية محددة مع الميتافيزيقا، خصوصا مع بداية اكتمال علم الطبيعة. ثم تحولت هذه الخصومة إلى نوع من التمازج بين الميتافيزيقا والآلة، ولكن على حساب المفهوم التقليدي للميتافيزيقا! وقد كان المتن الديكارتي مجالا مناسبا انطلق منه الأستاذ يفوت لدراسة تحولات البحث العلمي من الآلية إلى الغائية، خصوصا في كتاب ديكارت: ” المقال عن المنهج”، مقارنة بكتاب وليام هارفي( 1578-1657) مكتشف الدورة الدموية في كتابه: ” حركة القلب”. وهو الكتاب الذي قرأه ديكارت بعناية كبيرة، ووظف نتائجه، وعمق أفكاره في كتابيه: ” في العالم”، وكتاب: ” المقال عن المنهج”؛ إذ قدم حججا تجريبية كثيرة للدفاع عن آراء هارفي، ولإثبات صحتها. وقد كان ديكارت، في كل أبحاثه ودراساته وتفاعلاته مع أبحاث هارفي، مسكونا، بنظر الأستاذ يفوت، بهاجس إثبات أن نفس القوانين التي تحكم السماء هي نفسها التي تحكم الحياة، وتحكم الكائنات الحية.

(10)


لقد استثمر الأستاذ يفوت فلسفة بنية الثورات العلمية، وتحول الأفكار العلمي، وتغير النماذج المعرفية( البراديغمات)، من منظور توماس كون، بما هو نموذج بحثي جديد مابعد وضعي. لذلك درس كيف تحول النموذج الميكانيكي إلى نموذج معرفي تفسيري ، وكيف ابتلع الميتافيزيقا، وأدمج الأخلاق في بنيته، ولكن في إطار تصوره. فقد أتاح هذا النموذج الوضعي إنتاج ماسماه الأستاذ يفوت ب: ( الميتافيزيقا الآلية المادية). وهذا ماتجسد في متن الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز( 1588-1679). وهو الذي شبه الفلسفة بشجرة ذات فروع ثلاثة؛ هي: الهندسة، التي تدرس الأشكال، و الفيزياء، التي تدرس الحركات، والأخلاق، التي تدرس القانون. كما انتقد النزعة الدينية اليسوعية في أفكار ديكارت، كما وردت في كتابيه: ” التأملات”، و ” انكسار الضوء”. وكان هوبز على علاقة وطيدة بغاليلو، وقد ذكره في أكثر من مكان من كتبه، وتحدث عن أثر استقبال غاليلو له. ورغم الطابع الكوبرنيكي لفلسفة هوبز، فإن موضوعة الأخلاق، والخير والشر، وعلاقاتها بالسلوك البشري، كانت من أكثر النقاشات غزارة في كتبه، وكانت رافدا للنقاش العلمي في وقته، خصوصا في قضايا الاجتماع والسياسة وشؤون بناء الدولة، وفرض القوانين، بغض النظر عن دور الله في تصور هوبز الفلسفي، وتعريفه للألوهية، واختزاله لوظيفة الدين في البعد القانوني والتشريعي، باعتبار أن الدين، بنظره، هو قانون وليس فلسفة. وهو ماعرض أفكار هوبز للرد وللدحض، سواء من رجال الدين، أو من رجال السياسة، أو من رجال الفكر والثقافة. وعليه، يذهب الأستاذ يفوت إلى أن الديكارتية استعادت دورها، بعد نزعة هوبزية عابرة، كانت بنظر الكثيرين، تخفي ميولا إلحادية، وكانوا يطلقون على هوبز:” المسيحي الملحد”، نتيجة تفسيرية المادي للإنجيل ، بل اعتبر بعض خصومه كتبه نذير شؤم وسببا في حريق لندن سنة1966! في مقابل نزعة ديكارتية لاتطرد فكرة الله، وليست بعيدة عن المزاج الديني، لكنها سرعان ماستتعرض لنقد آخر من باراديغم نيوتن، بخصوص مجموع المبادئ الأولية للنظام العلمي الديكارتي، وفي إطار تصور جديد لله وعلاقته بالكون، من منظور جديد سعى نيوتن إلى ترسيخه على مستوى فك الارتباط بين الفضاء والمادة، ورفض مماثلة الامتداد بالمادة. ولكن ظلت الفرضيات الميتافيزيقية، بنظر الأستاذ يفوت، ذات دور رياضي في الفلسفة الطبيعية النيوتونية؛ فقد ظلت الجاذبية مثلا، باعتبارها فكرة علمية، في تجاذب بين اللاهوت والمادية. وتكرر هذا النقاش بشكل مستفيض في متن فولتير( 1694-1778)، خصوصا في كتابه: ” رسالة في الميتافيزيقا “.
لقد بحث إذن الأستاذ يفوت في الأصول الفكرية والتاريخية للنزعة الوضعية التي يتبناها الأستاذ وقيدي في أبحاثه الإبستمولوجية. وكان الأصل الأول لهذه النزعة نفوذ النظرة الميكانيكية، من منظور فلسفي، على حقول الفيزياء والفلك. وتمدد المنهج الميكانيكي على كل الكائنات الحية، وغير الحية. ولكن الذي غاب في أبحاث الأستاذ وقيدي الإبستمولوجية أن هذه الرؤية الميكانيكية( النموذج الإرشادي/ المعرفي، بلغة توماس كون) تخفي وراءها ( مشروعا أنواريا)، يعكس الطموح التاريخي لأوروبا الحديثة في القرن الثامن عشر الميلادي. مشروع يعبر عن باراديغم المرحلة، وهو ماشرحه فكر الأنوار، وصراع الأفكار العلمية، والمنظورات الدينية والفكرية والفلسفية، كما رأينا سلفا. نموذج معرفي ترسخ لديه أن الطبيعة تخضع لعلاقات ثابتة بين ظواهرها، سواء كانت ظواهر طبيعية أو اجتماعية. وهذا مايعني أن الإنسان يعيش وفق قوانين مادية هي التي تحكم سلوكه النظري/ العلمي، أو سلوكه الأخلاقي والاجتماعي، وأيضا الديني حتى! لذلك هيمنت على هذا النموذج اتجاهات فكرية وفلسفية، وليست علمية بالضرورة، حملت الدين واللاهوت ما اعتبرته تعثرا في مسيرة العلم إلى الأمام. وقد تصدى لهذا النزوع الباراديغم النيوتوني، بعد استيعابه في إطار المسيحية، مؤطرا بالمصالحة الكبرى بين الكنيسة والعلم ضد الشعوذة. وقد عرفت هذه الفترة من الأنوار صراعا بين الملحدين والمؤمنين، على أرضية الأفكار العلمية، وصراع الباراديغمات التفسيرية. وقد كتب المفكر الثيولوجي الإنجليزي والأستاذ في كلية الثالوث ريتشارد بنتلي( 1662-1742) كتاب: ” حماقة الإلحاد” وكتاب: ” تفنيذ الإلحاد” في الرد على موجة فكر إلحادي، عرفها عصره وستستمر بعده؛ من رموزها الفيلسوف الفرنسي الألماني بارون دي هولباخ(1723-1789) الذي كان يرى الإلحاد في حينها، بتعبير الأستاذ يفوت، دراسة طبيعة الأشياء خالية من كل الشوائب. وقد اشتهر كتابه: ” نظام الطبيعة”.
لم يكن تطور الأفكار العلمية، إذن، بنظر الأستاذ يفوت، بعيدا عن رغبة الفلسفات المعاصرة والأطر الفكرية، والأيديولوجية، في احتواء العلم، وتحويله إلى سند لها؛ فيتحول العلم إلى أيديولوجيا تبريرية! فنحن إذن أمام منظورات مختلفة للعلم، وأمام قراءات مختلفة. وكلها مؤطرة داخل نموذجين كبيرين؛ المنظور المادي الأنوار ي، والمنظور المسيحي الديني. وبقدر ماتسعى النزعة الوضعية المعاصرة إلى القفز على هذه المعطيات، بقدر ماتمعن في التغليط، وفي تحريف حقيقة المعرفة العلمية، و تحريف سياق تشكلها التاريخي والفلسفي والعلمي. فالأسئلة المعرفية لا تملك أجوبة فيزيائية، وهو الأمر الذي يسمح بتوالد التأويلات الممكنة، وتناسل القراءات غير المحدودة. ويشير الأستاذ يفوت، في هذا الصدد، إلى الفلسفة الكانطية، باعتبارها لحظة نقدية وتأويلية، حاولت بناء التفكير الفلسفي الإبستمولوجي مستلهمة ماتم تحقيقه في مجال العلوم الطبيعية. كما أن اللحظة الكانطية أنقذت الميتافيزيقا من الذوبان في النموذج الميكانيكي الطبيعي الصارم. فقد انبعثت الميتافيزيقا من جديد مع النقد الكانطي، هذا الانبعاث الميتافيزيقي، من منظور كانطي، الذي جعل أوروبا على عتبة الحداثة الأوروبية، بتعبير ميشيل فوكو( 1926-1984).