قلة المعارف والكشوفات في العالم المحسوس الشعوري، والتي لا تمثل إلا مقدار نقطة ماء في مياه بحار ومحيطات معارف العالم الخفي الزاخر بالحقائق المطلقة، التي لم يكشف الإنسان إلا القليل منها بطبيعتها النسبية، جعل المدرسة الاتحادية منذ نشأتها فضاء للعقلانية، ومدرسة لتربية الأجيال على الغوص في عالم التجارب العلمية والحياتية لتطوير المعارف، وبالتالي الابتعاد عن التكرار واجترار عادات وتقاليد الماضي البالية. إن كل اكتشاف علمي نافع في العالم المحسوس لا يعبر في الفلسفة الاتحادية إلا عن مستوى معين من مستويات النفعية المرتبطة بالحقيقة المطلقة المخفية في نفس المجال. فالاتصال الحسي مع الطبيعة تولد سلسلة من التصورات، التي لا يمكن أن تتحول إلى معارف نسبية، إلا من خلال التجربة. إنه السبيل الذي يمكن الإنسان من تعميم القيام بمجموعة من التجارب لتمكين الأجيال من تحويل نتائجها، بعد غربلتها من الذاتية، إلى مصطلحات تترجم تطور الإحساسات إلى أفكار جديدة، تمثل القاسم المشترك لكل التجارب المنجزة والعمليات التجريدية المرتبطة بها. إن توليد الأفكار العقلانية، بالنسبة لحزب الوردة، لا يمكن أن يتم إلا من خلال تكرار القيام بالتجارب والإحساسات المرتبطة بها، لتمكين الفرد والجماعات من تكوين قوانين عامة، تخضع بدورها للتمحيص والملاحظة، وتولد أحاسيس جديدة للقيام بتجارب متطورة، تتحول بدورها إلى مواضيع للاستنتاج والاستقراء. وبذلك تكون العلوم على هذا الأساس مجالا لا يعتمد إلا على الواقعية والملاحظة العقلانية من أجل بناء وإنتاج معارف جديدة خاضعة للتطور. وبذلك، كلما قام الإنسان بتكرار التجارب الجديدة، تغتني باستمرار الثروة المعرفية الإنسانية، وتستنبط الدروس عبر التطبيقات المختلفة، في أفق خلق نوع من التطابق ما بين الممارسة والمعرفة، وترسيخ ذاكرة ثقافية لتطوير المساطر البحثية، التي تؤهل الإنسان لربح رهانات تطوير نسبية الحقائق من خلال ترسيخ ثقافة الحرص الدائم على تقوية تأملاتنا وتخيلاتنا بخاصيات نوعية تحفز على تكرار التجارب الكاشفة للحقائق الجديدة.

ونظرا لهذه الاعتبارات، برز حزب الوردة، من الرواد مغربيا وإقليميا وجهويا، في الدفاع عن حقوق الإنسان، وجعل ممارستها وصيانتها أمرا طبيعيا في حياة الدولة المغربية، رافعا شعار جعل المجتمع وسلطاته في مستوى تأمينها على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ومؤهلا لمحاربة الحواجز التي تحول دونما أن تنتهك حرمتها. لقد جعل هذا الحزب من التربية على العقلانية واعتماد التجربة كأساس لتطوير المعارف آليتين لتقوية الفعل التنموي والتضامن المجتمعي بالشكل الذي يشيد حاجزا منيعا أمام نزوعات الغريزة الشريرة، وبالتالي تحصين حماية الفرد داخل وطنه من التحول إلى ذئب عدو لأخيه. فإضافة إلى الحق في الحياة، والنضال من أجل صيانته واحترامه في كل المراحل الحياتية، فإن أدبيات الاتحاد وممارساته اليومية تعتبر الحرية، إلى جانب ما سبق ذكره، أساس الإبداع والتطور القيمي والمادي. لم يتنازل رواد هذا الحزب عن النضال ومقاومة كل أشكال الإخضاع والإكراه وتقليص المجال الشرعي للحرية، وما ينجم عن ذلك من تفكك للحياة الاجتماعية ودخولها البطيء طور التفكك والانحطاط. على عكس ذلك، يبقى حزب الوردة من الأحزاب المتشبثة بصون كرامة الإنسان المغربي من خلال مناهضة كل أشكال العبودية والعنصرية والتمييز لاسيما ضد المرأة والطفل والأقليات، والنضال باستمرار لضمان مشاركة جميع أبناء المجتمع المغربي في بناء مجتمع من مختلف الأصعدة ومنها السياسة، وترجمة قيمه ميدانيا من خلال التعبير الواضح باستحالة فصل الحرية عن جوهرها، والذي يتجلى في حرية الفكر والتعبير والإبداع. لقد أبانت التجربة السياسية بالبلاد أن تاريخ الحزب في الدفاع عن المستقبل زاخر بالمكتسبات والتراكمات في النضال ضد كل أشكال التعذيب وكل أساليب الترويع والاستفزاز والإرهاب المتعمد، والعنصرية، وحالات التشهير والإشاعة، وكل ما له علاقة بأوضاع الحياة المنحطة، وعلى رأسها تحسين الحياة في السجون، والتنديد بالبغاء والمتاجرة بالنساء والأولاد، وكل ما من شأنه تحطيم إنسان ما نفسيا ومعنويا. وتماشيا مع مبادئه وقيمه، يعتبر الإتحاد أن ثقافة العقلانية، والتعود على إنتاج المعارف على أساس التجربة العلمية، لا يمكن أن تستوي بدون الارتقاء بالحق الطبيعي للإنسان في التعليم لتهذيبه وتثقيفه من خلال تربية مدرسية صالحة بمناهجها، ومستوى دروسها، وكفاءة رجالها ونسائها من الأطر التربوية، وصحة وراحة تلامذتها. موازاة على ذلك، يبقى ترسيخ قيم التسامح والتناقح بين الحضارات، كقيم مواطنة، رهينا بتوفير شروط الاعتراف المجتمعي بثقافة حرية التدين وممارسة شعائره دون تضييق.

والحالة هاته، يرى الإتحاد أن المغرب، زمن الكورونا بتأثيراته الصعبة التي قد تدوم طويلا، يحتاج إلى دولة قوية وعادلة بمسؤوليات كبرى تتعدى ما هو سياسي لتشمل المستويات الأخلاقية والأنطولوجية. إنها اليوم المسؤولة عن مجال الأخلاق والمجتمع ككل، وإذا ما ظهر انحراف عام في سلوك الأفراد، فمن الواجب أن تكون تدخلاتها قوية وناجعة وعادلة ومنصفة. ونحن نعيش هذه الآفة، يبقى من واجب الدولة ضمان أمن الأفراد وحريتهم وطمأنينتهم، والبحث عن تملك كل الوسائل القانونية واللوجستيكية التي تمكنها من القيام بمهامها على أحسن وجه.