ما جعلني أقرر كتابة هذا المقال مباشرة بعد سماعي بإمعان للخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة 2020/2021، والحوار الذي نشطه الصحفي جامع كولحسن مع ضيفيه الأستاذين جماهري وقرقري، هي العبارة التي ختم بها مدير جريدة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الحلقة بقوله “تحتاج البلاد إلى عقل وقلب ويد“. لقد وضع جماهري أصبعه على رهان مستقبلي تحلم به الجماهير المغربية والقوى الحية الوطنية بالبلاد. إن ما حققه المغرب، بموقعه الجغرافي والتاريخي والسياسي، لا يمكن تبخيسه طبعا، لكن ما يعبر عنه تقابل ثرواته البشرية والمعرفية والطبيعية بمستوى تنميته الترابية يسمح بنعت أوضاعه “بالغنى المهدور”. إن تراكمات الماضي لا يمكن أن لا تنبه المتتبع الغيور على بلاده إلى سيطرة منطق في التفاعل العمومي والمؤسساتي لا صلة له بالصفاء الذهني في التفكير وتطوير تمثلات الانتماء الوطني. إن الوقوف على الملاحظات الموضوعية في شأن منطق ممارسة السلطة لعقود خلقت نوع من التباين في التحليل لدى النخبة الوطنية، وتحكمت في إنتاج مواقفها وإنضاج سلطها التقديرية في التقييم والفعل السياسيين. لقد برز معسكر المحبطين الذين يؤمنون بحلول أخرى يعتقدونها الأنجع في تسريع تقوية الروح الوطنية في النفوس من خلال العمل السياسي الجاد، ليقابله معسكر آخر سلك سبيلا مغايرا جعله يستمد قوته من الصبر والانتظار والمقاومة والتدافع مساهما في ترجيح فرضية انتصار الحكمة والقناعة والعمل التقدمي البناء.

لقد عاش المغرب سياقات خاصة ذات خصوصية إقليمية وجهوية بالرغم من كونها لم تلتق فيها، للأسف الشديد، الإرادات الصادقة مبكرا لتشكيل حاجز قوي ومانع أمام الانتهازية والفساد والدسائس والمكائد المهمشة للكفاءات الوطنية. إنها الكفاءات التي لم تسعفها الظروف والمحيط السياسي من الوعي بالمتطلبات الإستراتيجية التي تليق بمراحل التغيير أو لم تسمح لنفسها اتخاذ قرار التكيف بدواعي الاستقلالية وصون النفس من السقوط في رذيلة الفساد (هناك من ينعت هذه الفئة بالطاقات المعرفية والعلمية الطوبيسية). لقد شاءت الأقدار أن تنتصر في محطات معينة دسائس المتربصين بخيرات البلاد، ليحققوا نجاحات ظرفية في زرع وإثارة الشكوك والتخويف بين الفاعلين الأساسيين في الدولة المغربية. وبذلك تحول التراب الوطني، الذي كان مطمح أعلى سلطة سياسية به تجميع القوى المختلفة والمتنوعة الكفيلة بإنجاح مرور البلاد من مرحلة الجهاد الأصغر إلى مرحلة الجهاد الأكبر، إلى مجرد فضاء للمعارك والصراعات المفتعلة الهادفة إلى خدمة الذات على حساب الوطن. لقد استمر هذا الوضع المقلق لعقود إلى درجة شاع اقتناع واسع لدى الرأي العام بابتعاد الفعل العمومي عن التنمية، وترتب عن ذلك ضحايا لم يكن بإمكانهم التكيف مع الأوضاع في أفق الإسهام في تغييرها. إنها المعارك التي تنافس فيها الفساد والابتزاز من أجل الاغتناء وتحقيق المزيد من الثروة المادية الشخصية كثمن للعب دور الوساطة على المقاس وبهوامش فعل محسوبة، ليسود الانطباع على إثر ذلك لدى الرأي العام أن السياسة مرادفة للفساد وتعبير عن طموحات الاغتناء اللامشروع. والحالة هاته، لم تساهم التطورات السياسية إلا في توسيع حلبة الصراع باستمرار لتشمل مجمل التراب الوطني، بحيث لم يترتب عنها إلا سياسات ترابية لم تعبر إلا عن ضعف واضح في البلورة والتنفيذ والوقع بالرغم من كفاءة الفاعلين ومستواهم المعرفي العالي (تعتبر في هذا الشأن المشاريع الكبرى المهيكلة للتراب الوطني استثناء). إنه التناقض الذي ساهم في خلق نوع من التذمر لدى عدد كبير من الفاعلين الأوفياء للوطن وحق الشعب المغربي في تحسين مستوى عيشه، لتجد النخبة اليقظة المشاركة في التغيير منذ البداية نفسها أمام محطتين اثنتين ميزتا التاريخ السياسي المغربي، بحيث برزت معالم الأولى بتعيين حكومة السي عبد الرحمان اليوسفي، والثانية بدخول المغرب إلى العهد الجديد بقيادة جلالة الملك محمد السادس.

وهنا، وباستحضار التطورات ما بعد 1998، ومحتوى الخطابات الملكية في السنين الأخيرة وعلى رأسها خطاب 9 شتنبر 2020 السالف الذكر، لا يمكن للمتتبع إلا أن يعتبر أن الوقت قد حان للحديث عن مغرب آخر بمنطق سياسي جديد عنوانه الأبرز “قيادة التغيير بدولة قوية سياسيا وإداريا”، وأن ما مضى من سياسات، بالرغم ما أحدثته من انطباعات سيئة، هناك من يعتبرها محطات مدروسة في استراتيجيات قيادة التغيير بالتدرج لخلق التحولات في المجتمع والدولة في إطار الاستمرارية. إن قراءة الأوضاع تنم أن النخب التقليدية قد خضعت لامتحان الاندماج في الحكامة الجيدة لأكثر من عشرين سنة، منها من نجح ومنها من تعنت وقاوم منطق التغيير. وهنا أعتقد أن الدولة قد توجت مسار تفاعلاتها بحصيلة أفرزت ميكانيزمات قانونية وتقنية ذكية ستمكن البلاد من تهميش المتعنتين المقاومين للتغيير والتخلص من تأثيرهم وعرقلتهم للفعل العمومي الجاد، وراكمت مؤسسات البلاد ما يكفي من المقومات لاستنفاذ قوة المبتزين والفاسدين، الذين فشلوا في امتحان الوطنية لعدم استيعابهم أن عهد الحق في الصراع كمرادف للحق في الاستيلاء على النصيب من خيرات البلاد قد ولى. إن ما تعيشه البلاد من ترتيبات ترجح اليوم أن بلورة نموذج تنموي جديد، وإعطاء الانطلاقة لتفعيله، يجب أن يشكل موضوعيا نقطة تحول حاسمة نحو استكمال مقومات مغرب النماء والتطور.