في المفهوم:

     تعتبر الحركة الإنسية في سياقها العام, حركة فكرية تساهم في تحقيق نهضة إنسانية لأمة أو شعب, بفكر جديد يؤمن بالحركة والتطور والتبدل داخل الدولة والمجتمع, أي داخل عالم الإنسان, من خلال تمجيد عقل وقوة الإرادة الإنسانية واإشعار الإنسان بأنه قادر على تحقيق مصيره, وأن كل التاريخ الذي عاشه هو وأجداده من صنع البشر. ولكي يعود الإنسان بعد تشيئه واغترابه واستلابه إلى مرجعيته الإنسانية, لا بد من مواجهة الفكر الأصولي الجمودي الاستسلامي الامتثالي, دينياً كان أو وضعياً, مع حوامله الاجتماعيين من القوى المستبدة والظلامية, التي عملت على استلاب الجوهر الإنساني تاريخيا. 

الحركة الأنسية في التاريخ العربي الإسلامي:

     لقد شكل برأي مشروع الخليفة “المأمون” في بداية القرن الثالث للهجرة (العاشر ميلادي). أول مشروع “إنسي” في تاريخ الخلافة العربية الإسلامية, عن طريق أعلى الهرم السلطوي ذاته (الخليفة), عندما أصدر الخليفة المأمون فرمانا (212 للهجرة) يطالب به الفقهاء ورجال الدين والقضاء, باعتمادهم العقل والمنطق وسيلة لتسيير حياة الناس, وهذا تطلب آنذاك إعادة تفسير النص المقدس وتأويله من منطلق عقلي يحاكي خصوصيات الواقع والتطور المعرفي الذي حصل في تلك المرحلة. فكانت المسائل التي طُرحت آنذاك واشتغل عليها الكثير من المفكرين الإسلاميين وخاصة (المعتزلة), مثل  خلق القرآن, واعتماد العقل وسيلة للتفكير وتداول النص المقدس  بدل النقل, ومحاربة رجال الفكر الأصولي الذين مثلهم ابن حنبل آنذاك, والانفتاح على الفكر اليوناني العقلاني المنطقي, وترجمة الكثير من مؤلفات فلاسفة اليونان  وغيرهم من أصحاب الحضارات الأخرى ذوي التوجهات العقلانية التنويرية.

     لقد شكلت حركة المأمون الأنسية في الحقيقة, نقطة تحول كبيرة في مسيرة الفكر العقلاني العربي والإسلامي, وساهمت في التأسيس لحركة أنسية, ربما لم تستطع الاستمرار في الواقع عملياً بسبب ما قام به الخليفة “المتوكل” عند استلامه الخلافة, وإصداره فرماناً 233 للهجرة) تحت ضغط الأتراك السلاجقة عليه, يناقض فرمان المأمون, والذي تضمن محاربة العقل  والعودة إلى النقل, وتسليم أبي حنبل قيادة المشروع السلفي, الذي وضع نصب عينيه  محاربة الحركة الإنسية, ومحاكمة كل من يقول بالعقل نهجاً في الفكر والممارسة ويعطي الإنسان تلك المشروعية في الخلافة والتحكم بمصيره على هذه الأرض, ويخالف النقل. نقول بالرغم من أن الردة السلفية قد أقصت الفكر الأنسي من التطبيق العملي, إلا أنها لم تستطع أن تلغي فكر هذه الحركة على المستوى النظري, حيث ظل يمارس دوره في السر عند العديد من الفلاسفة والفقهاء مثل ابن شد والفارابي وابن سينا وابن حزم وأبو حيان التوحيدي وكل من اشتغل على فكر المعتزلة وإخوان الصفا. وصولاً إلى عصرنا الحالي.

     وعلى الرغم من ظهور بعض الحركات الأنسية في تاريخنا الحديث والمعاصر كحركة “محمد علي باشا” و”خير الدين التونسي”, إلا أن ثقل حمولة الفكر السلفي وأدواته في عالمنا العربي ساهم في اجهاض هذه الحركات أو حرفها عن خطها أو مسارها العقلاني, الأمر الذي ترك الفكر السلفي يفرض نفسه من جديد وبصورة أكثر حضوراً وفاعلية في وقتنا لحاضر.

     على العموم نستطيع القول: إن الأفكار التي مثلت الحركة الأنسية في أوربا, في القرنين الخامس والسادس عشر, تظل هي الأفكار الأكثر تعبيراً عن هذه الحركة الأنسية النهضوية في وقتنا الحاضر, مع تأكيدنا بأن هذه الأفكار النهضوية للحركة الأنسية في أوربا, لم تُفرخ مجردة, بل كان لها مقوماتها الموضوعية والذاتية التي انطلقت من إيطاليا لتعم أوربا فيما بعد. حيث كانت أهم هذه المنطلقات هي:

     أولاً: موقع إيطاليا الاستراتيجي وسط حوض البحر المتوسط حيث لعبت دور الوسيط بين آسيا وغرب أوربا, مما أدى إلى ازدهار مدن إيطاليا المستقلة (فلورانسا، جنوة، البندقية) كذلك موقعها بين العالم الإسلامي وأروبا الذي سمح بانتقال مظاهر الحضارة الإسلامية إلى أوربا.

     ثانياً: بعد سقوط القسطنطينة على يد العثمانيين انتقل عدد من العلماء ومعهم العديد من المخطوطات والوثائق الإغريقية للاستقرار بالمدن الإيطالية, إضافة إلى وجود الآثار الرومانية التي أثارت اهتمام الإيطاليين للبحث في الجوانب الفنية والعلمية والهندسية للعالم اليوناني والروماني. 

     ثالثاً: المدن الإيطالية كانت أكثر المدن الأوربية تجارة وصناعة مما أدى إلى تراكم الأرباح والثروات وظهور مؤسسات بنكية ومالية وأسر غنية ساهمت في تطور الحياة الثقافية والفنية.

أهم المظاهر الفكرية والعلمية والفنية التي تساهم في انبعاث الحركة الأنسية العربية في تاريخنا المعاصر فهي:

     1-  ضرورة تطوير مناهج العلوم من خلال قيام المعرفة على أساس التجربة والمنطق والتحليل والاستقراء والاستنتاج, وبالتالي اعتماد قواعد الفكر العلمي الحديث، وتطبيق المنهاج العلمية في البحث. 

     2- التأكيد على أهمية نشر العلوم التنويرية الإبداعية في الأدب والفن والموسيقى والفلسفة. ولا بد أيضاً من التركيز على تنوع المواضيع المرتبطة بحياة الإنسان, والتركيز على الإنسان ذاته وإبراز قوته وعظمته ودوره في صناعة تاريخه, وكذلك التركيز على نواحيه الجمالية, والخلقية.

     3- الاشتغال على كافة العلوم التطبيقية كعلوم الهندسة والميكانيك وكل ما يتعلق بحياة الإنسان الاقتصادية من زراعة وصناعة وتجارة, 

     4- استخدام الثورة المعلوماتية وتوظيفها التوظيف الأمثل على كافة مجالات حياة الفرد والمجتمع والدولة.

     5-  التركيز على إحياء الجوانب العقلانية في التراث العربي, ونبذ كل تفكير لا يستخدم العقل والمنطق وسيلة للوصول إلى الحقيقة.

     6- الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى العملية والفكرية ومحاولة تطبيقها في الواقع, مع مراعاة خصوصيات الواقع المعيوش.

     إن إلقاء  نظرة أوليه إلى واقعنا العربي ترينا غياب العديد من مقومات الحركة الأنسية على أرض الواقع المعيوش, إلا أنها  متواجدة في حالة كمون, بسبب وجود قوى سياسية حاكمة في عالمنا العربي ومن يساندها من قوى الظلام وثقافة القبور, لا تريد لهذه المقومات أن تظهر, كونها تدرك أن ظهورها وبالتالي تطبيقها على الواقع, سيعمل على تحطيم تلك القوى المستبدة والمتخلفة حضاريا واقصائها, لذلك غالباً ما تلجأ هذه القوى المفوتّة حضارياً, إلى تعويم وتشغيل كل معوقات قيام هذه الحركة الإنسية ومحاربة من يعمل على إحيائها. 

د. عدنان عويد كاتب وباحث من سورية.