نحن الآن في الشهور الأخيرة لعام 2020 وهو العام الذي يسجل مرور 100 سنة على ميلاد الشهيد المهدي بن بركة.

وبعد غد الخميس 29أكتوبر تكون 55سنة قد توالت بعد ذلك اليوم المشؤوم الذي تم فيه اختطاف واغتيال المهدي بن بركة بالعاصمة الفرنسية يوم الجمعة29أكتوبر1965

هكذا تتوالى الأيام والشهور والأعوام والعقود على غياب رجل استثنائي انتبه إليه بصورة مبكرة الزعيم محمد اليزيدي الذي كان بمثابة الأب الروحي للمهدي بن بركة.

كان عمر المهدي 13 سنة حينما سافر من الرباط إلى الدار البيضاء كأصغر واحد ضمن مجموعة من الشباب كانت تتشكل منهم فرقة مسرحية يشرف عليها الزعيم الوطني الكبير محمد اليزيدي.

كان أولائك الشبان الرباطيون يتجولون في شوراع الدار البيضاء حيث كان الازدحام البشري يختلف عما عليه الحال في الرباط. ولهذا فقد الجماعة أي أثر للطفل المهدي بن بركة لفترة من الزمن.

ولما عثروا عليه قال لهم اليزيدي:”عليكم أن تردوا بالكم حتى لا يضيع منا هذا الولد مرة أخرى لأنه إن ضاع منا فسيكون ذلك ضياع مستقبل المغرب الذي نعمل على بنائه“.

في سنة1933 هكذا كان محمد اليزيدي يهتم بمستقبل الشاب المهدي بن بركة ولكن بعد مرور 32 سنة سيفقد المغرب المهدي بن بركة كرجل دولة وكزعيم سياسي ومناضل وطني كبير كان عمره 45 عاما ناضل من أجل استقلال المغرب واسترجاع سيادته، تحمل في عهد الحماية الفرنسية غياهب السجون والمنافي ولما استعاد المغرب استقلاله وسيادته تعرض لشتى أنواع المضايقات بما فيها محاولة اغتياله يوم الجمعة16 نونبر 1962 لما كان في الطريق من الرباط إلى الدار البيضاء وكان ذلك يوم الذكرى السابعة لعودة الملك محمد الخامس من منفاه حيث خصصت مدينة الرباط استقبالا جماهيريا ضخما للملك العائد إلى عرشه ذلك الاستقبال الذي أشرف على تنظيمه الشهيد المهدي بن بركة ما جعل الملك يقطع المسافة ما بين مطار الرباط سلا والقصر الملكي وسط أمواج بشرية لم يسبق لها مثيل في يوم عظيم من الأيام المغربية.

قبل اختطافه ، كان المهدي بن بركة قد توصل في أكتوبر 1963 برسالة من المفكر الفرنسي جاك بيرك المختص في قضايا المغرب والعالم الثالث، وجاء في الرسالة :”إن المدهش فيك أنت ورفاقك هو مفهومكم للدور الذي تلعبه النخبة والجماهير الشعبية في تحريك عجلة التاريخ، وهو دور لا تستطيع أن تتنكر له القوى الرجعية“.

وفعلا ظل المهدي بن بركة طوال مساره النضالي يحرص على ربط علاقات قوية بين النخبة السياسية والجماهير الشعبية إذ كان له وعي كبير بدور الجماهير وحضورها القوي في المعارك السياسية لأن نخبة المفكرين وطبقة المثقفين والزعماء لا قدرة لهم وحدهم على إنجاز التغييرات وتحقيق التطورات التي يسعى إليها القادة لإخراج المجتمع من التخلف ومن حالة الشعور والخوف من السلطة الحاكمة والمتحكمة في البلاد.

بعد سنة من الاستقلال سيقول المهدي بن بركة بأن ضعف المجتمع يكمن في ضعف التربية والتعليم وأن العمل الأساسي للنخبة السياسية هو المواجهة مع مشاكل التربية والتعليم ولهذا اهتم رحمه الله بتنظيم أساليب محاربة الأمية ومناهج التربية الأساسية للرجال والنساء المتقدمين في السن ومن أجل ذلك أشرف على حملات وطنية لمحاربة الأمية في عهد الاستعمار وفي عهد الاستقلال.

ولهذا تم توشيح المهدي بن بركة بوسام خاص من منظمة اليونيسكو على يد مديرها العام في مقر المنظمة بباريس في شهر نونبر 1959نظير جهود المهدي بن بركة في محاربة الأمية بالمغرب.

يقول المؤرخ الفرنسي الكبير وصديق المغرب شارل أندري جوليان في مؤلفه الشهير المغرب في مواجهة الإمبرياليات” بأن الذين تعرفوا على المهدي بن بركة وأدركوافي عين المكان صعوبة التكوين المدرسي يظلون مقتنعين بأنه لو وضع الشاب أستاذ الرياضيات المهدي بن بركة على رأس التعليم العمومي لكان قد عرف كيف يخرج من مخيلته الخلاقة الحلول الكفيلة بجعل المغرب يتجنب السقوط في الأخطاء التربوية.

هكذا تمكن خصوم المهدي بن بركة وأعداء الوطن يوم 29أكتوبر 1965 من إقصائه وإبعاده وتصفيته في مرحلة كان فيها الوطن في أشد الحاجة إلى المهدي بن بركة

كان السي المهدي يرى أن كل ما يتم تشييده في مغرب الاستقلال سيبقى هشا بدون علم وبدون معرفة وسيقول في محاضرة بقرية تيومليلين بأن البلاد التي لا تتوفر على الباحثين وليس لها علماء ستؤول إلى العبودية وهي لا تستحق إلا العبودية. وبدون بحث علمي يقول المهدي بن بركة لا يمكن أن يكون هناك تطور بل لا يمكن أن تكون هناك حياة.

عبد اللطيف جبرو

منقول عن صفحة الكاتب بالفيس بوك