العقلية السلفية

     إن العقلية السلفية هي عقلية وثوقية, تعمل على تضخيم الانفعال والعاطفة والشعور والوجدان والإحساس, على حساب العقل والمنطق والتمييز والإدراك. وهي عقلية تقطع كل صلة بالعالم المعيوش, وتكفر كل ما هو حديث وإبداعي في حياة الناس بكل مستوياتها, طالما هي بعيدة عن حياة السلف, وبالتالي يجب محاربة هذه الحياة المعاصرة وقيمها ومثلها, والنضال من أجل تجسيد أو تطبيق قيم ومثل الفكر السلفي ومنهجه. ومن هذا المنطلق أو المنظور الماضوي, اعتمدت الفقه وسيلة أساسية لخدمة أهدافها. أي (علم الفروع). أي المنظومة الفقهية لأهل الحديث, وهي منظومة معادية أو مناهضة للعقل وعلم الكلام, وقد كفرت وزندقت كل من اشتغل على المنظومة العقلية , لذلك فإن من أولى أهدافها, تحريض المشاعر والعواطف وإلهابها, وجعلها بديلاً عن العقل في تقويم حياة الفرد والمجتمع, وتحديد ما عليهم أن يفعلوا وما عليهم أن يتركوا مع اعتبار الماضي وحده هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما يعيشه الإنسان, وما سيأتي لاحقاً  في حياته. 

سمات وخصائص العقلية السلفي:   

    وإذا ما نظرنا إلى سمات وخصائص العقلية السلفية في تاريخنا المعاصر, نجد أن هذه العقلية لم يزل لها حضورها الفاعل, من خلال اعتمادها على الماضي منطلقاً وجودياً ومعرفياً لكل ما هو تال, واعتبارها النبع الصافي ممثلاً في أصوله القرآن والحديث وسيرة الرسول وكتب الفقه وأقوال الصحابة وقصصهم. 

وبالتالي فإن:

    أولاً: كل ما يبديه الإنسان عبر تاريخه هو ليس أكثر من تفسير لما هو موجود في هذه النصوص المقدسة عبد أصحاب هذه العقلية. فالكشوف العلمية والقانونية وقضايا المجتمع, هي ليست أكثر من تجلي لما هو موجود أصلاً في القرآن, كما يعتقد الكثير من أصحاب التيار الوثوقي السلفي, ({ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } الأنعام 38 ]. 

     بيد أن أي سلوك او تفكير يظهر خارج ما فهمه وفسره واوله اصحاب هذا التيار السلفي, هو بدعة وضلالة. 

     ثانياً: كما أن أصحاب هذه العقلية لا ينظرون إلى طبيعة العلاقات القائمة في المجتمع وفق منظور مستًغِل ومستًغًل, بل وفق منظور ديني عقيدي, (كافر ومؤمن وزنديق.. ).

     ثالثاً: كما ينظرون بريبة لأصحاب الديانات الأخرى بما  فيها المسيحية واليهودية, وحتى المختلف معهم في الرأي من هذا التيار, بأنهم كفار وليسوا مواطنين.

     رابعاً:  كما أنهم مازالوا يحتقرون المرأة ويعتبرونها ضلعاً ناقصاً.

     خامساً:  وأن العمل في هذه الحياة عندهم هو لكسب الآخرة وليس لتنمية المجتمع وتقدمه.

     سادساً:  كما أن أصحاب هذه العقلية يرفضون كل الأيديولوجيات الوضعية, اليسارية منها والقومية والليبرالية, ويعتبرنها فكراً تكفيرياً يراد به تقسيم المسلمين والإساءة لعقيدتهم.

     سابعاً: مثلما ظلت السياسة تشكل أحد التوجهات الخفية والظاهرة لأصحاب هذه العقلية السلفية الوثوقية. فالحاكمية هي المصدر الوحيد للتشريع, وهي السبيل لوحدة المسلمين.

     ثامناً: كما نجد هذه العقلية لم تزل تتمسك بسلوكيات السلف, (الرسول والصحابة والتابعون وتابعوا التابعين..), من حيث الشكل أكثر من الجوهر, كهتمامهم باللباس والمسواك وتربية الدقون وحف الشوارب, والقطع القيمي والأخلاقي في مسائل الضحك والعطاس وغير ذلك. 

     ثامناً: أما أهم وسائل الترويج لمشروعهم السلفي والتسويق له, فيأتي عبر الدروس والخطب الموجهة عبر مكبرات الصوت وأشرطة التسجيل ودروس الجوامع وشاشات التلفاز التي أوجد معظمها بعض الحكام لدعاة هذا الفكر, من أجل تجهيل الشعب وإبعاده عن قضاياه الأساسية وما يحيط به في واقعه من قهر وظلم واستبداد.

ملاك القول:

     إن السلفية في نهاية المطاف, قوة فكرية مشحونة بحيوية مذهلة من الرؤى والأفكار ذات الطابع اليقيني الامتثالي الساذج, القادرة على صهر ضمائر وعواطف المريدين له, بعد أن فشلت كل المشاريع الأيديولوجية الأخرى في كسبهم إلى جانبها. ومن هنا استطاعت أن تسود أكثر من 1300 عاماً وهي تمارس حجرها على العقل والإرادة الإنسانية, حتى تحولت مفاهيم السلفية ورموزها إلى ثقافة شفهية تغلغلت في كل مسامات حياة الفرد والمجتمع الإسلامي, والأخطر من ذلك أنها تحولت بفعل دخولها السياسة إلى قوة تدميرية رحنا نحصد نتائجها من خلال ممارسات القاعدة وكل فصائلها, وفي مقدمتها داعش والنصرة وكل من التقى معهما من الفصائل الإسلامية الداعية إلى إقامة الخلافة الإسلامية, تحت مظلة ما سمي ثورات الربيع العربي أو المظلة المذهبية.

د. عدنان عويد كاتب وباحث من سورية.