«حقوق الإنسان» في المغرب، مبادئ وآليات، ثروة سياسية واجتماعية. ثروة أنتجها المغاربة، كما ونوعا، عبر عقود من الكد السياسي وتحمل جسام التضحيات والآلام. وأيضا عقود من التمترس بسواتر الأمل. عقود من مسار طويل، وعر، متعرج، متقطع، مؤلم، ومفازة من الألغام… تطلب الأمر سنوات من التمارين ومن اختبار النوايا… في مسعى الخروج من تنافرات نزوعات الإقصاء بين أطراف الشد السياسي، إلى تفاعلات المشاركة في تدبير الوطن… حتى وقد استعادت السياسية جذورها الوطنية سنة 1975، مع مسيرة استرجاع الصحراء المغربية… لم يكن التخلص من أوزار المرحلة بعيد الاستقلال لا سهلا ولا سريعا… غير أن الإرادات الوطنية، وعت الضرورة التاريخية لصوغ التحام وطني جديد، يمكن من تدارك التأخر في النهوض بالتزامات وتحديات «الجهاد الأكبر»… نجا مسار الإصلاح من ألغام واجتاز مطبات وتغلب على مثبطات… لقد عشت ما صاحب انبثاق الفكرة الحقوقية في المغرب من تضييق على نشأتها. كنت ساهمت، في تأسيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وعضو في لجنتها الإدارية الأولى، التي رأسها الأستاذ علي أومليل نهاية السبعينيات… ثم كنت شاركت في نهاية الثمانينات في تأسيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، وكنت نائبا لرئيسها الأستاذ عمر عزيمان… كان الإيمان بالفكرة قويا لدينا، ولم يتأثر تطلعنا الحقوقي بكل تلك التضييقات، تواصل عملنا، وتواصل نمو الفكرة الحقوقية، منذ ذلك الحين، من ثلاث جمعيات سنواتها إلى ما يزيد عن ستين جمعية حقوقية اليوم… إلى أن أضحت حقوق الإنسان شأنا وطنيا تلتقي في تكريسها إرادة وجهود الدولة والمجتمع معا.
مع إعلان المغفور له الملك الحسن الثاني عن خطر «السكتة القلبية» التي تحدق بالبلاد… اندفع المغرب، كل المغرب، إلى الحد من «توالي سنوات الجمر والرصاص» بالإرساء المشترك «لمفاعل حقوق الإنسان» في أوصال الوطن، وهو المحرك والمخصب لتفاعل بعدي المعادلة التاريخية: الوطن والديمقراطية… والخطو الأول في هذا الاتجاه كان هو إلغاء «قانون كل ما من شأنه» النقيض الوجودي لمبادئ حقوق الإنسان ولمواصفات وثقافة الديمقراطية.
واليوم، دستوريا، الاختيار الديمقراطي أضحى أساسا استراتيجيا للدولة، مع كل المتصلات به من تحققات ومقتضيات حقوق الإنسان… جملة من القوانين عدلت أو أحدثت بوازع التأقلم مع الالتزامات الحقوق… مدونة الأسرة، قانون الصحافة والحريات، قانون الأحزاب وغيرها… أيضا، تأسست مؤسسات الحكامة الرشيدة، التي تعنى بتدبير الحقوق السياسية، الثقافية، الاقتصادية والاجتماعية، وتمت دسترتها، بما أسهم في تغيير البنية المركزية للدولة لصالح تمتين وتمنيع التدبير الذاتي القطاعي للمرفق العام… بما يعزز دمقرطته. والدولة اليوم، وفي هذه الجائحة، أبانت عن مناعة ضد السلطوية التدخلية… قادت، وتقود حرب الوباء، باقتدار، ملتزمة بالمسلك الديمقراطي في اتخاذ قراراتها.

القرارات التي تمتد من أساسها هو إعلان حالة الطوارئ والحجر الصحي، باستصدار القرار من البرلمان، وإلى المساطر العملية المتولدة عن القرار الأساس… لم تنجذب الدولة إلى إغراء تعطيل القانون لفائدة «الراحة» في التفرغ لتدبير حالة الحرب هذه. إنه نجاح في إختبار تاريخي لدولة «الاختيار الديمقراطي الاستراتيجي».
لسنا في جنة عطرة، يانعة الاخضرار ومتفتحة الأزهار… ولكننا تقدمنا ونتقدم والآفاق واعدة بالمزيد من التقدم، مجتمعنا متأثر بكوابح التأخر التاريخي وهول الخصاص التنموي (ضمنه آفة الأمية)… بما لا يساعد على تقليص الفوارق والتفاوتات الاقتصادية الاجتماعية والثقافية… وبالتالي فإن الممارسة الديمقراطية في شموليتها تضعفها وتثقل نفاذها أعطاب موضوعية (وضعية المرأة مثلا)… تدارك الخصاص التنموي هو اليوم متواصل بجدية وهو مشروع وبرنامج حكم للملك محمد السادس… إنه الأساس المادي الاجتماعي للعمران الديمقراطي.
العمران الديمقراطي ليس صرحا نقيمه في حيز زمني وننتهي منه. إنه ثقافة، وعي وتعاقد اجتماعي يتأثر بالتدافع السياسي والاجتماعي، وإن كان موضوعيا هو الأداة التاريخية الفاعلة في تعميق النضج الاجتماعي وتقوية الحساسية الاجتماعية للدولة. الديمقراطية، وضمنها آليات حقوق الإنسان، ثروة، هشة، وقابلة للتقلص والضمور وحتى إلى التبديد، إذا، هي لم تستعمل بالشكل الصحيح. ثروة تنمو مع الممارسة وتتعمق وتورق أكثر ودائما بالاستعمال… وبالممارسة الصحيحة. صحة الممارسة في أن تكون حقوق الوطن، هي المنطلق وهي الغاية. حقوق الوطن في الحفاظ على استقلاله وتأمين وحدته وصون كرامة المواطنين… آليات حقوق الإنسان، وكما توظفها جهات متآمرة، (لها أسماء في الخارج والداخل) معادية للديمقراطية ومعادية لوطنها، وجهات أخرى ساذجة أو متهورة، تتوسل بآليات التعبير والتنظيم الديمقراطيين، إنه حق يراد به باطل. لمحاولة الإضرار معنويا وحتى ماديا بالوطن وبالمواطنين. وأسلحة ذلك الإضرار هو التضليل والتهويل والاتهامات الباطلة وبث الإشاعات ونشر الأخبار الزائفة والتشهير والتحامل ومحاولة النيل من الثقة الشعبية في المؤسسات الوطنية… الثقة التي اكتسبتها من فعاليتها في تأدية مهامها حماية للوطن وصونا للحقوق الديمقراطية. ولا أخطر من التحريض على الفتن، ولا أخطر من قطع شرايين ثقة شعب في ذاته وفي مؤسساته.
التنظيم والتعبير حقان. وأي حق ليس مطلقا، كل حق مقيد بالمسؤولية، بالقانون وعدم العسف على حقوق الآخر… والدوس على حقوق الوطن. الحقوق أصلا هي لتمكين المواطن من المشاركة الفاعلة في تدبير الشأن العام الوطني. وعدا عن تحديات التنمية التي تتطلب حماسا وطنيا، نحن في مواجهة الإرهاب الكامن لنا في داخلنا، وفي مواجهة مؤامرات من يحرك الانفصال ضد وحدة ترابنا الوطني، وليس له من هدف إلا محاولة إضعاف المغرب ومحاولة فرملة نهضته. نحن في وضع يستدعي دوام التأهب وتعزيز التعبئة الوطنية. التأطير الجمعوي الواسع في المغرب. والاستعمال الصاخب للتعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كلاهما دليلان على حيوية المجتمع… ويفترض أن يكون لهما مفعول في الرفع من الحماس الوطني إذا ما استحضرت في تلك الممارسة حقوق الوطن. والحرص على إفشال محاولات المعادين للمغرب علنا وسرا، بإبطال مفعول دسائسها… وعدم تسهيل تسلل سمومها إلى حماسنا وإلى عزمنا على الانتصار للوطن وللديمقراطية.

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي :الخميس 10 دجنبر 2020