قال الإمام علي :” كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلاَّ وعاء العلم فإنه يتسع به .”

إنه لامعنى للسياسة بدون  علم وحكمة ،  فإن خالطها استغلال الجهل والأمية والفقر والدين ،وعدم حياد السلطة كمؤسسات أو أفراد فاعلم أنها  وجه من أوجه التحكم وتسخير للمسؤولية العامة لضرب جوهر الديموقراطية ، واستهتار واستخفاف بوعي وإرادة الناس ، وقفز على القوانين والتشريعات والمرجعيات الفكرية السياسية للديموقراطية وحقوق الانسان  في العالم ، ويصنف ذلك في خانة التزوير الإستباقي للتحكم في السياسات والقرارات والناس   والنتائج ..

فكما أنه لا سياسة سليمة  بدون حكمة ،  لامعنى للحرية بدون المعرفه والوعي بها وعقلنة منهجية  ممارستها في علاقة بالذات والأسرة والمجتمع والإنسانية ..

فنحن مند طفولتنا نراكم ونكتسب المعارف ونتملك بشكل متدرج الوعي وننميه  من خلال عمليات التنشئة الإجتماعية  والتعليم والتواصل مع العالم والطبيعة والكون   .. وقد ينتج عن نوعية وطبيعة التنشئة بالبيت والمجتمع و”التعلم”   وعي زائف ومغلوط ، و” إيمان” أعمى ، ولا يتفلت من ذلك إلا من تمكن وهو في طفولته بدعم من محيطه الصغير أو وعي مبكر من الإدراك والتمييز والترجيح ليختار لنفسه رغم كل المظاهر الزائفة والمعارضات والمعيقات والإكراهات  فينجح في مسارات حياته ويبني لنفسه شخصية متزنة وحكيمة تتعامل موضوعيا ومنطقيا  بعقلانية مع التحولات والتغيرات والإنكسارات  التي تكون وراءها سياسات عمومية  وجماعات الطاقات السلبية الكيدية ونمادج بشرية تتبنى المظلومية والكلام والكتابات الزائفة  …

إن كل شيئ يكتسب من اللغة إلى العادات والتقاليد و المعتقدات والثقافات ..وكل من يتوهم ويظن  من خارج المعرفة الموضوعية والحقيقة العلمية  أنه على حق  سيجعل اختياراته ومواقفه  فاسدة وباطلة ومجانبة للصواب وغير صالحة للتوظيف والاستعمال ، لأنها تصبح جزءا من معاول الهدم والتضليل والتعطيل والتعطيل  ..

إن الكلام والكتابة يرتبطان بمستوى المعرفة والقدرة على التأمل والإجتهاد والإبداع في التفكير والحديث والعمل  في علاقة  بمستوى الوعي  بالواقع إكراهاته وطرق معالجتها وتجاوزها والتخفيف من آثارها السلبية وأضرارها ، وتملك الحد المعقول من متطلبات وآليات تحديد الأوليات والاستراتيجيات وبرامج عمل سلسة قابلة للتراكم الإيجابي ،، فدرجة التواصل وفن وآداب الكلام والكتابة تقاس بمدى إيجابية وعقلانية وموضوعية وسلامة وعي ونضج  المتحدث والكاتب ، فكم من الساسة والبعض من المحسوبين على الأحزاب ومنظمات وهيئات  المجتمع المدني   وكذا بالمؤسسات لايفهمون ولا يقدرون الناس ولا يفهم الناس قصدهم لأنهم يناقضون مواقفهم وسلوكهم ولنا في تصريحات بعض الأفراد بالحكومات والقطاعات  أكثر من مثال ،، فهم إما غير مقتنعين بما يقولونه ويسمعونه  وهذا من أنواع التقية و النفاق  حيث يسعون إلى إقناع الناس بأن مصلحتهم في مفسدات متسترة  وراء إدعاءات الإصلاح والتغيير والمزايدات الفارغة العقيمة ، وإما أنهم يجهلون مخاطر  ما يؤمنون به ويقومون به  ، وإما أنهم يعلمون ويتعمدون  قول مايقولون لارضاء وإلهاء وتضليل الناس لأغراض تدخل في مجالات السياسويات الرسمية وحتى الشعبية ..

وكقراءة أولية في أكثر من  نصف قرن المنصرم  إذا قمنا بتجميع اللامادي المشترك بين الأجيال لوجدنا أن مستوى الوعي كان مرتفعا  رغم صعوبة وتعقيدات تلك الحقب ،  كما أن مستوى الوضوح فطري  بصفائه وتجلياته يجعل الإيثار والتضحية صفتان ملازمتان  لكل النخب المناضلة قواعد وقيادات ، فالجامعات كانت إلى حدود أواسط  الثمانينات منبرا وشعلة في الوعي والمعرفة والحداثة والعقلانية تعلق الأمر بالقطاع الطلابي أو التلاميذي أو الشغيلة التعليمية بالجامعات وكل المستويات التعليمية  وبالعديد من القطاعات العمالية ،،  إلا أن الموجات السياسوية  التبخيسية التي  يقوم بها  الفكر اليميني النكوصي المناهض للوعي والديموقراطية والحداثة  في سعي للتحكم في التوجهات العامة والرسمية  انعكست آثارها السلبية على بعض مؤسسات الدولة وعلى المجتع ونخبه بعد تضرر مناعة وقوة واختيارات  القوى الحية ومنها الأحزاب الوطنية  والحركة النقابية التاريخيين  الذين  كانوا يقومون  بدور التأطير والتكوين والتنظيم ،

 إن حساب الإحتمالات تجاه ما نقوله وما نعلمه  وما نعمله ومستوى ضبط التصرفات والتحكم فيها وترشيدها  يفترض أن يكون قبيل وبتلازم مع أي  تصرف وتفاعل مع العالم الخارجي ، حيث يجب وبصيغة الإلزام الأخلاقي  أن يكون المسؤولون بالحكومات والمؤسسات العامة ،والقيادات والمنخرطون بالأحزاب والنقابات منظمات وهيئات المجتمع أكثر حكمة واتزانا وصدقية  لضمان تثمين القيم الإيجابية للإنسانية وتماسك المجتمع وتضامنه  مع ضرورة مراعاة  فهم  واحترام مواقف وخصوصيات  الآخرين ،  فالتنوع والإختلاف الإيجابي والعقلاني والنقد البناء الموضوعي  والواقعي  يقدم خدمات في طريق التطوير والتحديث والتوعية ..

وليس من الحوار والتواصل والإختلاف اعتماد  الساقط  من الكلام والتصانيف المشبعة بالكراهية والتآمر والتشكيك والتضليل و التلويح بتكفير المخالفين ونشر الإساءات التافهة ، وقد لاحظ المتتبعون ان البعض من المسؤولين ببعض المؤسسات والمنظمات يجرفهم ثيار العدمية والانهزامية ..

 فتاريخ البشرية عامة و في الدول الإسلامية بصفة أخص   مليئ بمساحات مظلمة وكارثية واحيانا دموية  من مثل ما حصل للإمامين الحسن والحسين أبناء الإمام علي بن ابي طالب وما تعرض له العديد من العلماء والمفكرين والفلاسفة حتى عصرنا هذا ، وما قام ويقوم به التكفيريون وما يمارسه التضليليون والشعبويون المختصون في الترويج للأوهام وتخيل  المؤامرات  وفقا لرغبات خصوم الأوطان وأعداء القوى الحية  في جميع المجالات  التي تتقاطع فيها المبادئ والمصالح الشخصية مع العدالة الاقتصادية والاجتماعية والحرية والكرامة  …

إن  الجنوح إلى اعتماد أفعال وردود أفعال انفعالية متهورة  تسببت وقد تتسبب في أخطاء فظيعة تمس بمصالح الدولة ، وتضر بمصالح الشعب وتعرض الوعي للهشاشة …

إن العمليات المعرفية  والتجارب الناضجة هي من أصول الوعي والإدراك والتمييز والحكمة  ،   فالوعي الإيجابي مرتبط بتحقق  حرية الإرادة  وتملك زمام التعبير والفعل  بعيدا عن المؤثرات السلبية مثل  الريع والإنتهازية ، ونزعات الحقد والكراهية ،والخوف من الآخر الذي يمتلك سلطة سياسية أو إدارية أو مالية أو دينية .. ،

 إن الوعي لايتحقق إلا إذا كان المسؤولون بالمؤسسات والهيئات والنخب  مؤمنون بقيم حقوق الإنسان والديموقراطية والعدالة  ومطبقون للوصول لبناء مجتمع المعرفة  تكون فيه إرادة الإنسان   وإختياره ناضجين وحرين وممارسين ..

إن النظر الجيد للأمور والقضايا  والآراء  من زواياها المختلفة ، والمعرفة بالموضوعات والملفات   والتملك لآليات التداول والتشاور والتواصل  يكون جزءا أساسيا لإدارة  القدرات ينجح وييسر الولوج السليم  لمسارات الحقيقة الموضوعية والعلمية والعقلية باختيارات لما يجب أن يكون وكيف سيكون …

 لهذا فبدون العلم والمعرفة  والوعي بالأمور  يغرق المعنيون كانوا أفرادا أومجموعات  أو هيئات  في نفق المجهول الذي تطال آثاره وانعكاساته السلبية  الكثير من الناس وتمس وتخل بالتوازنات  و الإستقرار ،  وقد يكون هذا الفشل إما  عاملا أساسيا في يقظة الوعي والإرادة والتغييرالبناء ، أو سببا ومدخلا نحو المزيد من التأزيم والإنحطاط والهشاشة بكل تجلياتها …

 إن القبول والسكوت على كل أنواع التدجيل والتضليل والتحريف تعلق الأمر بالسياسة أو بالدين  ، أو بالخرافات والشعوذة  والإستئناس بالمتبطات ومسببات التخلف والأزمات والتعايش معها  وكأنها ضرورة حياتية طبيعية ومشروعة ؟؟ يؤدي إلى إفساد مهول  للمجتمع والسلوك الفردي والجمعي ..

إن ما يقابل العزوف السياسي عند نسب لايستهان بها  من  الناس ، عزوف مثير للإنتباه  للنخب والأطر والكفاءات عن العمل السياسي  والتقصير في التصدي الأخلاقي  لكل الممارسات التضليلية والريعية والإنتهازية  والمصلحية  .. ، فتطاول الإنحطاط والتردي بكل تجلياتهما  ليقدم  كبدائل تأتي على الأخضر واليابس في جميع المجالات ، إن التاريخ يوثق أن ” الرويبضة ”  في الشؤون العلمية والدينية والسياسية والمالية هم أول من يغادر السفينة عند الشعور بأن مصالحهم الضيقة مهددة  وعند توقف المنافع الشخصية التي لاهي مع الشرع السليم الصافي ، ولا هي مع العلوم والنظريات العلمية الناجحة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر ،ولا هي مع المصلحة العامة .

إن الوعي الديني السليم جزء من الوعي البشري في مختلف المجالات وليس بديلا ولا معطلا له بل يتكاملان بتوازن يحقق الاستقرار الروحي والرشد العقلي والنمو الاقتصادي والاجتماعي و النضج السياسي اللازم لتقدم الشعب والدولة ، وبطبيعة الحال نحن نحتاج إلى ثورة ثقافية وتعليمية حكيمة مستدامة  تبني مجتمعا  للمعرفة يجعل الشعب مدركا وواعيا بأوضاعه ومسؤولياته وواجباته وحقوقه هو من يحميها وينميها ويطورها لدرجة لا يستطيع أي متربص متعاط  للسياسة  بخلفياتها ومرجعياتها المختلفة تضليله …

لقد جربنا وعانينا من  مساوئ وسلبيات ومخاطر الجهل والأمية فلنجرب أن يعم العلم والمعرفة الشعب ..

قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ” سورة الزمر

قال الإمام علي : “ ما أخذ الله ميثاقاً من أهل الجهل بطلب تبيان العلم، حتَّى أخذ ميثاقاً من أهل العلم ببيان العلم للجُهّال، لأنَّ العلم كان قبل الجهل.”

المغرب / تارودانت : الخميس  10 دجنبر 2020