وجدت ابنتي منهمكة في كتابة إنشاء باللغة العربية، فدار بيني وبينها حوار تفاعلي شيق، جعلنا، بعد نهايته، متوافقين على فكرة كون قراءة النصوص والقصص والروايات لا فائدة من ورائها ما لم يتمكن القارئ من استحضار واستنباط انشغال الكاتب أو الراوي بطبيعة الرسائل التي يود إيصالها إلى العقول، ومدى تميزها بالعقلانية ورهانات تقوية الذكاء الجماعي. لقد كان الموضوع دينيا في مضمونه وهو كالتالي: “اشتمل الحديثان النبويان أسفله على جملة من التعاليم الصالحة لمجتمعنا والعاملة على تقويم سلوكنا. توسع في هذه الفكرة المستخلصة من الحديثين، مسترشدا بالخطوات التي تلقيتها في مهارة تفسير وتوسيع فكرة أو قولة”.

الحديث النبوي الأول: ” أتدرون ما حق الجار؟ إذا استعان بك أعنته، وإذا مرض عدته، وإن مات شيعت جنازته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فأهد له، وإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها.”

الحديث النبوي الثاني: “انصر أخاك ظالما أو مظلوما. فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إن كان مظلوما، أفرأيت إن كان ظالما، فكيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه عن الظلم، فإن ذلك نصره”.

وبعد انتهائها من الكتابة، قرأت علي الموضوع، فأعجبت بأسلوبها، وما بذلته من جهد لغوي من أجل الوفاء لشروحات أستاذتها في توسيع وتفسير الأفكار والأقوال والمواعظ المرتبطة بمختلف مجالات المعرفة. عندئذ، عبرت لها أن ما أنتجته من تفكير وتعبير يعكس وجود حرص واضح لديها بربط الأفكار بالحكمة والتبصر، وبجعلها نتاج لدورات تفكيرية وعقلانية، لأزف لها أن وضعها التعليمي تجاوز بالفعل مطبات القراءة الحرفية للنصوص، وما يترتب عنها من جمود في التفكير، مؤكدا لها أن استمرار الجمود غالبا ما يترتب عنه، مع مرور الوقت، تجاوز صفة الراهن والمعتاد ليكون مصيره المحتوم الاستسلام للرجعية والعنف اللفظي والجسدي. كما أضفت أن التقدم بالنسبة لأي مجتمع، كيفما كان موقعه الحضاري والجغرافي، لا يمكن أن يسمح بتحقيق التراكمات ما لم يتشبث أفراده وجماعاته بالعقلانية في قراءة النصوص الدينية والأدبية والفلسفية والعلمية وذات المشارب الفكرية والإيديولوجية المختلفة والمتنوعة، عقلانية قادرة على استنباط واستنتاج الرسائل البناءة النافعة للحياة المادية والمعنوية، والمرسخة للمقومات الإنسانية للعيش المشترك. كما أن بناء المجتمع المتلاحم والمتماسك، يحتاج أفراده إلى ترسيخ مجموعة من التعاليم الصالحة، والتفكير في تطويرها بمقومات العقلانية المطلوبة وحاسة النقد البناء، وإتباعها من أجل تطوير سلوكياتهم اتجاه إخوتهم بشكل خاص واتجاه الإنسانية بشكل عام. والتراث الإسلامي، كديانة وعقيدة سماوية وتاريخ، زاخر بالقيم والقصص والأحداث لتكوين المجتمعات الصالحة القادرة على شق طريقها إلى الأمام في سياق تنافسي كوني، لا يحتمل من لا يبالي بقيمة الوقت ولا يعير أي اهتمام لانشغال أفراد المجتمع بالعلم والمعرفة واستحضار تحديات الحاضر والمستقبل. إنه دين بحقائق مطلقة تستدعي تحويل رهان تنافسية المسلمين السلمية في صرح التطورات الكونية إلى واقع معاش.

وفي تفاعلها مع ما قلته أعلاه، استرسلت في الحديث مؤكدة أن الدين الإسلامي بنصوصه (القرآن والأحاديث النبوية)، كما هو حال الحديثين النبويين أعلاه، يقدم مجموعة من واجبات الفرد اتجاه جيرانه، التي تزيد من الوشائج والمحبة بين أفراد المجتمع، ويحصل تبادل المنافع، واطمئنان النفوس، حيث أن الإسلام يحرص على تحقيق المودة بين المسلمين. أما في الحديث الثاني يحث الرسول (صل الله عليه وسلم) على واجب نصرة الأخ ظالما أو مظلوما، وأن طريقة نصره ظالما ليست بدعمه والتغطية عليه ومواساته، بل بحبسه ووعظه لعلاج تصرفاته وتسوية سلوكياته بمنطق تقوية المحبة والأخوة بين الأفراد، فيتعاونون فيما بينهم في السراء والضراء.

لم أتردد كثيرا لأثير انتباهها أن ما جاء في الحديثين النبويين السالفي الذكر يجب توسيعه وتأويله بعقلانية. فالتعامل والسلوك مع الجار لا يجب أن يقتصر على جانب الأكل والشرب والمواساة والزيارات في حالة المرض والتعبيرات اللفظية ذات البعد الأخلاقي، بل يجب أن يتوسع ذلك لتدعيمه بالحديث النبوي “لا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله ولا للعالم أن يسكت على علمه”. فتوعيته (الجار القريب أو البعيد) في مجال التربية العلمية للأجيال وتعويدهم على القراءة والتحليل والكتابة والتواصل اللغوي وتدبير الوقت بالدقة المتناهية المطلوبة، ستتحول مع مرور الوقت إلى رأسمال اللامادي يمتلكه المجتمع برمته. أما إذا كان في مستطاع المرء العارف أن يدبر أوقات انشغالاته اليومية بتخصيص حصة زمنية يقدم فيها دروس الدعم مجانا لأطفال مدينته أو حيه أو قريته، سيكون ذلك مفيدا جدا للأمة. فإذا تجند الجميع لتحقيق هذا الهدف، سيتوسع مفهوم الصدقة الجارية التي ترتبط اليوم أكثر بالجانب المادي. في نفس الوقت، مناصرة الأخ الظالم، وتوسيع ذلك على أساس منطق الحديث النبوي الشريف ليشمل حتى المتحدث بكلام خاطئ، لا يمكن أن يترتب عنها النتائج المرجوة ما لم يتسلح المتدخل بتقنيات التواصل والمعرفة الواسعة. فتقنيات التواصل والاستقبال تخضع لعبارات دقيقة تضمن انخراط المتلقي في مشروع التصحيح أو التسوية بدون أن يشعر بالدونية ولا سماع كلمة “لا” الرافضة. ولتوضيح ذلك، فالمسؤول المختص في شركة معينة، عندما يقف أثناء اجتماع موسع على خطئ ورد في مداخلة مديره العام في مجال تخصصه، لا يتفاعل مع ذلك آنيا، بل عليه أن يتريث وينشغل بتقوية تركيزه من أجل إعداد خطاب تخصصي قوي، ينوه من خلاله بمداخلة مديره العام، ويصحح باحترافية تواصلية كبيرة الخطأ الوارد بدون أن يعبأ بذلك الحضور. في نفس السياق، مفهومي الحرية والديمقراطية، بأبعادهما الدينية والحضارية، حولتا التفاوض بتقنياته العلمية إلى آلية للتوافق على المصالح ذات الروابط المتعددة.

وعندما تركت لها مهمة ختم التفاعل فيما بيننا، عقبت على استظهار الآية الكريمة : ” وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ” أنها آية مباركة، وقوية بمدلولها المعبر عن جملة من الرسائل الربانية العقلانية ذات المواضيع والمجالات المختلفة، منها من تعود إلى علاقة العبد بربه، ومنها من تعود إلى العلاقة بين الناس والمجتمع. إنها الرسائل ذات المدلول الضامن للمحبة والأخلاق في التواصل مع الآخرين والتفاعل الآني أو البعيد معهم. فعكس ما قام به التلميذ بفرنسا الذي ذبح أستاذه جراء تشخيص الرسول (صلى الله عليه وسلم) في رسومات كاريكاتورية، لو كان هذا التلميذ محظوظا برعاية أسرة مثقفة وعارفة، لكانت ردة فعله فكرية، يتعاون أعضاء أسرته في إعدادها وترجمتها إلى عرض موضوعي مقنع في شأن القيم الإسلامية السمحة، عرض يفند من خلاله ادعاءات الأستاذ، ويبرز من خلاله حاجة حضارات العالم إلى الحوار والالتزام بالقيم الإنسانية بحقوقها وواجباتها، وأن العيش المشترك على وجه هذه البسيطة يتطلب التسامح والإنصات للآخر وتبادل المعارف والإبداعات ما بين الأمم، لا الاستغلال الفاحش للشعوب المستضعفة، مع إبراز كون الاستبداد في الأفكار غالبا ما يترتب عنه، بفعل الإحساس بالاحتقار والدونية والإهانة، الجهل والعنف العقائدي وميول الفقهاء مصلحيا إلى خطابات التطرف الديني.

أما عبارتها الأخيرة فكانت كالتالي: ” إلى جانب الأعمال الصالحة، من واجبنا تبادل النصائح والمواعظ الحسنة والبناءة، وإبراز وتطوير القيم الإنسانية المشتركة كونيا، والعمل على نبذ العنف بكل أشكاله والتشبث بالمبادئ الإنسانية في تربية الأجيال المتعاقبة على أساس التفوق والتنافس المشروعين في شتى مجالات الحياة.”