يستعصي الشهداء على القتل، لذلك يلجأ الذين استحال عليهم أن يطوحوا بهم في مدارك النسيان، أن يعيدوا تجريب ميتات أخرى· كذلك فعلوا مع الشهيد عمر بنجلون وكذلك يحاولون إعادة التجربة· وهم هنا، أولئك الذين أصدروا الفتوى أول الأمر، ثم أصدروها في آخره· صفَّوه جسديا، ثم شحذوا فتاواهم وفرشوا عماماتهم حتى يمر الموكب الجنائزي على سَجَّادٍ من الجهل والفقر الأخلاقي·
هو ذا زمن القتلة الذي لاينتهي، يتجدد في كل حين وكل لبوس، والآن يخرج أصحابه سافرين، عارية وجوههم من شحوب الخطاب المنافق، السكين واضحة في اللغة وواضحة في الفعل·


1ـ كانت البداية منذ 45 سنة، ذات ثامن عشر (18) من دجنبر 75 عندما تربصت أياديهم الدامية بالشهيد عمر بنجلون، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومدير جريدة «المحرر» الممنوعة، بالقرب من بيته· في دهاليز الأقبية المظلمة لصناع القرار الرجعي «حسم» أمر عمر، بعد أن فشلت عدة محاولات سابقة للقتل القضائي، وتقرر أن تنفذ اليد الملغومة في ذراع إسكافي قرارهم· كانت الساعة تشير إلى الثالثة وعشر دقائق عندما وقف عمر أمام باب السيارة ليفتحها حين فاجأته ضربة قوية بقضيب حديدي استدار على إثرها وهو آيل للسقوط، علا خنجر وتلألأ قبل أن يهوى على ظهر الشهيد وصدره· تمدد جثمان الطاهر على ظهره ووجهه جهة الشارع، بذلته الرمادية وقيمصه ملطخان بالدماء· أُلقي القبض على القاتل، الذي صرح أن اسمه هو سعيد بن أحمد إدريس، من مواليد سطات سنة 1954، تابع دراسته ببرشيد قبل أن يترك المدرسة ويلتحق بالدارالبيضاء وعمره 16 سنة، عمل مساعد إسكافي لدى صهره قبل أن يشق لنفسه مسارا إسكافيا خاصا· في سنة 1975، اتصل به المدعو عبد العزيز النعماني، في تزامن يتضح أنه غير بريء الآن مع انعقاد المؤتمر الاستثنائي للحزب الذي لعب فيه عمر دورا رياديا· في رمضان، من نفس السنة شرع النعماني، حسب ما صرح به القاتل، يحدثه عن «أشخاص ملحدين وشيوعيين ينتقدون الدين الاسلامي ولا يؤمنون بالله ناعتا إياهم بالخونة»، ويؤكد القاتل نفسه أن مجموعة القتل التي شاركت في العملية تلقت «تكوينها» في الجديدة لمدة 15 يوما كان خلالها النعماني يوغل صدور القتلة ضد عمر، وهناك تواصل الشحن الايديولوجي «الى حين انعقاد المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي»، من تصريحات القاتل نفسه الذي يضيف «بعد المؤتمر أصبحنا حاقدين على عمر بنجلون»·
هذا الحقد سيتولى عبد الكريم مطيع وزملاؤه تحويله الى طعنة قاتلة، لتصفية فكر وقاد وعمل دؤوب لخدمة الأهداف النبيلة للحركة الاتحادية، ودامت عملية الترصد والمطاردة ومحاولة الاغتيال ثلاثة أيام، ولم تنجح العملية إلا يوم الخميس 18 دجنبر 1975· عندما تقدم خزار مصطفى وسعد أحمد من الشهيد ونفذا جريمتهما·
وما من شك أن الاتحاديين يعلمون أن حجم المؤامرة كان أكبر من اسكافي وسودور وعاطل، وأن التخطيط لها تم بعيدا عن بيوتهم الواطئة في حي إفريقيا أو سباتة أو براكة سيدي عثمان· وذلك نفسه ما قاله إبراهيم كمال رفيق عبد الكريم مطيع أمام الشرطة عندما صرح «بأن مطيع استغل بذكاء السياق العام المتسم بالعداء للايديولوجيات (···) واستفاد بمساعدة مادية ومعنوية من بعض الشخصيات السامية التي كانت تدعم نشاطه»!؟
هي نفس الشخصيات ولاشك، التي سهلت هروبه، ولعلها نفس الشخصيات «السامية» التي أطلقت الزغاريد احتفاء باغتيال وطني مخلص ومناضل أزعجها سموه الإنساني· وكان النداء التحية الذي وجهه أحد «خطباء» المرحلة الحالية الى «جنود الله»!! الذين اغتالوا عمر!
حلقة المحاكمة اكتفت بإدانة المنفذين «الجسديين» للجريمة ولكن حلقاتها الأخرى ظلت في السراديب الباردة لذاكرة القتلة في مختلف أسلاك الاغتيال· لم يتغير الأمر كثيرا، بخصوص قضية عمر، منذ 26 سنة، اللهم من الاتهام الصريح لأعضاء الشبيبة الاسلامية بالخارج الذين اتهموا الخطيب (زعيم العدالة والتنمية) بأنه آوى النعماني في إحدى ممتلكاته وأخفاه عن الشرطة، وهو الاتهام الموضوع الآن أمام القضاء، ثم تصريحات البخاري حول اتخاذ القرار باغتيال وتصفية عمر بنجلون من طرف أوساط المخابرات·


2ـ الجديد هو عودة «الفتوى» ومن داخل الأوساط نفسها، أولئك الذين ورثوا الافتاء والافتراء معا، هم أنفسهم الآن الذين اغتالوا عمر، يحاولون أن ينزعوا عن الشهيد شهادته، وينزعوا عن المجرم إجرامه!
منذ أيام خرج الفقيه المعتمر عمامة الرهبة والإرهاب بفتواه التي لاترى في من قُتلوا من أجل الحق والوطن والفقراء وأبناء السبيل، والذين يقولون الحق للجائر ويصرخون في الظلم والظلام، بأنهم اغتيلوا غدرا، وهم أحق بالشهادة ممن يلبس الحق بالباطل· خرج الزمزمي على صفحاتهم، يدعو الى قتل جديد، وجاءت ترهاته الغيبانية، لتقول بقاموس الفقه ما فعله سكين السياسة· وعدنا الى نفس الاجراميات، ونفس «الدين الانتخابي» في ساعات العجز الكبير عن مباشرة واقع معقد، كما رأيناه في قول القتلة أمام المحكمة وأمام الأمن منذ 26 سنة: «أشخاص ملحدون وخارجون عن السلطان وخونة»! يجب قتلهم، فقُتلوا، ويجب تجريدهم من شرف الشهادة، لم تستطع الأفواه المكتراة مكبرات لصوت الإرهاب، أن تطفئ نور الشهادة، لكنهم يحاولون دوما كل مرة بوجه، لكن العقل المدبر لكل هذا الهذيان المصاب بأنيميا الشرع والشرعية، يظل هو نفسه المثخن بأحقاده·
رأيناهم مع المهدي، وكيف بحثوا عن صاحبهم «الشاذ» معنى ومبنى، ليطفئ بفمه نور الشهيد، وكيف سحبوا ذلك على كل الشهداء، وليس لهم في موكب النور سوى بهتان بهيت!


3ـ ومن نزع الشهادة عن الشهداء إلى نزع الجريمة عن القاتل، ومرة أخرى جيء بالافتاء، وكان من خارج «الاسلام الانتخابي» الذي يريدون به دنياهم· وبدأت الجعجعة، وبدأ طحين الهواء، وفي تزامن مريب بين التشكيك في شهادة الشهداء وتبرئة قتلتهم، تحركت آلة الافتاء «الشرعي» والافتاء «الحقوقي»، من أجل التهيئة لإرهاب قادم من فتحات صناديق الاقتراع، ربما!
لم يرفعوا صوتا حين كانت السياط ترفع! ولم يقدموا سوى القتلة، عندما لم يكن لهم من يقدمونه للشهادة أو الاستشهاد، وماداموا وسط القاتلين يجب إذن أن يغيب المقتولون ·· ولو بعد عشرين سنة! هل تم تهديد النظام الدموي في العهد الأوفقيري ولو مرة واحدة؟ طبعا لا، بل قتل من هددوه فعلا أو صارعوه، كأضعف الإيمان!!
ودائما بأسلوب الخلط والتعويم، هي العادة نفسها! يعتبرون اغتيال «عمر بنجلون» جزءا من الماضي!! والحال أن الملابسات المتعلقة به لم تكشف كلها بعد! بل عرفت هذه السنة بعض الجديد· لماذا إذن الهرولة والتهافت على إغلاق ملف لم تتضح كل جوانبه؟ ثم لماذا الخلط بالادعاء أنه الماضي، وأن «الجميع قام ازاءه بمراجعة ونقد ذاتي بمن فيهم المعنيون بالأمر»، والشهداء؟ ليسوا شهداء!! وهنا يكتمل المنطق الملتبس والمشبوه·
هناك جرائم وهناك حقوق إنسان (كما هو متعارف عليها دوليا – هل يجب أن نذكر بهذا؟)، والفرق واضح·
أما «التجميع» الانتخابي باسم فكرة لايؤمنون بها، فذلك له مجاله ولايمكن الخلط هنا بين معتقلي رأي، ولا يمكن إلا أن ندافع عنهم، كما كان ذلك دائما، وبين قتلة يجب أن يطلعوا القضاء على ما يعرفون أو ما عرفوه فيما بعد، داخل الأسوار أو من خلال قنوات أخرى، ولعلها كثيرة، آنذاك سنتحدث عن» نقد ذاتي»!
ومرة أخرى نكرر «التحقيق لم يكتمل»·

درس الاستشهاد

من 18دجنبر1975 إلى 18 دجنبر 2020 مرت 45 سنة: ماذا جرى في المغرب منذ اغتيال عمر بنجلون ؟ وماذا ربح وماذا خسر ؟
الجواب يقتضي العودة الى اللحظة التاريخية التي تم فيها تغييب الشهيد عمر سنة 1975 والتي تميزت بحدثين رئيسيين، هما انعقاد المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وطرح قضية صحرائنا الوطنية والمسيرة الخضراء التي تعبأت لها كل القوى الوطنية.
ومن المحقق أن الربط لم يكن مسألة تصادف زمني أو توارد سياسي من قبيل الصدف، بل إن الربط بين الوطني والديموقراطي هو الذي يفسر هذا التزامن، الذي يعد بحق تزامنا قطع مع لحظة تصادم قصوى بين مكونات الحقل السياسي الوطني، الدولة من جهة والقوى المعارضة ، والاتحاد الاشتراكي بالخصوص من جهة ثانية.
لقد كانت السنة سنة المسلسل الشامل من أجل تكريس المسلسل الديموقراطي واستكمال الوحدة الوطنية. لكن هذه الدينامية التي أطلقها عمر ورفاقه في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تلقت أول ضربة في شخص عمر نفسه، فكانت تلك الضربة بمثابة الرسالة الجسدية الدامية الى أن ما كان عمر يطمح إليه ما زال بعيدا، بل لعله كشفت في تلك الفترة أن الانطلاقة بدأت غير سليمة من أجل الاحتكام إلى ميثاق سياسي تعلو فيه الوطنية والديموقراطية على الحسابات الذاتية. وتكرس هذا التخلف من بعد ذلك عندما تعثر المسلسل الديموقراطي في المحطة الأولى بعد المؤتمر الاستثنائي عندما تلقت سلطة الاقتراع والسيادة الشعبية ضربة قاصمة في انتخابات 77 ثم الانتخابات التي تلتها الى أن تغير شكل الافساد السياسي وانتقلت المهمة من «التدبير» السياسي للانتخابات الى التدبير المالي لنتائجها.
وعلى مستوى ثان عرفت الفترة التي تفصلنا عن اغتيال الشهيد عمر سلسلة من الانفجارات الاجتماعية سواء في 1981، 1984،1990 ولم تهدأ الساحة الاجتماعية قليلا الا في العشرية القليلة، الى جانب ذلك عرف الموقف من تدبير القضية الوطنية لحظة تصادم قوية في سنة 1981 عندما اتخدت قيادة الاتحاد الاشتراكي، على رأسها الفقيد الكبير عبدالرحيم بوعبيد الموقف الوطني الصلب الذي قاده الى سجن لعلو ، لكنه أيضا قاده الى مصاف الوطنيين الذين لا يخشون في الله لومة لائم كما هي عادته في الحق والوطنية.
لم تكن هاته التوترات وحدها التي طبعت تلك العقود، بل إن التخطيط لاغتيال عمر بنجلون كان بداية لخطة أبر تتعلق بتقوية التيارات المتطرفة وتمويلها وفتح الأبواب لها، كما تبين من تفاصيل الجريمة ومن التسامح معها في ما بعد· هذا التسامح الذي قاد الى الارهاب في تجلياته الفظيعة يوم 16 ماي.
لقد انتبهنا مجددا الى الفقر بكل انواعه، الاجتماعي والسياسي والثقافي والفكري والنفسي وصار من اللازم علينا أن نحل قضية هذا الفقر المتعدد لكي تصبح السياسة ممكنة وعلينا أيضا زن نضع التحليل الشامل لعملية زلزلت الكيان المغربي وأدخلتنا الى النادي الكئيب للدول ضحايا الارهاب.
هل الصورة هي هذا الدخان المتصاعد من الجثث المتفحمة فقط؟ نعتقد من باب الوفاء لعمر والوفاء لما كان يدعو اليه من تفاؤل أن نسجل ماتم من الانجازات علي المستوى المؤسساتي والحقوقي والتشريعي، ولا بد لنا من أن نسجل أن النضال الوطني والتقدمي الديموقراطي ادى الى افق جديد وطرح مقاربات جديدة، كما أن المغرب عرف خلال انتصارا لمبدأ استراتيجية النضال الديموقراطي ، واقتناع الكثير من مكونات حقلنا التقدمي بهذا الاختيار، وتقدمنا على مستوى التوافق التاريخي الذي ظل عمر يناضل من أجله انطلاقا من تحليله لطبيعة الدولة وطبيعة التاثير التاريخي والثقافي لمكونها الاصلي. ومن ثمة، فإن تشاؤم التفكير في الوضع الراهن لا يلغي تفاؤل الارادة وتسجيل ما حققته في العقود الماضية.
لكن الأمانة لعمر بنجلون تدفعنا الى القول إن التردد ما زال يطبع السلوك المغربي ، وهناك تأرجح واضح بين إرادة تذهب الى الأمام وأخرى تشد المغرب إلى الخلف تسعى الى إفساد وتفسخ السياسة، وتعمل تحت شعارات متعددة، منها الشعار المحافظ الذي لا يحافظ في النهاية سوى على مصالحه.
ومن الواضح أيضا أن القراءة المشرقة للتراث الديني والاسلامي والتفاعل الحي والكفاحي مع مثل العدالة والمساواة والنزعة الانسانية اللذين ميزا سلوك عمر تفكيره كان مستهدفا من طرف القوى التي حكمت باغتياله.
فقد كان رهانها هو أن تضع الدين في مواجهة التحرر والتحررين، وتسويغ نظرتها الاحتقارية للانسان وفعله في التاريخ باختزالات نصية تجرد الدين من حيويته وطاقته.
إن الهدف من التاريخ ومحركه الأساسي هو إعطاء وجود للحداثة والذهاب نحوها بلا تردد، هكذا يبدو درس الاستشهاد·

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي : الكاتب : رفيق عمر

بتاريخ : 18/دجنبر /2020