ما سأقوله هنا ليس إيماني المطلق به.. فأنا من الذين يؤمنون بالقومية العربية.. وبأنها مشروع إنساني متحرر محرر كافر بالاستعمار والاستغلال وكل أنواع التمييز العنصري والعرقي.

د. عدنان عويّد

     أمام معطى التجزئة والدولة القطرية, التي أصبحت واقعاً ملموساً في زمننا الملوس, تفرض علينا هذه الواقعية الإقرار بهذه الدولة التي لها أرض وشعب وحكومة وعلم ونقد واعتراف رسمي من الهيئات والمحافل الدولية, وأن أول قضية في مضمون هذا الإقرار بهذه الدولة, هو النظر في كيفية تحقيق كل تلك القضايا التي تهم حياة الفرد والمجتمع والممثلة في حرية الأنسان وعدالته ومساواته في هذه الدولة. أليس من المنطق أن ينال شعب هذه الدولة حقه في حريته وعدالته ومساواته والمشاركة في إدارة دولته ولو بالحد الأدنى, قبل أن يُطرح تحقيق هذه المهام على مستوى المشروع القومي أو الأممي وفقاً للطروحات الأيديولوجية القومية أو الأممية, في المفهوم الإسلامي أو الشيوعي؟, مع تأكيدنا هنا بأن الكثير من الأحزاب اليسارية قد تبنت مشروع المسألة القومية وضرورة ربط النضال القومي بالنضال الاشتراكي, أو العروبة بالإسلام, وخاصة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي .

     لا أظن أن أي مفكر عقلاني أو سياسي بيده اليوم مقاليد السلطة ويغار على شعبه ووطنه سيقف ضد هذا الموقف أو الرؤية, إذا كان فعلاً يفكر ويعمل لمصلحة الشعب وليس لمصلحته, أو هو يريد من تلك الشعارات الأيديولوجية الكبرى سلاحاً بيده كي يحارب بها كل من ينتقد خطابه السياسي أو يهدد مصالحه واستمرارية بقائه في السلطة. وأعتقد أن هذا ما يجري اليوم من قبل العديد من القوى السياسية الحاكمة في الوطن العربي, فهي غالباً ما تقوم باتهام كل من ينتقدها أو ينتقد أيديولوجيتها ويطالبها بالإصلاح وضرورة تداول السلطة, بأنه يعمل ضد المشروع القومي والآمة العربية, أو ضد الإسلام.

     إذاً لا حل للخروج من مأزق التخلف الذي نحن فيه إلا النظر بعقلانية في كيفية العمل داخل القطر الواحد أولاً – بعد أن أوصلت الأنظمة السياسية الحاكمة أوطانها خلال عشرات السنين منذ استقلال هذه الأنظمة القطرية, إلى أمر واقعي بكل معنى الكلمة. ومن أجل الوصول إلى الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه المهمة النهضوية يأتي في مقدمة الوسائل التي علينها الأخذ بها برأيي, العلمانية والديمقراطية. فإذا كانت العلمانية تعني في سياقها العام الاعتماد على العقل في بناء الدولة المدنية, أي دولة القانون والمؤسسات والمواطنة… دولة احترام الرأي والرأي الآخر من خلال الإقرار بالتعددية السياسية وتداول السلطة… دولة الحرية والعدالة والمساوة وتحرير المرأة… دولة تجاوز مجتمع العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب, وبالتالي فصل الدين عن السياسة واعتبار الدين لله والوطن للجميع, دون المساس بمقدسات هذا الدين وعقيدته والتعامل معه على أنه مسألة تخص الفرد وحريته, هذا الفرد الذي يجب على دولة العلمانية أن تعمل من أجل عودته إلى مرجعيته الإنسانية التي فقدها منذ مئات السنين تحت ضغط وعي مزيف وهوية مزيفه أبعدته عن انتمائه الحقيقي لوطنه وأمته بل وحتى أسرته, كما أفقدته إرادته وحريته في التفكير واتخاذ القرار المستقل المعبر عن شخصيته هو كإنسان له الحق في التعبير عن هذه الإنسانية.

     إن العلمانية بتعبير آخر, هي إعادة بناء الوطن والمواطن بناءً عقلانيا من خلال تحكم هذا الإنسان في أدارة الدولة والمجتمع بعيداً عن أي سلطة استبدادية أو مطلقة في مرحلة تاريخية محددة, بما تمثله هذه الإدارة من قيم مادية ومعنوية تتمثل في بناء مؤسسات قادرة على تحقيق دولة المواطنة والقانون, هذه الدولة التي تعني في المحصلة حرية الفرد والجماعة في اختيار شكل هذه الدولة ونظام حكمها وحاملها الاجتماعي, هذا الاختيار الذي يفضي بالضرورة إلى الديمقراطية التي تعني شكلاَ: حرية الرأي والقول والتعبير والتنظيم السياسي والاحتجاج والتظاهر والترشح والتصويت وتداول السلطة, ومضموناً: يمثل, المشاركة الفردية والجماهيرية عبر منظمات وأحزاب ومتحدات أهلية ومدنية للبحث عن السبل والوسائل والطرق التي تحقق صياغة القرارات وتنفيذها, التي تهم حياة الوطن والمواطن بما يضمن أمن واستقرار وتنمية الدولة والمجتمع.

     من هنا نرى أن الديمقراطية والعلمانية وجهان لقضية واحدة, تهدفان إلى تحقيق (دولة المواطنة), دولة المشاركة والحرية والعدالة والمساوة بكل ما تتضمنه هذه الدولة من تجسيد للقيم الإنسانية, التي تشكل الأساس المتين لبناء أي مشروع من مشاريع حركة التحرر العربية وفي مقدمة هذا المشروع بناء الدولة المدنية بكل ما تحمله هذه الدولة من دلالات.

د.عدنان عويد كاتب وباحث من سورية . لنشرة المحرر

السبت 26 دجنبر 2020.