(1) نريد أن نقول لهذا العام وداعاً، ولا نتذكر. أن نمسح من ذاكرتنا، ونحن شعب هذا البلد صار ديدنُنا النسيان، ما عشناه، وكابدناه، وتقلبنا فيه من آلام وأوجاع ومشاق، أضحى الموت، يا للمفارقة، فيها خبز كل يوم. ما مضى من شهور غطّت سماءها سُحبٌ مدلهِمّة ٌمن الأحزان، فقدنا فيها الأقارب والخِلاّن، أمعن الموت في زيارتنا رغم أنه رفيق الحياة يُصرّ على الحضور شاهد عيان، ولا نجرؤ بعد على الإطلال من شرفة حاضرنا الغائم على مستقبل في الغياب.
(2) نريد جميعاً أن نتكتّم على أسانا، بأنّا كابدنا، وتجمّلنا، جرعنا مُرَّ أيامٍ بلياليها، اعتزلنا في قرارة صمتنا، توغّلنا في دهاليز السكون، قد هان ذاك على من عاش خلف قضبان ذاتَ زمان وحنّكته السجون، وآخرون ممن أنهكهم انسداد باب الرزق نظروا إلى السماء بعياء، وبقُوا لا يفهمون. وسواهم، ربما أنا واحدٌ منهم، عشنا على حافة الرحيل حتى شارفنا الجنون، لولا أنّا، ربما أنا واحدٌ منهم، محِبّون، صدورنا مفروشة بزرع هذي الأرض، آه لو تعلمون!
(3) نريد جميعاً أن نفتح الكتاب من أوله، لتسطع أمامنا صفحة بيضاء، فنكتب فيها أوّل حروف الأبجدية مثل أطفال (الجامع) ونخطّ أبهى الكلمات، في صورة بستان، كمّثرى، حورية البحر،قمر وضّاء وشمس سمراء، وقبلة لو تعود لي، لكم، خليلة العمر، كلكم تذكرون شهدها هي الفيحاء. كلاّ، لم يحدث سوء. مرت بنا أوبئةٌ وكوارثُ، منها عام (البون) عام الجراد، وأعوام اليباس، والقُرطاس،وسقط الشهداء وطاروا في الهواء، أظن نسينا، كأن ما عشناه هباء!
(4) يريدون، أن لا نلتفت إلى الخلف، فلا مكان بعد لوقع النّطع والسيف، قيل ألفية ثالثة، ستنضم لألف، يقولون ويلكم كفاكم حنيناً، حسرةً وبكاءً على خَلَف، قد تفسّخ الجثمان، أعطيناكم سواراً بعد الطوق وإلفي، أم تكفرون بما وهبت، سوطي حريرٌ وصوتي خرير، أوَلا يكفي؟!لا يحفلَون حقا بما نحن نريد، وبنصف عين يطرفون، وربع كلمة فقط يأمرون، كي يُسدَل الستار، على مسرحية طالت، أوووف، لكنّ أصواتا من الوراء تعوي لا، لم أغمد بعد سيفي!
(5) ونريد بجِدٍّ وودّ أن نفرح كسائر خلق الله، أن تشرق علينا شمس يوم جديد، بلا بوم ونعيب،نستنشق الهواء عميقاً، نرفع رؤوسنا عالياً بلا خوف نحو السماء، ظهورُنا مستقيمة، وديارُنا آمنة، وأرزاقُنا من عرقنا مكفولة، ننشد بأعذب الأهازيج آه وآه، بتيه،ولا نهاب قول سفيه، لن نسمع أنه عام سيّد مثل الذي يليه، ولن نندم، قد سبحنا طويلا في دمنا ونسينا أن الدم مهما تكبّد غير الحليب، من أين لنا به، والعام مثل العمر غريب، قد شطّ المزار، توحشّناك يا حبيب.
(6) صدّقوني، أريد أن أنهي هذا العام بسلام ووئام، أن أصافح هذا وتلك، وأعترف أني المخطئ باستسلام، وأحني رأسي لقدَر الأيام؛ أن أقلب المفاهيم، فأقول التذكُّر رذيلةٌ، والنسيان أجدرُبجيلنا وفضيلة. صدّقوني، أريد أن أقوم بتمشيط لذاكرتنا، وأقيم بيننا جدراناً عاليةً تفصل بين تاريخين، قبل ذلك لنخرج من أحشائها» العنف في الدماغ»، الذي كنته وعشناه، ونعيد عصياننا إلى الصواب، وأقول نحن ببابك نرجو الثواب، لولا بقية من كرامة، بدونها قلمي طنين ذباب.
(7) فات الأوان، لم يبق لي إلا رجاءٌ أخير. خذوا سبورة صغيرة واكتبوا عليها هذه الكلمات بحروف بارزة، لا تقلقوا من حجمها الصغير، فمعانيها، ها، كبيرة، حتى ولو ابتذلها الصغار: حرية ـ عدالة ـ مساواة ـ ديموقراطية ـ إنصاف ـ شرف ـ كرامة ـ وفاء ـ صدق ـ إخلاص ـ سعادة ـ حب ـ بهجة ـ رغد ـ حياة ـ حياة تستحق أن تُسمى حياة. هذه مفاتيح لعام الأمل. معجم مثالي، أعلم، أدعو من يحبه أن يغنيه، ومن يكرهه أن لا يكمّم الأفواه، فنحن مكمّمون!
(8) في آخر المطاف رحلوا، رحلن، القلوب أخذوا، والكمد والحسرة تركن. في البال عبد الرحمن اليوسفي، محمد آيت قدور، وثريا جبران. أكلّ ذاك المجد، تلك البطولة، كالحطام، في بلاد بسرعة تغفو، وعلى النسيان تنام؟ هل يكفي توالي الشهور والخسارات بطعم المر بلا سكّرلنقول لا بأس مرّ العام؟وأيّ حظ من فرح ننال والشطح بنا والردح من خلف وأمام؟ أم سنواصل الحياة ومن بعيد نلوِّح للراحلين ما أسعدكم،لقد عبرتم، أما سفينتنا فسكرى ما تزال.
(9) ولقد رأيت الشوارع مقفلة، والساحات مسيّجة، وظلالُنا تطاردها ظلال، أشباحٌ هؤلاء أم رجال، يدٌ على الزناد وفم يستفزك بالسؤال، بأي لغة ستجيب أو تكتب قد صادرها (القراطيط)،بالشعار يعبثون، قل ما تشاء ولا تقل أنا عربي جهاراً بعد اليوم، حذار، رغم أن القرآن نزل بالعربية تخشع من ربه وتتصدع الجبال، هل في الأفق ضوء فقد» تطاول الليل علينا دمّون.. دمّون إنا قوم يمانون وإنا لأهلنا محبّون»، احملوا السبورة واهتفوا بها في أحلامكم لغد،لآمال.
(10) وللشعر، للحب الكلمة الأخيرة، بنبض قلب Aragon لا أبلغ منه لتوديع عام ولأتمنى لكم أسعد الأيام :» يا إلهي، وحتى اللحظة الأخيرة/ بهذا القلب الأحمق والشاحب/ كيف يمكننا أن نحب، أن نسمّي هذا الدُّوار/ آه أيتها القوية، العذبة كخمرة/ يا شبيهة شمس النوافذ/إنك تعطينني حنان الوجود/ تعطينني الظمأ والجوع/ كي أعيش أكثر/ وكي أعرف قصتنا حتى النهاية».

منقول عن جريدة الاتحاد الاشتراكي بتاريخ : 30دجنبر 2020