منذ أن حصلت الدول العربية والمغاربية على استقلالها، وشعوب المنطقة، أفرادا وجماعات، لا تمل ولا تكل من الحديث عن الديمقراطية ومدنية الدولة، وهي تبوء بفشلها أمام وجود ذكاء مؤسس يوطد ويرصص، بوثيرة متصاعدة، لبنات الفساد النسقي في بلدانها، خانقا وعازلا كل آليات التغيير. إن قوة توسيع قاعدة حراس هذا الأخير، حول أمل إحداث التحولات الإيجابية إلى بابية، يتوه المتتبع في وصفها، ليستلم لنوبات تصليب تفكيره الذهني، ليجد نفسه آبقا رغما عنه من الشعور بالتوقان في المشاركة في عمل بناء لوطنه. يتصارع ضميره مع الواقع، مرددا في كل لحظات يومياته صدى عبارة “أعزاء باتوا أذلاء”. إنها العبارة القاسية صعبة التحمل. يحس المرء الوطني وكأنه أعزلا ومنكمشا وشبيها بمن يبترد في فصل الشتاء القارص بسبب عوزه وافتقاره لوسائل تسخين مياه الاغتسال. بتأزمه النفسي المتكرر، تنتابه أحلام مزعجة، توهمه وكأن الأرض توأدت عليه. تتواءم عليه طوابير الكوابيس ليختلط عليه الحابل بالنابل. يعيش الفرد حاتن الأيام، يخيب أمله وسعيه، يجد نفسه مضطرا لمخابرة محيطه معبرا عن ابتآس الروح الجماعية. كل فرد في ابتحاثه لموضع مؤقت للراحة النفسية، يجد نفسه وكأنه محاطا بأسواط يبتدونه من كل ناحية، لتبتدر عيناه خارج إرادته. إنها الصورة القاتمة والمخيفة التي لا يجب السماح لها بالتحول إلى خابط خابل لا ينتج إلا الخابنين الخاتين لأحلام الأمل في غد أفضل.

وأمام هذا الانشغال المؤرق، يبقى هذا المبتغى المجتمعي صعب المنال. فتجنب الخيبة المزمنة التي تدأل الكينونة دألا محبطا ليس بالأمر الهين. الصعوبة تتجلى في كون هذا الهدف يتطلب توافقا سياسيا واضحا وقويا ودائما، يتوج بالسرعة المطلوبة بإنتاج مقاومة شعبية حقيقية لدحض كل المطامع الرامية إلى قطع دابر كل أشكال التفكير العقلاني لإحلال التفاهة. التاريخ لا يرحم لأن الأمل في تحقيق داج من العيش مجتمعيا ليس بالحلم بل من المكبوتات التي لا تطيق السماح بحدوث الإفراط في تراكمها. الكل يعي اليوم تمام الوعي العواصف المفتعلة لتقوية فعل الإشاعة والوشاية كدابوق لتحويل المروءة إلى دياثة داثرة. لقد باتت اليوم العناية بجودة الخطابات المؤسساتية والبرامج الانتخابية ووقعها التنموي رهانا لتفادي ذوبان المكون الحزبي. وهذا لن يتأتى إلا بتسخير العزائم لتأهيل المنطق السياسي، وتقوية مناعته ضد التعليمات المنبعثة من هنا وهناك. كل المؤشرات تحذر اليوم من خطورة دح الجماهير في هوامش فضاءات التنافس على الماديات، وتعمد عدم إشراكها في الفعل التنموي الجاد.

إن الاعتراف بحساسية الأوضاع في هذا الوقت بالذات لا يمكن نعته إلا بالفضيلة. وغض الطرف على ما تتعرض له أغلب الشعارات المأمولة من ابتذال لا يمكن تصنيفه إلا في خانة اللامسؤولية. إن الضربة القوية التي تلقتها الأذواق المتلهفة لتثبيت العقلانية والموضوعية في الخطابات في السياسة والثقافة والاقتصاد، وما يترتب عنها من إجراءات تفعيلية، ذاءرت النخب الطامعة في غذ أفضل. وبذلك، لم يعد للعديد من الأوطان القدرة على تنمية حوافز الاهتمام بصيرورة التحولات المفصلية. لقد أصبح شيوع تشبيهها في هذه المحطة التاريخية بأوراق الأشجار الذابلة التي ينثر الخريف أوراقها فزاعة تثير الذعر في النفوس. تجبرت ذات الشفة (الكلمة) البسيطة وحققت الغزوات في أقساط شاسعة من الفضاءات الوطنية، ليغادرها ذات الصدر (الفكر)، ليتاح الاحتكام في استحقاقات الانتقاء والتمثيلية إلى المال والزبونية القبلية والعقائدية. لم يعد من يعارض جرأة الغالبية في نعت قواعد اللعب المتحكمة في المسارات الجديدة بالآلية المنبوذة والعقيمة. ربضت المجالات الترابية وعجزت عن معالي الأمور جراء استفحال آفة استغلال الأوضاع السياسية والثقافية والحقوقية السائدة لنسف عوامل ومصادر تشكل شرعية قيادات التغيير الجديدة في مهدها. غاب رواد الكلام الموزون والحكيم في الخطاب ليحل محلهم من لا يهدأ له بال إلا بعدما أن يتيقن من أنه زاج بين النخب، وتمكن من أن يدلوا بدلوه في تفييء اللحمات المجتمعية. إنه التفييئ الذي ألحق الضرر المزمن بالروح القومية والجماعية، وأصبح زاجر الفرد متأزما للغاية أمام تساكن وتلازم ثنائية تتغذى من الفساد والزبونية، جاعلة من “الابتزاز” آلية للمطالبة بالمقابل أي “الاستجابة المادية”، المصحوبة بتراكم مصادر المشروعية السياسية والتجدر الترابي على أساس الخوف والاستبداد وارتباط الولاء القبلي والعقائدي بالغنيمة.

والحالة هاته، فتفشي هذا المنطق، واعتماد قواعده الجهنمية بين الفاعلين المبتلسين في الدول والمجتمعات، فرض على النخب منطقا جارفا. إن التعسف في تحويل الديمقراطية إلى آلية للتوسيع المستمر للقاعدة الديمغرافية لمعسكر الخاصة، أي الموالين ومروجي الرسائل المسترسلة المعبرة عن ارتباط ممارسة السياسة بالمصلحة الذاتية، زاح المعنى عن الفعل السياسي لتزاحف التفاهة العقول. لقد غادرت الآذان عباراتي “طاب العيش”  و”طابت الأرض”، وغاب التضامن، وأصبح العربي كالمقيد الذي يطابق في سيره على تراب كاب. الرائج أن إبداع رجال المستويات الأدنى من الأجهزة المتحكمة في بلورة الخطط الجهنمية، أصبحت قاعدة جذابة. أساسها هو اغتنام حساسية التطورات الوطنية والإقليمية والكونية، لمطالبة المستويات الأعلى بالمزيد وترديد عبارة “عدم كفاية النصيب المادي المخصص لهم”. أما أطراف أخرى فتجدهما مجندة من حين لآخر للتنديد باستيلاء فئة معينة، المدعمة باللوبي القوي، من الجزء الأكبر من “الجبنة” السياسية الكبيرة. يذاع هذا المنطق في سياق لا ينكر في العمق مساهمة الشرفاء في إنتاج الخيرات، سواء كانوا في صفوف الأغلبية أو المعارضة أو في صفوف ذوي النيات الحسنة الذين يكابدون الليل وأهواله ومشاقه وشدائده. إنه الواقع المهووس بتراكم الثروات الريعية، بسلطه التقديرية التي لا يتوارث روادها المجد كابرا عن كابر. منهم من يستنير من الأعلى، ومنهم من يكابل كابر قومه، ويرصد الكوابل في طريق الصالحين، ويمائر بينهم بالاحتكام عمدا إلى خيار تدبير التحكم الظرفي في نيوءة العقول، والحرص على تحقيق الاستمرارية الأمنية والآمنة في المواقع المدرة للدخل الريعي، والتمييز في توزيعه على أساس الزبونية السياسية الضامنة للسيطرة ولو بنسبة مشاركة انتخابية ضعيفة.

لقد ساد في الهرم الديمغرافي للسياسيين النبهاء نوع من التفاعل، بحيث كلما توافدت على قاعدته نخب جديدة، وبأعداد كبيرة، بفعل الإغراءات أو الموالات أو الولاءات، كلما سمح لعدد من قدماء هذه القاعدة بالصعود إلى الدرجة العليا بمقياس “الدرابة” في لعب الأدوار السياسية المرخصة، وهكذا ودواليك. لقد ساد هذا المنطق في مصر عهد حسني مبارك، وأدى جشع الخاصة إلى تقليص القاعدة الديمغرافية للموالين (المستفيدين)، الشيء الذي ترتب عنه تفاقم حدوث الانشقاقات فيما بينهم، ليركب تيار الإخوان المسلمين على أمواج الاضطرابات الشعبية، والمرور من منطق “النصيب” عبر المشاركة والمسايرة إلى منطق الاحتكار. لقد منح الشعب القيادة للرئيس مرسي، لكن رخصة السياقة التي كان يتوفر عليها كانت من النوع القديم، النوع الذي لم يمكنه من تحقيق السرعة المطلوبة في الانطلاقة والانقضاض على مفاصل الدولة واختراق الجيش الوطني. لم تسعفه معارفه في القيادة على التأقلم مع المنعرجات الداخلية والخارجية. نفس الظروف تقريبا عرفها نظام بنعلي التونسي، الذي أثرت عليه سلبا عائلة طرابلسي، لتجد عبارة رئيس الدولة “فهمتكم” الآذان الصماء. أما وضعيات الدول الرئاسية، كالعراق وسوريا واليمن، فقد أدت ثمن تصلب مرجعيتها الإيديولوجية وانقيادها للشرق. إنها التبعية التي امتزجت بعدم القدرة على التكيف والتأقلم مع التحولات الكونية زمن العولمة (عهد النظام الجديد).

فعلا عاش العالم تطورات عميقة أفضت إلى نوع من الارتجال والتخبط الذي سهل تارة سقوط الأنظمة السائدة، وتارة أخرى تحويل تراب بلدانها إلى فضاء لصراع القوى الدولية حول المصالح، والسعي للرفع من دفق الثروات المختلفة والمتنوعة من هذه المنطقة الغنية طاقيا إلى العالم الغربي المتقدم بشقيه الأوروبي والأمريكي والأسيوي.

إن ما يعرف اليوم بالربيع العربي لا يمكن فصله عن المشروع العالمي لبناء عالم مشرقي ومغاربي جديد، محاصر بقوتين صاعدتين إسلاميتين، لهما ارتباط بصراع الحضارات التاريخية، الأولى شيعية والثانية سنية، وهما إيران وتركيا. إن التفاعلات العنيفة مكنت ظرفيا من إعطاء الانطلاقة لتشكيل محور صاعد، لكنه متذبذب ومضطرب بسبب تحوله إلى بؤرة للصراع الدولي عقب إعلانات متكررة لموالاته لروسيا والصين الشعبية (محور إيران وسوريا وحزب الله اللبناني وجزء من العراق واليمن، الذي توسع بترددات وتنطعات تركيا الأردغانية). في نفس الوقت، نتيجة لمحاولات إحياء المقومات السياسية للأنظمة القديمة، وصمود نزعات الانقلاب على تراكمات الربيع العربي في كل من الجزائر ومصر واليمن وتونس (نسبيا)، برزت الحاجة إلى البحث عن مكتسبات وتراكمات جديدة لربط الديمقراطية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية في كل من المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي العربي.

وختاما أقول، إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي تبحث عن توافقات سياسية فيما بينها لمواجهة التحديات المستقبلية، وبروز مؤشرات تفاؤل بتصالح الجيران (رجوع قطر بعدما تم اتهامها بدعمها الاستراتيجي للتيارات الإسلامية عربيا ومغاربيا المحسوبة على صف الإخوان المسلمين ونزوعاتهم العالمية)، وطبيعة البيان الختامي الذي دعم صراحة حق المغرب في الحسم النهائي لقضية وحدته الترابية، والدفاع عن حق الشعب اللبناني ونظامه السياسي في المضي في طريق تضمن له الاستقرار والاستقلالية، فإن المغرب يبحث، من خلال الاقتراب من المصادقة على نموذجه التنموي الجديد، عن ابتكار مقومات وركائز بديلة للمرور إلى مرحلة متقدمة في مجالي اللامركزية السياسية واللاتركيز الإداري، وبالتالي السعي لتحقيق التكامل والمصالحة الواضحة بين الديمقراطية والتنمية بفتح المجال على مصراعيه للكفاءات الإدارية والسياسية لقيادة التغيير. إن الاتفاق على ضمانات واضحة لتقوية اتحاد دول المجلس الخليجي، وامتداد تفاعلاته التنموية إلى المغرب الأقصى، يمكن أن يشكلا دعامتين لانطلاق مشروع جديد للتعاون العربي من الخليج إلى المحيط.

إن تعبيد الطريق أمام الديمقراطية لتقوية الوطنية والثقة السياسية وتلاحم الشعوب بأنظمتها أصبح اليوم لا يطيق الخطط الجهنمية، التي تتخذ من الفساد والإفساد والريع، بشقيه الكبير والصغير، آليات لربح الوقت، واستمرار الأنظمة بمؤسسات لا تحسن إلا الزيادة من حدة صراعات التيارات السياسية فيما بينها داخليا. إن المواقع والكراسي المؤسساتية تحتاج إلى الأجدر معرفيا وسياسيا، والصراع القاتل لا فائدة من وراءه، ومطالب الشعوب ترتفع هنا وهناك، وبمستويات متفاوتة، لتحويل المشاهد السياسية إلى فضاءات للمنافسة بالبرامج والقدرات التنفيذية والتشريعة.