أعادت الذكرى المائوية لإبادة أكثر من مليون ونصف من الأرمن ما بين 1915 و1917 من طرف العثمانيين، تركيا إلى واجهة الأحداث العالمية، أنقرة تشن حربا ديبلوماسية على كل من تجرأ على فتح ملف إبادة الأرمن، استدعت سفراءها في كل من النمسا والفاتيكان في أبريل الحالي، احتجاجا على هذه الدول، مارست ضغطا على ألمانيا معبئة لأكثر من 3 ملايين مهاجر تركي، لكن هذه المرة بدون جدوى، فالبرلمان الألماني أكد يوم الجمعة الماضي على أن ما تم هو إبادة عرقية جماعية، بل إن الرئيس الألماني اعترف بوجود تأطير من ضباط ألمان لهذه العملية القذرة.
الرئيس أوباما له قراءة أخرى للأشياء، فبالرغم من قناعة السفيرة الأمريكية بالأمم المتحدة »سانطانا بوير« بضرورة الاعتراف بالإبادة، فإنه لا يزال مخالفا للوعد الذي قدمه خلال حملته الانتخابية الأولى »للدياسبورا« الأرمنية المتواجدة بأمريكا، كان مبرمجا أن تمثله في الاحتفالات المئوية السفيرة »سانطانا« كوجه إعلامي وحقوقي معروف، لكن خوفا من استفزاز الأتراك فضل أوباما تعويضها بكاتب الدولة في الخزينة »جاكوب ليو«.
هولند وبوتين حضرا الحفل المائوي »بإيرفان رغم اختلافهما حول الإشكال الأوكراني.
واشنطن واعية بأن تركيا رقم أساسي في معادلة الحرب على الإرهاب، ألم يصرح »جو بايدن« نائب الرئيس الأمريكي خلال زيارته لأنقرة أن القضاء على الارهاب يتطلب توافقات مع تركيا بالرغم من أن هذه الأخيرة تحتفظ بعلاقات غير مباشرة وملتبسة مع داعش، ورافضة للإلتحاق بالحرب عليها.
الرئيس الأمريكي اختار الواقعية كعادة كل الرؤساء الأمريكيين عوض المبادئ الانسانية النبيلة الكبرى، فهو واع بأن واشنطن وقعت اتفاقيا في فبراير الماضي مع تركيا لتدريب المعارضة السورية المعتدلة، بالاضافة إلى أنه يسعى لإقناع أنقرة لاستعمال القاعدة العسكرية »أنسرليك« الاستراتيجية، والتي يقتصر التواجد الأمريكي فيها على الطائرات دون الجيوش البرية.
من هنا نفهم أن الخلاف التركي الأمريكي لايزال قائما، فالأسبقية بالنسبة لأنقرة هي الإطاحة بالأسد أما واشنطن فهدفها القضاء على داعش، لاسيما أن رهان صناع السياسة الخارجية الأمريكية على الربيع العربي وعلى المد الإخواني، أصيب بالخيبة والفشل. ومن ثم فالنموذج القابل لترويج الاسلام السياسي السني المعتدل هي تركيا في مقابل الحيطة والحذر من إيران الشيعية.
بين هذا وذاك، ضاع ملف الاعتراف الأمريكي بإبادة الأرمن في بداية القرن العشرين.

  *مداخلة  عبد الكريم بنعتيق
    في أطلنتيك راديو كل أربعاء