*الشهيد عمر بنجلون يتوسط كلا من الشهيد  المهدي بنبركة والراحل عبد الرحيم بوعبيد

 

بصرف النظر عن الشد والجذب وسط الشارع الاحتجاجي هذه الأيام، والمواقف المختلفة من التطورات السياسية التي تعرفها البلاد راهنا، في مجال سقف الاصلاحات الدستورية التي كانت تطالب بها حركة 20 فبراير، فإنه بالنسبة لليسار وبعض المنظمات النقابية  التقدمية، لا يمكن لأي متتبع آو ملاحظ، أن يشكك في المواقف النضالية لليسار بكافة تفرعاته، وفي أنه قد دفع مبكرا فاتورة الاصلاحات المطالب بها حاليا، ومن حوالي أكثر من 50 سنة، عبر أعمال قمع، وتصفيات  جسدية واغتيالات وإعدامات طالت الكثير من مناضليه، ولم يحدث قط أن ساوم على مواقفه، لا مع النظام، ولا مع الجماهير الشعبية… وهذا عكس أطراف أخرى، لم يكن لها وجود، أو حضور فعلي من قبل، وتريد الآن تسلق سلاليم الاصلاحات السياسية والركوب على المد البشري الهادر، والمليء بالغضب والاحتجاجات، وكأن انتفاضة الشباب، هي ملك لأولئك المتسلقين، أو أنها من «جليل أعمالهم»، وأن لا كلمة ولا قوة، إلا قوتهم!

الورقة التالية، محاولة لاستخلاص بعض الحقائق من التاريخ القريب، وبإيجاز شديد عن مرحلة تبدو حالكة ومظلمة في نظر بعض من عاشوها وعانوا من ويلاتها، من مثقفين ورجال تعليم وعمال وطلبة ونقابات وأحزاب يسارية وتنظيمات أخرى سرية وعلنية…. جميعها خاضت معركة المطالبة بنظام ديمقراطي حقيقي، ولم تتخل عن تلك المطالب حتى اللحظة الراهنة.

أول هذه الحقائق أن مطلب إصلاح نظام الحكم طرحته الحركة التقدمية، بداية من سنة 1959، ممثلة آنذاك في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية -بعد انفصاله عن حزب الاستقلال- والاتحاد المغربي للشغل، والاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وكان الطرف الآخر المناوئ لأية إصلاحات جذرية، ممثلا في القصر -وفي أحسن الأحوال، قبوله لإصلاحات شكلية- يسانده في ذلك حزب الاستقلال والحركة الشعيبية بزعامة المحجوبي أحرضان وعبد الكريم الخطيب، إضافة إلى رجالات الحسن الثاني الأقوياء: رضا اكديرة، مولاي احمد العلوي، ادريس المحمدي، الغزاوي، الجنرال مولاي حفيظ. وبالطبع، فإن مرحلة 1956-1959 عرفت وجود مجلس استشاري برئاسة المهدي بن بركة، وكان بمثابة برلمان، وعندما قدم  المهدي استقالته منه، في أعقاب انشقاق حزب الاستقلال، وبدلا من الدخول في إصلاحات حقيقية، وأهمها انشاء مجلس تأسيسي لوضع الدستور الذي طالب به حزب القوات الشعبية بعد نشأته سنة 1959، تم تعيين مجلس بديل من قبل محمد الخامس أسندت رئاسته إلى المرحوم علال الفاسي سنة 1960.

التصدع…

في السنة الموالية، وفي أوج قوة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والاتحاد المغربي للشغل، عرف المغرب أول إضراب عام للموظفين، واكتشف النظام وقتها مدى  قوة هذين التنظيمين الجماهيريين، إضافة إلى وزن الحركة الطلابية.
وبعد فترة جاء رد الفعل من حزب الاستقلال، مدعم من الحكم بإنشاء نقابة الاتحاد العام للشغالين، في منافسة واضحة لزعزعة الاتحاد المغربي للشغل، والنيل من قوته العمالية، والمساندة لمواقف ونضالات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.. وبذلك، وطيلة المدة التي أعقبت وفاة محمد الخامس وتولي  الحسن الثاني للحكم واستقالة علال الفاسي من رئاسة المجلس الدستوري، لم يعد النظام يقبل من أحد، ومن اليسار بالذات، أن يطرح عليه إقامة حكم ديمقراطي يستند إلى المرجعية التي سبق أن أعلن عنها حزب القوات الشعبية. وهكذا دخلت البلاد في مرحلة من الغموض، أرسى خلالها الحسن الثاني دعائم حكمه، فتم تحييد موقف حزب الاستقلال من الإصلاحات الدستورية، وعرفت العلاقة بين الطرفين نوعا من المهادنة.. وهو نفس الموقف الذي اتخذه المحجوب بن الصديق، بعد التصدع الذي نشأ بين الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، على إثر المؤتمر الوطني الثاني لسنة 1962.. مع أن بن الصديق، إلى جانب عبد الله ابراهيم، الفقيه البصري، عبد الرحمان اليوسفي، عبد الرحيم  بوعبيد، المهدي بن بركة وغيرهم..، كانوا من أبرز قادة انتفاضة 25 يناير1959. كما أنه في نفس الآونة  انسحب عبد الهادي بوطالب وبن سودة وآخرون من حزب الاتحاد الوطني… واكتمل «مربع  تحصين النظام»، أو لنقل بداية الإخفاقات بالنسبة للحركة التقدمية، بوقف صدور جريدة «الرأي العام» التي كان يديرها أحمد بن سودة في ذلك الوقت. ولم يكن من الصدف أنه في الآن نفسه، رفعت نقابة المحجوب بن الصديق شعار الدفاع عن الخبز، وفصل السياسة عن العمل النقابي. وهذه الانسحابات، أو التراجع عن مواقف سابقة ومتشددة تجاه الحكم من طرف الزعامات السابق ذكرها (المحجوب بن الصديق، عبد الهادي بوطالب ومجموعته..) وبعدها التخلي عن إصدار جريدة «الرأي العام» في أوج الصراع السياسي، الدائر -آنذاك- بين القصر والاتحاد الوطني للقوات الشعبية… كل هذه التطورات، لم تأت صدفة، حسب بعض المتتبعين، بل جاءت ثمرة مقايضة سياسية كبيرة، رأينا ترجمتها العملية على الساحة، حيث لم يعد ثمة صوت أو قوة  تقف في وجه القمع، سوى حزب القوات الشعبية والاتحاد الوطني لطلبة المغرب… والباقي من الأحزاب كانت مساندة للنظام مساندة مطلقة، مثل حركة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (فديك)، برئاسة أحمد  رضا اكديرة والحركة الشعيبية، بقيادة المحجوبي احرضان، وعبد الكريم الخطيب. وبالنسبة لحزب الاستقلال، فقد سبق أن أعلن ولاءه للنظام، ولم يكن  على استعداد في تلك الفترة لفك ارتباطه بالحكم، إرضاء لخصمه اللذوذ، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي تسبب له في هزات وقلاقل سياسية  وتنظيمية، بعد انفصاله عنه سنة 1959.   

الصراع مع الحكم…

وبالنتيجة، أضحى الصراع وجها لوجه بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية واتحاد الطلبة من جهة، والحكم من جهة أخرى، وأدى بالتالي، موازاة مع ذلك، إلى تأسيس الاتحاد العام للطلبة، الموالي لحزب الاستقلال ضدا على  قوة وجماهيرية التنظيم الطلابي الداعم لحزب القوات الشعيبية. وهكذا دخلت البلاد في دوامة من الاعتقالات والمحاكمات، بداية من سنوات 1959، 1963، 1969، 1973… إلى غاية سنة 1975، وكان نصيب القمع فيها لمناضلي ومناضلات الاتحاد الوطني للقوات لشعبية، الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، حزب التحرر والاشتراكية (التقدم والاشتراكية فيما بعد)، ومناضلين آخرين ينتمون إلى حركات يسارية مختلفة، ظلوا يتعرضون للاعتقالات والمحاكمات، حتى ما بعد 1975 (23 مارس، إلى الأمام، الجهويين، نقابة التلاميذ.. وغيرها من تنظيمات، كانت تلجأ إلى السرية في نشاطها السياسي). كما تأسست عدة جمعيات ومنظمات حقوقية، بعد انفتاح النظام سنة 1975، إثر طرح قضية الصحراء على المنتدى الدولي. وكان للجمعيات المذكورة، ومعها قوى اليسار، دور كبير في انتزاع بعض الحقوق السياسية لفائدة المعتقلين السياسيين، وفي ميدان الإعلام، وحرية الرأي والتعبير. وهذا المناخ في الانفراج السياسي، لم يكن متوفرا  من قبل، طيلة 15 سنة (1960-1975)..

وعلى عكس السنوات العجاف، وانحصار العمل النقابي بين كل من الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد العام للشغالين، واستفادة زعامات النقابتين من مهادنتهم  للنظام، ظهرت بالملموس في الامتيازات التي حصلوا عليها، في صورة هبات وأموال الصناديق السوداء المودعة لدى  مصالح الشؤون الاجتماعية والتعاضديات التابعة لهاتين النقابتين في الكثير من القطاعات (المكتب الوطني للكهرباء، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الموانئ…إلخ) إضافة إلى التحكم في ميزانيات ضخمة، تقدر بعشرات  الملايير من السنتيمات. ولم يكن من الممكن إطلاق الحرية لهاتين النقابتين لتتصرفا في تلك المبالغ الضخمة هكذا لولا حجرهما على العمل والنضال النقابيين، وذلك بعدم الاشتراك في أي إضراب يدعو إليه حزب القوات الشعبية، ويكون الحكم هو المستهدف له.. والعمل بالتالي من أجل كسر وإفشال النضالات العمالية، وحماية الباطرونا، حتى لا تكون للإضرابات تلك القوة الفعالة التي تمكن الطبقة العاملة من كسب بعض حقوقها الاجتماعية…

المؤتمر الاستثنائي…

نقول على عكس تلك السنوات الرمادية، وفي هذا المناخ  ظهرت إلى الوجود نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، بعد تأسيس عدة نقابات قطاعية في الكثير من المؤسسات والإدارات العمومية، فضلا عن القطاع الخاص، انفصلت عن الاتحاد المغربي للشغل، وكان ذلك سنة 1978 بزعامة نوبير الأموي. وأهم النقابات المكونة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل عند تأسيسها كانت هي: نقابة البريد، النقابة الوطنية للتعليم، نقابة الفوسفاط، نقابة السكك الحديدية، نقابة النقل الحضري، وغيرها. وكان ظهور هذه النقابة ذات التوجه اليساري عنصر قوة ودعم للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي غير اسمه، من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي أثناء مؤتمره الاستثنائي سنة 1975.

بالطبع، تغيرت عدة أشياء بعد عودة الحياة السياسية والبرلمانية إلى البلاد، ونشـأت أحزاب ذيلية تابعة للسلطة، وكسبت أخرى شرعية ممارسة عملها السياسي، وبدأ تسيير شؤون الحكم ?على صعيد الحكومة فقط- يأخذ شكل أغلبية ومعارضة. وكما هو معلوم، فإن أحزاب اليسار، وأهمها في هذه الفترة هي: الاتحاد الاشتراكي، التقدم  والاشتراكية، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي…. هي التي كانت تقوم بدور المعارضة،  بينما مواقف حزب الاستقلال كانت تتسم ببعض التذبذب، تارة يشارك في الحكومة (1977/1983).. وتارة ينضم إلى صفوف المعارضة (1984-1997)..

ويبدو هنا لأي ملاحظ أن هذا الانفراج النسبي في توجيه النقد للعمل الحكومي وليس لنظام الحكم، لم يكن متوفرا من قبل، وإنما فرض فرضا بفضل نضالات وإضرابات العمال والطلبة والتلاميذ، طيلة فترة الستينات والسبعينات، تنتمي أغلبها إلى حركات اليسار، أبرز هذه الإضرابات والمظاهرات: أحداث مارس سنة 1965، إضراب رجال التعليم 1979، الإضراب العام سنة 1981 (الإضرابان الأخيران دعت إليهما الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وكانا ناجحين  100 %، وعرف إضراب 1981 أعمال قمع وقتل واعتقالات، شملت قياديين بارزين بكل من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد الاشتراكي، ويوجد من بين هؤلاء من قضى مدة بالسجن بدون محاكمة).

كما شنت قطاعات أخرى إضرابات لمدة كبيرة خاضتها نقابة عمال الفوسفاط، السكك الحديدية، النقل الحضري. وعرفت هذه الاضرابات -أيام ادريس البصري- تدخلا سافرا من قبل القوات الحكومية لتكسير الإضراب بواسطة  تشغيل الجنود لسياقة قطارات السكك الحديدية المحملة بالفوسفاط، وجلب حافلات النقل بين المدن لتعمل مكان حافلات النقل الحضري المضربة عن العمل.

أعداء الإسلام…

الحقيقة الثانية: أنه في تلك الفترة، لم يكن  ثمة تيار ديني، نزل، ولو مرة إلى الشارع لمساندة مطالب الشعب، وكان ظهور أفراد هذا التيار منحصرا داخل الوسط الطلابي وبالكليات، وفي محاصرة الحركات اليسارية ومريديها، لأنهم فقط متشبعون بالفكر الماركسي أو الاشتراكي، ويقرؤون كتب ماركس ولينين، وغيرهم من المفكرين التقدميين، عوض كتب سيد قطب،  حسن البنا، وابن تيمية..، وإرفاق ذلك باتهامهم -أي لليساريين- بأنهم ملحدون وزنادقة، وكان الأمر يصل بهؤلاء المهووسين حد عقد محاكمات بالقتل ضد من يعتبرونهم «أعداء الاسلام»!… والمفارقة أن هذه التيارات الدينية بدلا من أن تقف إلى جانب الأحزاب والحركات اليسارية المنتقدة للنظام، والتي تطالب بإقرار حكم ديمقراطي، نجدها تقف ضدها… مع أن بعض من هذه التنظيمات الأصولية تعلن في أدبياتها ونشراتها أنها ضد حكم الطاغوت. والقصد أن بعضا من شعاراته هذه قريبة من تلك التي ترفعها المنظمات والأحزاب السياسية الحاملة للواء المعارضة… فكيف تقوم تلك التيارات إذن بإعلان حرب مفتوحة ضد حركات اليسار بالذات؟ وقد تجلى ذلك في الكثير من التهجمات والاعتداءات بالسلاسل والسيوف، والتهديد بالقتل، أو القتل الفعلي، مثل ما حدث للكثير من المناضلين الذين لم يسبق لهم أبدا أن دخلوا في مواجهة مع بعض «أوصياء الدين»، نذكر من بينهم  الشهيد عمر بن جلون… بمعنى أن عداء هذه الفئة المتسترة خلف عباءة الدين وكراهيتها الشنيعة ضد كل ما هو يساري، هو أكثر من عدائها للنظام نفسه!… وأن التيار الذي ظهر على الساحة فجأة بداية من سنة 1970، كانت ضرباته الموجهة إلى أعضاء وقادة بعض الأحزاب اليسارية، أقسى – أحيانا – من تلك التي تلقاها اليسار من الحكم نفسه… وهناك من الملاحظين ممن يعتبرون الممارسات الوحشية لهذا الفصيل الديني المتطرف، القصد منه، إخلاء الساحة من اليسار، لأنه من أشد المنافسين له كي يتولى شؤون الحكم بواسطة منظومته الفاشية المغرقة في الدموية وإزاحة الآخر!

وحتى في حال تقدم هذا التيار الديني بمطالب معينة، فإنك لن تجد لديه مشروعا متكاملا – باستثناء كتاب مطالب لإحدى الجماعات، أصدرته  سنة 2001، حول رؤيتها لنظام الحكم المطلوب تطبيقه بالبلاد – بل مجموعة أوامر ونواه مثل: الالتزام بالحجاب والخمار، محاربة التبرج، تحريم شرب الخمر، منع دراسة الفكر الفلسفي، (إنشاء دار الحديث الحسنية، كمشروع مضاد) وأشياء أخرى عادية، إن لم تكن تافهة… أما تحسين الأحوال الاجتماعية  للشعب، وتوفير المزيد من الحقوق الأساسية للمواطنين، بواسطة إقرار نظام ديمقراطي حقيقي، فهي مطالب لم يسبق أن نزلت عناصر هذا التيار إلى الشارع للمطالبة بها. وعادة ما تجدهم  يتزعمون تظاهرات تضامنية حول قضايا مختلفة، ويحملون شعارات دينية للاستهلاك الداخلي، لا علاقة لها بالهموم العامة للمواطنين.

وإذا طرحت عليهم سبب موقفهم المتناقض هذا، يجيبونك، بأن الحل في محاربة الفساد والمفسدين، والتخلص من جميع الموبقات، يكمن في إعادة الخلافة الاسلامية، لتحكم في كل ما يتعلق بشؤون المسلمين!

  • المقال عن أنفاس بريس 
  • الخميس 06 اكتوبر 2016.