الركام كبير جدا؛ فالشيطان وأوليائه عملوا منذ فجر النبوة على وضع نوعين من التضليلات؛ سريعة و (استراتيجية) طويلة الأمد؛ والأخيرة تطحننا إلى اليوم..
مهمة الباحثين اليوم وجهادهم الحقيقي، يكمن في كشف هذا الركام الشيطاني الكبير؛ وخاصة الركام الاستراتيجي الهاديء الذي لا يتبين؛ فهو السم الزعاف.

في بداية العام؛ ليس لنا إلا الدعاء بأن يجمع الله المسلمين على الاعتصام بحبل الله جميعاً؛ وأن يتركوا أحبلهم السياسية والمذهبية لصالح حبل الله؛ حبل الله لا يلزم منه التوحد السياسي والمذهبي بين المسلمين؛ وإنما؛ حبل الله: محكمات كتابه؛ أن يدخل الناس في السلم كافة؛ أن تأتي بالصدق وتصدق به..

حبل الله ضاع بين أحبل الناس؛ تم الرفع من أحبل الناس، مع الوضع من حبل الله، حتى لا يكاد يعرفه أحد؛ والواجب إعادته للواجهة؛ ولو كان ذلك صعباً.

حبل الله هو السعادة في الدنيا قبل الآخرة؛ هو الصدق والعدل والرحمة والبر والتقوى. الخ؛ ولا يأتي إلا بهضم الذات ومجاهدة النفس وقتل الكبر والغرور.. يريد الله لهذا الإنسان اليسر والخير والرحمة والتعاون على البر والتقوى؛ ولكن؛ الشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء ويغري بينكم العداوة والبغضاء.

عبادة الله بتفعيل تلك المحكمات القرآنية؛ وعبادة الشيطان بتفعيل تلك الصوارف الشيطانية: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان)؟

يضل الشيطان كثيراً من الناس عندما يحصر لهم العبادة في الصلاة والصوم؛ ليقولوا: نحن لم نعبد إلا الله!

ينسيهم أن عبادة الشيطان هي طاعته في الشر. عبادة الشيطان هي طاعته في مشروعه؛ من نشر العداوة والبغضاء؛ وفعل السوء والفحشاء؛ وسفك الدماء؛ وإنتاج الفقر؛ وتزيين الكبر؛ ليتم شقاء هذا الإنسان.

مشروع الشيطان متحقق في المسلمين أكثر من غيرهم من الأمم؛ وهذا واضح، لكن لماذا؟ لأن الرسالة الخاتمة هي الأوضح والأكثر خطورة على مشروع الشيطان.

صحيح أن الشيطان استطاع؛ إلى حد كبير؛ وبالمسلمين؛ أن يظهر الإسلام كدين دموي ينشر الفساد في الأرض، ولكن؛ عند إزالة الركام الكبير سيتبين ضد ذلك.

الركام كبير جدا؛ فالشيطان وأوليائه عملوا منذ فجر النبوة على وضع نوعين من التضليلات؛ سريعة و (استراتيجية) طويلة الأمد؛ والأخيرة تطحننا إلى اليوم..

مهمة الباحثين اليوم وجهادهم الحقيقي، يكمن في كشف هذا الركام الشيطاني الكبير؛ وخاصة الركام الاستراتيجي الهاديء الذي لا يتبين؛ فهو السم الزعاف.

أدلة استراتيجية التضليل الشيطاني في آيتين: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ). ماذا يفعلون؟
الجواب: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)}.
السؤال: ولماذا لم ياذن الله لنبيه بالقضاء على هؤلاء؟
الجواب: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}.
وماذا أيضاً؟
الجواب: (وَلِيَرْضَوْهُ)
وماذا أيضاً؟
الجواب:[color=497418](وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)}
ولماذا يا رب؟
(ليبلوكم).
[color=497418]{ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (113) } [الأنعام]

سنة الله في ابتلاء الناس وتمحيصهم لا تتم إلا بوجود الخير والشر، والصدق والافتراء، والحق والباطل؛ هنا اختبار الناس.
أنت في حصة اختبار؛ وأنت حر.

سنن الله وقوانينه أنساناها الشيطان ليجعلنا أكثر دلعاً وتهاوناً وتواكلاً .. قلوب كقلوب العصافير، لا نريد أن نتعب أنفسنا في علم ولا عمل؛ نتوهم أن الإيمان يكفي.. نحن نصلي ونصوم وبس!

الجواب: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ }؟؟ والابتلاء والتمحيص سنة عامة في الأمم كلها: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
ولكن؛ ماذا يريد الله من المخرجات من هذا الابتلاء؟
الجواب: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)}.
عجيب!
إذاً؛ ليس الهدف إخراج من يقول: نحن نصلي ونصوم! الذين يقولون”نحن نصلي ونصوم وخلاص، لا يهمنا بعد ذلك صدق ولا كذب” ! هؤلاء يستهينون بسنة الله ويرون أنهم قد سبقوا الله.. لله جواب لهؤلاء فاسمعوا: { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) }.
{ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) } [ألعنكبوت]

نعم؛ ولكن؛ كيف يظنون أنهم سبقوا الله؟
الجواب: عندهم أحاديث وثقافات لا تعول على كتاب الله! لا تهتم بسنة الله في الابتلاء  والتمحيص والفرز والتمييز؛ ويظنون أنهم قد سبقوا الله بها! فلذلك؛ لا يرتدعون عن كذب ولا كبر ولا قتل ولا أذية ولا ملعنة؛ فهم يصلون يصومون وخلاص؛ لا يتذكرون أبتلاء ولا تمحيصاً.. واثقون جداً أنهم قد سبقوا؛ فالآن؛ عندما ننبههم بالآيات الصريحة يستكبرون؛ ولا يرون لهذه الآيات مكاناً.. فهم يصلون ويصومون؛ ولا يحتاج الأمر؛ عندهم؛ لاختبار صدقهم من كذبهم.

هم يظنون أنهم قد سبقوا لأن بعض الأحاديث قالت لهم : افعلوا كذا وكذا خصلة …. تدخلوا الجنة بسلام! والحمد لله.. فهم يرون أنهم قد سبقوا الله.

من يرى أنه قد سبق سنن الله في الاختبار وفرز الصادق من الكاذب؛ فهو يرى أنه قد سبق الله وبيانه؛ وهو بهذا واهم ومضلل ومخدوع من الشيطان وأوليائه.. لن تسبق الله بحديث تعتقد صحته؛ ولا بفتوى تجعلها بينك وبين النار؛ ولا برأي عام سائق؛ ولا برمز عاصم.. لا عاصم من أمر الله وبيانه وكتابه؛ لا عذر لك؛ لن يفيدك (زخرف القول) ولا الافتراء عليه عندما تواجه سؤال (ألم تكن آياتي تتلى عليكم)؟ كثير سيبدو (لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون).

حبل الله هو كتابه؛ والعمود الفقري لحبل الله هو المحكمات؛ عض عليها بالنواجذ، فهي من تسأل عنها؛ هي منجاك..
لا تلتفت لأحبل الناس المزخرفة شيطانياً؛ اعلم أنك في حصة اختبار طوال عمرك؛ وأن لب النجاح في هذا الاختبار  هو الصدق – كما في سورة العنكبوت – ليس لب النجاح هو الصلاة مع فعل السيئات..
الركام الشيطاني كبير جداً.

أسهِم في التصحيح؛ أسهِم في العودة للحق الأول؛ اترك ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ اقطع الشك باليقين؛ لا تحاول أن تسبق الله.. من فضل حديثاً على آية فهو يريد مسابقة الله.. من اتبع رأياً عاماً على برهان فهو أيضاً في مسابقة الله؛ والله حذرك وأخبرك: (وما نحن بمسبوقين).
المسابق لله متكبر، والكبر معصية إبليس الأولى.

الكبر يدمر الإنسانية؛ ابحث عن كل شقاء لهذا الإنسان؛ ستجده مرتبطاً بالكبر، ولكن الشيطان زيّنه؛ مثلما يسمي الشيطان الخمر بغير اسمها – وهي أقل ضرراً – فلابد أن يسمي الكبر بغير اسمه؛ لأنه المعصية الأكثر ضرراً وصداً عن سبيل الله..
خذوا هؤلاء السكارى الذين لا يصحون ليل نهار، لكن لا يؤذون أحداً؛ وخذوا هؤلاء المتكبرين، المسابقين لله، الناشرين الفساد؛ من الأسوأ على الإنسان؟

الشيطان يضل الناس بالزخرف = زخرف القول غروراً/ ليقترفوا به ما هم مقترفون.
الحل: رتب الشرع ترتيب الله له لا ترتيبك؛ وستتوقف عن هذا الاقتراف.
أخيراً: هذا جزء الواجب الثقافي في إزاحة (الركام الشيطاني)؛ ولعل سنة الابتلاء والتمحيص قد أسهمنا في إعادتها للواجهة وبالقرآن؛ فافهم والزم.

لا تغتر بكثرة صلاة قوم وصيامهم؛ فهل تمنى النبي أن (يدرك ويقتل) إلا من (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم؟ وصيامكم مع صيامهم؟ وقراءتكم مع قراءتهم)؟

لم يتمنّ النبي إدراك من يشرب الخمر؛ ولا من يفعل الزنا؛ بل ولا من يلحد؛ تمنى أن يقتل من كان يكثر من الصلاة والصوم؛ ولكنهم مجرمون يمرقون من الدين!

دين الله في سلامة الأنفس والأموال والعقول والأعراض والدماء؛ وليس دين الله في كثرة صلاة.. صيام.. مع مروق من الدين بقتل وكذب وظلم وملعنة وأذية..

يقول: الناس الناس،؛ … والناس عنده بضعة عشر تافهاً فقط؛ ثم؛ ليبحث عن الحق من كلام رب الناس؛ وليس من الناس؛ فهم ليسوا آلهة ولا مصدر تشريع.

أعني؛ قد تجد أحدهم يزعجك بالنقل عن الناس؛ والخوف من الناس؛ وعبادة الناس؛ ثم؛ لو تبحث عن (هؤلاء الناس) عنده؛ تجد أعداداً يسيرة من التافهين الأغبياء؛ فالأحمق دائماً يحيل إلى أشكاله؛ لا يحيل إلى الله ولا رسوله ولا قرآن ولا عقل؛ إنما أمثاله من الحمقى هم عنده  الدين كله والعقل كله!
بلاء مطبق.

ويل لمن منحهم الله السمع والأبصار والأفئدة، ثم لا يعطلونها فقط، وإنما يستخدمونها في الدعوة لعبادة غير الله والتعبد بمعاصي الله.

طبقات ضلال: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22]
سبحانك ربي ما أصدقك!
نراهم رأي العين.

*موقع الشيخ المالكي