في كل المكالمات التي تلت الإعلان عن النتائج، والتي تواصلت فيها مع مناضلين في الاحزاب الوطنية المعهودة في قاموس تداولنا، كان الاجماع الكلي على … القلق …
على الصدمة
على الذهول..
اذ كانت أول نظرة، أول تعليق أو قراءة للنتائج الانتخابية تعطينا معاينة تاريخية مقلقة للغاية :
تراجع الكتلة الوطنية
والكتلة الديموقراطية
والكتلة اليسارية،
كما تعودنا تعريفها في الزمن السياسي المغربي منذ عقود.
ثلاث كتل
متداخلة بينها
ومتداخلة في تاريخها
تراجعت، من خلال نتائج الاقتراع الذي طالعتنا يوم الجمعة..
وكان واضحا أن الحقيقة التي يقولها مناضلوها،
قبل منتقديها هو أن هذا الوضع، وضع جديد ..
ومنعطف غير مسبوق
وتحول لا يمكن أن تغفله الذهنية المجردة
والعقل الناقد..
لا يمكن أن تقوم الحقيقة بدونه
ولا تقوم النضالية بدونه
ولا يقوم العقل بدونه
ولا يقوم النضال بدونه أيضا..
وقبل الخوض في الامر تقتضي الموضوعية وبل النزاهة الفكرية الاقرار لعبد الاله بنكيران كرئيس حكومة أنه رفع تحديا كبيرا وقاد حزبه إلى الصدارة، من موقعه كرئيس حكومة..
و بالرغم من كل الملاحظات التي يمكن أن نقولها بخصوص تسييس الدين أو تديين السياسة..
فهو أولا حافظ على منحنى تصاعدي،
وحافظ على تكتل الحزب ووحدته ، بالرغم من مطبات التسيير العام
ومطبات القصص والوقائع التي رافقت الفترة الأخيرة من الزمن الحكومي
حتى ولو كان ذلك على حساب سرعة الانتقال الديموقراطي…
كما أثبت بأن المفاجأة ليست سوى ترتيب الوقائع المعروفة..
لديه…
…ولدى ناخبيه
… ولدى جزء من أصحاب القرار…
… وأصحاب التقرير!
سنكون أمام قراءات عديدة لهذا الفوز، لكن المؤكد أن كل قراءة لا يمكنها أن تغفل بأنه نجح في فرض معادلته الخاصة بخصوص قاعدة الاختيار، ومن هنا بعض الدهشة التي رافقت التحليلات لدى المناضلين في الاحزاب الوطنية ترجمتها الاسئلة المعتددة: كيف يمكن أن يتخذ قرارات لاشعبية
وقرارات رافقتها احتجاجات كبيرة
ومع ذلك يحضى بالتصويت؟
والحال أن المحاكمة على قاعدة السياسة العمومية..
وعلى قاعدة النتائج لم تنل أي حظ في الحملة وفي النقاش العام، وتم الاختيار بين من مع بنكيران ومن ضده..
من مع الاسلمة ومن مع التحكم..
وبالرغم من حيوية هذا التمايز فإنه لم يكن هو الاليق للقوى الاجتماعية والمجتمعية حتى للاقناع وخوض معركة التشريعيات على قاعدة: من كان مع الناس والطبقات ومن كان ضدهم!

وكان من الممكن ان يكون تراجع الحكومة وأحزابها، هو الامر المنطقي، لكن المفاجأة كانت في أن قيادة الحكومة لم تدفع الثمن الاكثر ، من السياسة الحكومية بقدر ما دفعته «أحزاب الجوار»…
بل ربما ان هيمنة الحزب، خطابيا وبشريا وأسلوبيا مكنه من أن يكون الحقيقة الحكومية الواحدة والوحيدة، مع عدم دفع الثمن اللازم لذلك!
وربما ذهبت اليه أصوات مساندي الاغلبية لأنه كان أحسن من يعبر عنها..
على كل هناك بعض المحاولات في تقديم قراءات مبتسرة ومتكررة ،
و منها أن الشعب لم يحسن التصويت..
منها أن الشعب لم يكن في مستوى اللحظة!
وهو كلام يذكرنا في العمق بمقولات كان جزء من طبقة الدولة الاستبدادية يبرر بها عدم الاحترام للصناديق..
يقول أن المغاربة غير جاهزين للديموقراطية
لا بد للدولة أن تنوب عنهم
ولا بد للادارة أن ترافقهم في مشروعها قبل مشروعهم
وسيكون من الفداحة أن ينضم جزء من نخبة الديموقراطيين، بأثر رجعي الى هذه الاطروحة!

والحال أن حقيقة الوضع السياسي كانت أكثر خطورة مما سبق: وهو أن زمنا سياسيا ، بدأ مع الحركة الوطنية، واستمر باحزابها،
زمن الكتلة الوطنية
ثم اليسار الديموقراطي بكل تلويناته
والكتلة الديموقراطية
هذا الزمن يبدو أنه دخل في دورة أخيرة ..
فهل ستكون هذه الدورة بمساعدة »الاطباء»، بحيث تدوب الاحزاب الوطنية من أجل تشكيل جديد للحقل السياسي المغربي، على قاعدة قطبين متقابلين بينهما آخرين تابعين؟
سؤال هو الأوسع والأهم حقا، لكن تسبقه أسئلة ذاتية أخرى لا يمكن اغفالها
كمثل الذين يريدون، بحسن نية أحيانا، أن يعيدوا تعريف النصر والهزيمة!

وهناك مباديء عامة لا بد منها:
1-
تخلق الانتخابات، أية انتخابات، أفقا سابقا ، نقيس به، النتيجة من بعد !
وكلما ارتفع الأفق الموعود، كانت خلخلته قاسية أو حادة..
-2
يكون من الاساسي ان نقتنع بأن من الاسهل أن يضيع النصر…..
على أن يضيع المنهزم!
3-
لا تحتاج الهزيمة إلى تعريف، لهذا تكون محاولة ذلك نوعا من العبث الذي يدعو الى الخوف!

*الاثنين 10 اكتوبر 2016.