نعيش واقعا من العبث والتردي تنتهك فيه جميع الأعراف والمكارم من الأخلاق والمعاملات. واقع تطغى فيه جميع أنواع الجهالات والتناقضات. كلنا يتساءل عن الأسباب و  مسالك الخروج من قتامة التيهان والضياع. هناك من ينكب على مساءلة الذات لتفحص مكامن الداء وهناك من يوجه أصابع الاتهام إلى نظرية المؤامرة والتدخل الأجنبي وهناك من يستعير المقاربتين معا لمحاولة فهم خفايا الوضع القائم

غني عن البيان القول أن مقاربتنا لمختلف المواضيع والنقاط تفتقد لفكر نقدي يمحص ثنايا الموضوع للخروج بحكم موضوعي عقلاني اقرب للصواب والحكمة. فمختلف قراراتنا وأحكامنا تتميز بالسرعة والانفعال، إذ لا ترتكز على معالجة عميقة للموضوع عن طريق إخضاعه لسلطة العقل والمنطق

نعيش تحت سيطرة العاطفة، العصبية القبلية، النزعات النفسية الآنية (الأنانية، الاعتداد بالنفس، التعصب للرأي، الخ)، الموروث الثقافي المتقادم إن لم يكن الميت. فقراءتنا لتراثنا لا تواكب مستجدات عصرنا الذي ينبض تحت رحمة السرعة والمنافسة الشرسة بين القوى العظمى. نؤمن بالمطلق ولا نفقه دلالة النسبي، فنكرس لما هو معهود بوعي أو بدون وعي إلى درجة الجزم وفرض الوصاية. وضع يتميز بجمود العقل الذي تم تعطيله لصالح التبعية والجهل فسفه المجتهدون من الفلاسفة والمفكرون والمثقفون وأقفلت بذلك جميع منابع المعرفة والفكر

كما أن اهتمامنا يتمحور على كل ما هو سطحي وظاهري ويهمل الباطني من الأمور. فنسج العلاقات الاجتماعية ينطلق من مقاصد غير إنسانية غالبا ما تتعلق بالمصالح الضيقة. عملية التحصيل العلمي ترمي إلى الحصول على الشواهد دون الاكتراث بتكوين الكوادر القادرة على تنمية المجتمع. أما الممارسة السياسية فقد أضحت موردا للارتزاق والجاه في تقدير السواد الأعظم من الناس وتسيدت السلبية والانهزامية وعي العموم

في خضم هذه الجهالات نستقبل ما يرد علينا من معارف وأفكار وتيارات ونستهلكها دون تردد أو تدبر، فنمررها بدورنا للآخرين فيعم الضلال والتطرف في غياب أي نقد للعناصر الواردة علينا من كل حدب وصوب

الحاجة لفكر نقدي تنويري تبقى ملحة لاكتساب مناعة ذاتية تمكن من التدبر والتفكر في الأمور بكيفية عقلانية فعالة،  مقاومة كل محاولة اختراق القناعات الذاتية والاتجاه بها نحو الانحراف، الإمساك بزمام الأمور والابتعاد عن المجهول، فهم ما يجري من حولنا من أحداث والاقتراب من الحقيقة، تهذيب الذات وكبح غرائزها، الابتعاد عن وهم احتكار الحقيقة وخلق حركية فكرية مبنية على الاختلاف وليس الخلاف، إحياء عملية الخلق والإبداع وبالتالي  الإثراء على جميع المستويات

انطلقت النهضة الأوربية بعد ممارسة سلطة العقل ورفع القيود عن الإبداع الثقافي من خلال عملية الإصلاح الديني التي ألغت سلطة وأساطير رجال الكنيسة على عقول العامة وعملية تدوين التاريخ بقراءة جديدة أكثر عقلانية و إفادة لمستقبل الشعوب، فظهرت الثورة الثقافية التي أطلقت بدورها العنان لسلسلة من الثورات همت خصوصا الاقتصاد والتكنولوجيا

تحرير البلد من كل ما يطوقه يبدأ بتحرير الذات من كل ما يقيد انطلاق ملكاتها نحو الأفق عن طريق اكتساب وممارسة فكر نقدي سليم ورصين.

الاثنين 17 اكتوبر 2016.
عن موقع الاستاذ عزيز اشيبان