خطا المغرب خطوة كبرى في أحد أعماق القارة الافريقية، من خلال الزيارة الملكية، التي انطلقت بدايةَ الأسبوع، حيث شكلت العاصمة الرواندية كيغالي، التي حل بها جلالة الملك المحطة الأولى، تليها كل من دار السلام (تانزانيا) وأديس ابابا( اثيوبيا ) . إنها سابقة في تاريخ الزيارات الملكية منذ استقلال بلادنا منتصفَ خمسينيات القرن الماضي، إذ لم يحظ شرق القارة السمراء، الذي يضم حوالي عشر دول، بأي زيارة ملكية تنسج علاقات بين الرباط وهذا العمق الافريقي الانجلوساكسوني .

دأبت الدبلوماسية المغربية والزيارات الرسمية طيلة ستة عقود، على إيلاء أهمية لعواصم غرب ووسط إفريقيا لأسباب متعددة. وتم بناء علاقات تقليدية، تستند إلى أبعاد تاريخية ودينية واجتماعية واقتصادية مع هذا العمق الممتد بجنوب الصحراء الكبرى. وقد خلف ذلك توازنات استراتيجية إيجابية أحيانا، وأحيانا اعترتها اختلالات لطبيعة التحولات التي شهدتها الأنظمة الحاكمة من جهة، ومن جهة ثانية، لعدم نجاعة الدبلوماسية المغربية في الحفاظ على علاقات جيدة، تشكل دعما للقضية الوطنية الأولى، قضية الصحراء.

يولي المغرب اليوم- وتؤكد الزيارة الملكية الحالية ذلك- أهمية قصوى لإعطاء نفَس جديد لدبلوماسيته،كي تتواجد بربوع كل القارة السمراء . وقد اختار جلالة الملك، عشية الزيارة هذا المنحى . إذ استقبل جلالته السفراء الجدد، في حركة تعيينات هي الأولى من نوعها حجما ونوعا وشمولا جغرافيا .ويأتي كل ذلك، في سياق جديد، يتمثل في استعداد المغرب، للعودة للتجمع القاري الاتحاد الافريقي وريث منظمة الوحدة الافريقية، التي انسحبت منها الرباط في سنة 1984 بسبب إقحامها لدولة وهمية ضمن أعضائها، مما يعد مسا بالوحدة الترابية لبلد مؤسس للمنظمة، وانتهاكا لميثاق هذه الأخيرة.

جولة جلالة الملك إذن لشرق إفريقيا ،الذي انساقت جل بلدانه لأطروحة الجزائر طيلة ثلاثين سنة ، هي جولة حاسمة لبسط حقائق التاريخ، وتطورات الملف، وتصورات الرباط المتمثلة –أساسا- في مقترح الحكم الذاتي، الذي يشكل إطارا حقيقيا، لحل النزاع المفتعل من طرف جارتنا الشرقية، التي ابتزت عواصم افريقية، واستغلت أوضاعها الاقتصادية، كي تدفعها للاصطفاف إلى جانب أطروحتها وصنيعتها الدولة الوهمية.

وليس هناك البعد السياسي فقط للزيارة الملكية ، فثمة بعد اقتصادي، متمثل في خلق وشائج بين بنيات المقاولات والمؤسسات، من خلال اتفاقيات ثنائية، تفتح إمكانيات جديدة، وفرصا متعددة لمنتوجات وإمكانيات وخبرات.. يقع الأول في أقصى شمال إفريقيا، والثاني يحتضنه شرقها . وتجدر الإشارة إلى أن بلادنا، شرعت في العقد الأخير على ترسيخ علاقاتها الافريقية، من خلال مقاربة جديدة، تتأسس على دعم التنمية الأمن والسلم.

إن افريقيا، شكلت –تاريخيا- العمق الاستراتيجي للمغرب، وجعلت بلادنا من مساندة شعوبها ضد الاستعمار والعنصرية إحدى أولوياتها. ولعبت أدوارا في حل نزاعات عرفتها دول عدة. وكانت في طليعة العواصم، التي بادرت إلى تقديم المساعدات الانسانية لمناطق، عرفت مواجهات مسلحة أو شهدت كوارث طبيعية. لذلك، فالعودة إلى إفريقيا دولا واتحادا، هي الخيار الاستراتيجي، والزيارة الملكية أصدق تعبير عن هذا التوجه ذي الدلالات العميقة.

رسالة الاتحاد

السبت 22 اكتوبر2016.