يساريو الحكومة : 12مقاعد،
يساريو المعارضة البرلمانية :20 مقعد،
يساريو اليسار : 2 مقاعد،
اليسار الثوري؟
مجموع مقاعد اليسار في كل اطيافه لا يتعدى34 مقعدا، وهو عدد لم يتعدى الا قليلا ما حصلت عليه اللائحة الوطنية لكل من حزبي العدالة والتنمية والاصالة والمعاصرة.

بعيدا عن رهان التشكيلة الحكومية والتحالفات الممكنة اتساءل: ما هي اسباب اندحار اليسار؟وهل بقي من امل لنهوض جديد في المستقبل المنظور؟
بخصوص السؤال الاول يمكن ان نسرد عشرات الاسباب، منها ما هو مرتبط بالمحيط الجيو سياسي، ومنها ما يهم صعود الاسلام السياسي وهيمنة قيم المحافظة على الحياة الاجتماعبة والثقافية لعامة الناس، غير ان هناك في نظري اسباب ذاتية تتعلق باحزاب اليسار نفسها على مستوى الخطاب وآليات التواصل، ونمط القيادة وطنيا ومحليا، واساليب الاشتغال والتفاعل مع الساكنة وقضاياها، والتلاحم الداخلي، وتثمين الكفاءات. هذه العناصر كلها تسهم في رسم صورة ايجابية ام سلبية عن حزب من الاحزاب لدى عامة الناس وخارج دائرة الانصار والموالين،وتحدد راسماله الرمزي ومكانته لدى الشعب الذي تعود له الكلمة الاولى والاخيرة في اختيار ممثليه وحكومته في اطار النظام الديمقراطي.

اولا: الخطاب وآليات التواصل
على مستوى الخطاب يمكن التمييز بين خطابين ضمن الاسرة اليسارية:

* خطاب تقليدي يمتح من القاموس الماركسي للقرن العشرين،يعيد انتاج مغاهيم الصراع الطبقي والبروليتاريا والسلطة الشعبية والحتمية التاريخبة دون بذل مجهود كاف للاحاطة بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لمغرب اليوم وتحولاته من خلال التحليل الملموس للواقع الملموس. مثل هذا الخطاب النظري والمجرد لا صدى له لدى عموم المواطنين في مجتمع نعلم جيدا خلفيته الاقتصادية/الاجتماعية ومؤهلاته الثقافية، ولا تتجاوز دائرة بثه نخبة معزولة من بقايا يسار السبعينات وبعض تلامذتهم غير النجباء في الجامعات.

* خطاب سوسيو-دبمقراطي غير مكتمل الاركان وغير واضح المعالم. انه خطاب يتمحور على مفهومي الديمقراطية والحداثة، على اعتبار ان الديمقراطية غاية ووسيلة ومسارا طويلا من الاصلاحات، وان الحداثة منظومة من القيم من قبيل العقلانية والحرية في كل ابعادها واحترام حقوق الانسان في معناها الكوني. يقدم هذا الخطاب من قبل اصحابه على انه نقيض للتقليد والمحافظة والسلفية، ويأول من قبل القوى المحافظة على انه الحاد ومسخ للهوية واستيلاب حضاري. يكفي ان نستحضر بهذا الخصوص كيف اول اقطاب الحركة الدعوية خطة ادماج المرأة في التنمية ومدونة الاسرة، وكيف هاجمت الاوساط الدينية المتزمتة الدعوة للاجتهاد في قضيتي الاجهاض والارث، ونجحت في تاليب العامة ضد الحداثيين.

الخطابان معا لا يصلان الا لفئات محدودة من المتعلمين، ليس فقط بسبب نوعية الخطاب وتعارضه مع الثقافة السائدة، وانما ايضا بسبب لغة التواصل المستعصية على الفهم من قبل الجمهور الواسع، ناهيك عن غياب شبكة تواصلية فعالة ودائمة والطابع الموسمي لانشطة الاحزاب اليسارية، التي لا تخرج الا لماما عن مقرات اضحت مهجورة، وسكنت سقوف بعضها اسراب الحمام. لادراك اهمية التواصل الدائم والمنتظم والهادف في تكريس حضور حزب ما في مخيلة الناس ووجدانهم، يكفي ان نتذكر بنوع من الحنين البرامج التثقيفية والتكوينية داخل المقرات والحضور القوي للمناضلين والمناضلات في النقابات والجمعيات،والاتصال المباشر والعمل الميداني للمستشارين الجماعيين واستجاباتهم لطلبات الساكنة وحاجاتها بكثير من التفاني والتواضع، فضلا عن فعالية الاعلام الحزبي وجاذبيته الناجمة عن جديته وجودة مواده. ومما لا شك فيه ان انخراط كثير من المثقفين العضويين في التاطير المعرفي للعمل السياسي اسهم بقسط وافر في التاسيس لهيمنة ثقافية وفكرية يسرت على اليسار استقطاب قطاعات واسعة من المتعلمين والمثقفين والمبدعين.

مع الاسف ما ان اسندت لقيادة حزبنا مهمة التدببر الحكومي بدانا في التخلي تدريجيا عن مهمة تاطير المواطنين و الانسحاب المستتر من المنظمات الجماهيرية او التعامل معها على ان العمل في اطارها شيء ثانوي،واشاح كثير من اطرنا بوجهه عن العمل الجمعوي والثقافي والنقابي مفضلا ارائك الوزارات والدواوين. ومن لم يقدر صار شغله الشاغل توجيه سهام نقد قاتل لرفاقه لعله ينال منهم فيزيحهم من مواقع يتشوق لمعانقتها. ولان قياداتنا المتوالية استطابت الكراسي، ولم تقو على تجاوز خلافاتها الشخصية، انكفا الحزب على نفسه ونسي الرسالة التي وجد من اجلها، فانقطعت جسور التواصل مع المناضلات والمناضلين ومع المواطنين… فكان ما كان وتواصلت النكسات، وتراجع الرصيد الشعبي للاتحاد واحزاب اليسار عامة.

ثانيا: نمط القيادة واوليات اتخاذ القرار

تدعي احزاب اليسار قاطبة انها احزاب ديمقراطية،لكن المتامل في الممارسة التنظيمية الفعلية لجل احزاب اليسار سيلاحظ ان ديمقراطية اليسار يمكن نعتها انها ديمقراطية محروسة وموجهة ومتحكم فيها. ولذلك اسباب تاريخية مرتبطة بظروف النشاة ومتطلبات العمل السري ومواجهة القمع، واسباب فكرية تكمن في اطروحة المركزية الديمقراطية وظاهرة الزعامة وشخصنة الحزب. اذا كان للديمقراطية المحروسة ما يبررها زمن القمع فان الانفراج السياسي وانتصار الاختيار الديمقراطي منذ نهاية التسعينات لم يحفز الاحزاب الديمقراطية على تطوير قواعد عملها التنظيم في اطار الحزب المؤسسة. ومن الملاحظ ان ما تحقق على هذا المستوى نظريا من خلال المقررات التنظبمية للاتحاد لم تجد طريقها الى التطبيق، بالنظر للثقافة التنظيمية المهيمنة ومقاومة التغيير من قبل “رموز الحزب”، والنزعة الحلقية ومنطق الولاء وغيرها من مظاهر التقليدانية السياسية. ان الحنين غير المجدي لكثير من الاتحاديين لعهد عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي،عهد الزعامة التاربخية والشرعية الوطنية،ليس الا وجه من التقليدانية الممجدة للسلف الصالح. وفي هذا الاطار يمكن قراءة وفهم الموقف السلبي لبعض زعماء الحزب لنتائج المؤتمر التاسع الذي كان اول تمرين حقيقي لتطبيق المنهجية الديمقراطية كاملة.

3- استراتيجية العمل واساليب الاشتغال

لان الاتحاد لم يجدد نخبه القيادية،خاصة على المستويين المحلي والجهوي،فانه عجز عن مواكبة التحولات السوسيو اقتصادية والثقافية والتواصلية المتسارعة، في زمن العولمة واقتصاد المعرفة والعالم الافتراضي. ولم يستوعب التغيرات التي طالت المجال السياسي والعقل الجمعي للمغاربة ومنظومة القيم. لذلك ظلت قياداته تشتغل بنفس الاساليب، وبنفس الحمولة الفكرية، وبنفس الخطاب والشعارات، وبنفس الوجوه؛ مما اغلق باب الاجتهاد في الفكر والعمل، وافشلت كل محاولات الانفتاح على الاطر والكغاءات التي لم نوفر لها بنية استقبال ملائمة.ومن المفارقات انه في الوقت الذي تم فيه الابقاء على صلابة البنية التنظيمية وفكرة الزعيم وشعار الثورة على الاعادي، حدث تفريط فظيع في قيم الانسان الاشتراكي وهي قيم التضحية والتضامن والتواضع والاخلاص ووحدة الصف. هكذا ضيعنا رصيدنا القيمي، وضعفت جذوة النضال فينا، وتعب الرواد او انسحبوا لاعتبارات شتى، دون تحضير بدائل، سواء على مستوى العنصر البشري، او على مستوى عدة العمل واساليبه.

4 – العلاقة بالمواطنين

وجب الاعتراف ان حضورنا الفاعل والرائد في الحياة النقابية والجمعوية عرف خفوتا واضحا منذ حكومة التناوب، وكاني بكثير من الاتحاديين قد سلموا “المفاتيح” طوعا للحكومة، فيما اعتبر بعضهم انه من التناقض خوض نضالات نقابية وازنة وقيادة حركات احتجاجية مشروعة ضد حكومة يقودها الاتحاد او يشارك فيها. وهكذا انسحبوا تباعا من الواجهات الجماهيرية وانشغلت اطر الحزب بالشان الحكومي وبالتموقعات الداخلية عن مهام التاطير والتعبئة. ومما لا ريب فيه ان الألة الاعلامية المسخرة قد نجحت في تقديم صورة سيئة عن الحزب وبعض وزرائه. وبما ان الطبيعة لا تقبل الفراغ كان من الحتمي ان يوازي الفتور الجماهيري للاتحاد صعود قوة سياسية جديدة تملك كل عناصر الامتداد والتوسع: مرجعية دينية اقرب الى ذهنية الانسان المغربي، خطاب بسيط ومباشر ذو مضمون اخلاقي، تنظيم محكم ونشيط، خطة اعلامية وتواصلية فعالة. وقد كان خسران الحزب لعدد من الجماعات المحلية في المدن الكبرى تباعا اثر بالغ على ارتباط الحزب بالساكنة،وبالتالي على قاعدته الانتخابية.

اما بخصوص السؤال الثاني حول امكانية نهوض جديد لليسار الديمقراطي،وجب القول ان ذلك ممكن ان تحققت شروط ذاتية ثلاثة:

*بلورة رؤية جديدة للعمل السياسي تتمثل معطيات المغرب الراهن وتحديات العصر في الالفية الثالثة،وتستحضر حاجات المغاربة الحقيقية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،وتؤطر مشروعا مجتمعيا كفيل بان يبوأ المغرب مرتبة محترمة في سلم التنمية والديمقراطية ويجعله بلدا منيعا على التبعية الاقتصادية والخطر الارهابي والتفتت الاجتماعي، وتؤسس لفضاء سياسي رحب يتسع لكل المغاربة على اختلاف توجهاتهم على قاعدة ثوابت اساسية: الملكية البرلمانية والدولة المدنية،التعددية السياسية وحقوق الانسان. يقتضي بناء هذه الرؤية بذل مجهود فكري وعلمي كبير للاحاطة الشاملة بالمجتمع وتحولاته وآفاقه لانتاج وثيقة توجيهية تؤطر عمل الحزب على المدى المتوسط على غرار التقرير الاديولوجي لسنة 1975 الذي شكل مرجع ممارساتنا السياسية لما يزيد عن عقدين من الزمن.

* وضع استراتيجية عمل تهم كل مجالات الحياة. ويجب ان تكون مدروسة وهادفة وقابلة للتطبيق والتطوير، وان تستوعب كل طاقات الحزب وتستجيب لانتظارات المواطنين في مختلف الاوساط الاجتماعية بالمدن والارياف، مما سيمنحها المصداقية لدى الناس ويمكن الحزب من استعادة مواقعه وادواره في مجتمع ليس بالكاد هو مجتمع نهاية القرن العشرين.

* الانفتاح الواعي على المجتمع من خلال فتح نقاش عمومي مع نشطاء المجتمع المدني والحركة النقابية والمثقفين والمبدعين وكل من استطعنا التواصل معهم. نقاش يهم كل قضايا البلد الاستراتيجية والفئوية،ننصت فيه لكل الفعاليات ونتاقسمهم افكارنا وناخذ بآرائهم وتصوراتهم على اعتبار انهم شركاؤنا في المشروع.

عن صفحة الكاتب

الاثنين 24 اكتوبر  2016.