لا‭ ‬يمكن‭ ‬لخطاب‭ ‬الملك،‭ ‬في‭ ‬افتتاح‭ ‬الدورة‭ ‬التشريعية‭ ‬الحالية،‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬في‭ ‬حيز‭ ‬الروتين‭ ‬السياسي،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬توجهه‭ ‬بالنقد‭ ‬إلى‭ ‬الآلة‭ ‬الأكثر‭ ‬قوة‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬وهي‭ ‬الإدارة‮…‬‭ ‬يجعل‭ ‬منه‭ ‬خطابا‭ ‬يتجاوز‭ ‬مناسبته‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬الإشكال‭ ‬في‭ ‬بيروقراطية‭ ‬المغرب‮.‬
الإدارة‭ ‬ليست‭ ‬موظفين‭ ‬جالسين‭ ‬بين‭ ‬كأسين‭ ‬يتداولان‭ ‬ثمن‭ ‬العدس،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬الدولة‭ ‬وقد‭ ‬صارت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الناس‮..‬‭ ‬وهي‭ ‬الدولة‭ ‬وقد‭ ‬دخلت‭ ‬تفاصيل‭ ‬المجتمع‭ ‬وتراكبت‭ ‬معه‮..‬بل‭ ‬لخصت‭ ‬الإدارة‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬عديدة‭ ‬كل‭ ‬أعطاب‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬المغرب‮..‬
كان‭ ‬لافتا‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬ولدت،‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬لقاح‭ ‬الإدارة‭ ‬والبيولوجيا‮!‬
كما‭ ‬كان‭ ‬الباشا‭ ‬يورث‭ ‬الباشوية،‭ ‬
والقائد‭ ‬يورث‭ ‬القيادة‭ ‬
‭ ‬ووووو
وكان‭ ‬تطور‭ ‬الدولة‭ ‬يقتضي‭ ‬خروجها‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬البيو‮-‬‭ ‬إدارية،‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬المخزن‮..‬
‮(‬‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتطور‭ ‬الإدارة‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬يتطور‭ ‬المخزن؟‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬نتاج‭ ‬لقاء‭ ‬البيولوجيا‭ ‬بالآلة‭ ‬الإدارية‭ ‬؟‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬قد‭ ‬يحيل‭ ‬إلى‭ ‬نسبة‭ ‬الإدارة‭ ‬في‭ ‬المخزن‭ ‬ونسبة‭ ‬المخزن‭ ‬في‭ ‬الإدارة‮)…‬
لهذا‭ ‬تأخذ‭ ‬دعوة‭ ‬الخطاب‭ ‬هدفا‭ ‬أكبر‭ ‬وحجما‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬نتصور‭ ‬عندما‭ ‬يقول‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬‮:«‬أعتز‭ ‬بالتعامل‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬أبناء‭ ‬شعبي،‭ ‬وبقضاء‭ ‬حاجاتهم‭ ‬البسيطة،‭ ‬وسأظل‭ ‬دائما‭ ‬أقوم‭ ‬بذلك‭ ‬في‭ ‬خدمتهم‭ ‬‮.‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬سيطلب‭ ‬مني‭ ‬المواطنون‭ ‬التدخل‭ ‬لو‭ ‬قامت‭ ‬الإدارة‭ ‬بواجبها‭ ‬؟
الأكيد‭ ‬أنهم‭ ‬يلجؤون‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬بسبب‭ ‬انغلاق‭ ‬الأبواب‭ ‬أمامهم‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬لتقصير‭ ‬الإدارة‭ ‬في‭ ‬خدمتهم‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬للتشكي‭ ‬من‭ ‬ظلم‭ ‬أصابهم‮».‬
،معنى‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬الملك‭ ‬لا‭ ‬يدير‭ ‬الإدارة‭ ‬،
ولا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يعوضها‮..‬
كان‭ ‬لافتا‭ ‬للغاية‭ ‬أن‭ ‬الملك‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يحرر‭ ‬وضعه‭ ‬الاعتباري‭ ‬من‭ ‬مهمة‭ ‬موكولة‭ ‬للإدارة،‭ ‬تدفع‭ ‬المغاربة‭ ‬لأن‭ ‬يلجأوا‭ ‬إليه‭ ‬لكي‭ ‬ينصفهم‭ ‬أو‭ ‬يعجل‭ ‬بإنصافهم‮..‬
ليس‭ ‬الملك‭ ‬سلطان‭ ‬الزمن‭ ‬القديم‭ ‬الذي‭ ‬يفتح‭ ‬السرادق‭ ‬والطرق‭ ‬لكي‭ ‬يرفع‭ ‬الناس‭ ‬مظلماتهم،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬تميزه‭ ‬الإنساني‭ ‬ومن‭ ‬عمق‭ ‬‮«‬بروفايل‮»‬‭ ‬الملك‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬الشعب‮..‬
الإدارة‭ ‬معضلة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬الملك،‭ ‬
حتى‭ ‬الملك‭ ‬‮..‬
بتعويضها‭ ‬إذا‭ ‬توقفت‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬المطلوب‮..‬
إحدى‭ ‬نقط‭ ‬الضعف‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬الخمسينية‭ ‬الجريء،‭ ‬هو‭ ‬إعفاء‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬الإدارة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تصنع‭ ‬السياسة‮!‬
‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إحدى‭ ‬نقط‭ ‬المغرب‭ ‬الحديث،‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬الشرعيات،‭ ‬هي‭ ‬الإدارة‭ ‬التي‭ ‬نصنع‭ ‬بها‭ ‬الشرعية‮:‬‭ ‬حسب‭ ‬الأولوية‭ ‬التي‭ ‬نعطيها‭ ‬للوطن‭ ‬أو‭ ‬للإدارة‮!‬
الإدارة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬المواطن‭ ‬لكنها‭ ‬‮»‬تخدم‭ ‬‮«‬‭ ‬بلغة‭ ‬بوستة،‭ ‬أطال‭ ‬الله‭ ‬عمره،‭ ‬النتائج‭ ‬وتعيد‭ ‬قراءة‭ ‬التوجهات‭ ‬داخل‭ ‬الرأي‭ ‬العام‮…‬
‭ ‬الإدارة‭ ‬التي‭ ‬تخلق‭ ‬الثروة‭ ‬وتخلق‭ ‬الطبقات‭ ‬حتى‮..‬
هذه‭ ‬الإدارة‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬أيضا‭ ‬‮»‬هوية‮«‬‭ ‬الدولة،‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الشرعيات‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬التوازنات‭ ‬السياسية،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أخرت‭ ‬الإصلاح
‭ ‬ولهذا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬إصلاحها‮..‬لكي‭ ‬يستقيم‭ ‬إصلاح‭ ‬أدوات‭ ‬الإصلاح‮!‬
فالإدارة‭ ‬هي‭ ‬تعريف‭ ‬من‭ ‬تعريف‭ ‬الدولة‭ ‬‮(‬‭ ‬الدولة‭ ‬تراب‭ ‬زائد‭ ‬إدارة‭ ‬‮)..‬‭ ‬لهذا‭ ‬ظل‭ ‬السؤال‭ ‬المهم‭ ‬في‭ ‬التعريف‭ ‬السوسيولوجي‭ ‬له‭ ‬راهنيته‭ ‬عندما‭ ‬يعبر‭ ‬بالقول‭ ‬‮:‬‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬هل‭ ‬الدولة‮-‬‭ ‬الإدارة‭ ‬تصنع‭ ‬الوطن‭ ‬أم‭ ‬الوطن‭ ‬يصنع‭ ‬الإدارة؟‮..‬
وهو‭ ‬نقاش‭ ‬يعتبر‭ ‬بورديو‭ ‬أنه‭ ‬جد‭ ‬مهم‭ ‬سياسيا‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬بدون‭ ‬دلالة‭ ‬علميا‮!‬
‭ ‬ختاما‭:‬
لقد‭ ‬كان‭ ‬لويس‭ ‬11‭ ‬يردد‭  “: ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الإدارة‭ ‬كل‭ ‬الإصلاحات‭ ‬فظيعة‮” !‬‭ ‬وهي‭ ‬حكمة‭ ‬قد‭ ‬تكشف‭ ‬حجم‭ ‬المقاومة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬إصلاح‭.

عمود كسر الخاطر

 الثلاثاء 25 أكتوبر 2016.