تطلع علينا الأخبار من بعض الولايات ومؤسسات الدولة، في الأيام الأخيرة، حول اِتخاذ بعض التدابير والإجراءات لتحسين خدمات الإدارة، وحث الموظفين على تغيير سلوكهم تجاه المواطنين. وهذه بدايات إيجابية لتنفيذ التوجيهات التي جاءت في الخطاب الملكي، عند افتتاح الدور التشريعية.
وإذا كان هذا التجاوب السريع، مهما في حد ذاته، فإنه لا ينبغي أن يكرر ما تعودنا عليه، من طرف المسؤولين، حيث يهرولون بعد كل خطاب ملكي، إلى اِتخاذ إجراءات، اِستجابة للتوجيهات، لكن مع مرور الوقت، تعود الأمور إلى ما كانت عليه في السابق، لأن معالجة المعضلات البنيوية، لا يمكن أن تتم بتدابير ظرفية، فقط.

لقد ورثت الإدارة ميراثا مزدوجا:

الأول، جاء من التقاليد المخزنية، التي كانت تجعل من الموظفين، على مختلف مستوياتهم، خداما للدولة، يستمدون نفوذهم من الولاء المطلق للسلطة، التي تعينهم في مناصب المسؤولية، ليقوموا أساسا بدور الحفاظ على هيمنتها وتسلطها، إلى درجة أن جزءا من مداخيل الموظفين، يؤخذ مباشرة من السكان، بمختلف الوسائل، وتحت العديد من التسميات.

الثاني، جاء من الإدارة الاستعمارية، التي تعاملت مع المغاربة، ك»أهالي» وليس كمواطنين، ويعرف الجميع التسمية التي كانت تطلق على مكاتب السلطات الاستعمارية «bureau arabe  « ، وهي رديف للقهر والعنصرية.

ويمكن القول إن وجود نمطين من الإدارة التقليدية والعصرية، مازال قائما إلى اليوم، غير أننا نجد أنهما لا يختلفان في الكثير من الأحيان، في علاقتهما بالمواطن، حيث يوحي النمط الأول بمنطق «البنيقة»، والثاني يستعير من الإدارة الاستعمارية ترفعه، حتى في اللغة المستعملة.

فبالرغم من كل التحولات التي حصلت في الدولة المغربية، والإصلاحات التي تمت، فإن هذه الخلفية، في الفلسفة الإدارية بالمغرب، لم تتغير، حيث ما زال المواطن البسيط، يدخل للإدارة متهيبا من ردود فعل أي موظف تجاهه، ناهيك عن التأخر في معالجة الملفات والقضايا، وبعد المسافات، وتمركز المصالح…
لذلك، فإن الخطاب الملكي، حول موضوع الإدارة، بما حمله من منظور شامل للإصلاح والتحديث، يستدعي معالجة جذرية، لمعضلة بنيوية، تتمثل أساسا في نوعية العلاقة التي تربط المواطن بأجهزة الدولة، والتي ينبغي أن تتحول من فلسفة تعالي هذه الأجهزة، تجاه الشعب، إلى جدلية الحقوق والواجبات، أي إلى التعاقد الاجتماعي، الذي تسود فيه مبادئ المساواة والعدالة والكرامة، في علاقة المواطن بالإدارة. فالقضية سياسية، بالدرجة الأولى وليست إجرائية.

بالفصيح

الاربعاء 26 اكتوبر 2016.