1965. هذا الرقم لا يدل على سنة بعينها و إنما على قطعة من الأبدية طفت فوق كل السنين و الأعوام التي عرفنا . ولدنا بعدها بسنين ، لكننا صادفناها كما لو كانت في انتظارنا على مشارف فجر واضح كما الشمس .و حملتنا معها و خلفتنا وراءها كمجرد تفصيل غير مهم في حكايتها الكبرى، و انطلقت بعيدا تستقبل أجيال متعاقبة من الأحلام المشرقة. لا شيء يستطيع تبديدها.

لم يدر بخلد الذين دبروا مكيدة الاختفاء ، أنهم يفتحون الباب واسعا ليكون هذا الرجل سيد الزمن ، حيث يصير بإمكاننا أن ننظر في وجوه بعضنا ، و نطمئن أن هناك سماء تظللنا من مقت المتكسبين ، أدعياء التفاهة ، رعاة معبد الانتهازية المريضة العباقرة جدا في تبرير كل شيء .. المهدي بن بركة سماء بشساعة الحب و نبوغ الأمل في عيون الأبرياء. هكذا التقطناه في صدفة التاريخ التي قادتنا إلى ملاقاته موعدا للتفاؤل .

نشرب القهوة التي نحب، و نتبادل أطراف الحديث حول الكتب و النساء، و نتدرب على خساراتنا التي تصير يوما بعد يوم أفظع و أثقل، و نحتفظ مع ذلك بطعم الحرية القادم من حيث لا ننتظر، لأن واحدا كالمهدي لم يترك أحلامنا مشردة ، نعثر عليه في كل ما هو عظيم ، و نردد المجد للروح المضيئة .

المهدي ، هو كل هذا و أكثر .. عرفناه من حكايات من سبقونا.. من الهيبة التي يتدثرون بها عندما يقتربون من مقام ذكره . قرأنا ذلك هنا و هناك ، في الكتب و على صفحات الجريدة و في أعين الناس، حتى كدنا نتصوره واحدا من تلك المخلوقات النادرة التي تزور الأرض. كان فعلا واحدا منها، حتى و نحن في بداية مراهقتنا وسط الثمانينات، كنا نراه هكذا أملا في تصويب ما ينبغي تصويبه من أعطاب التاريخ الذي كنا نحس أنه مشتل كبير لأخطاء اقترفت بأيادي غادرة . كنا نراه في وجه الحرية المفقودة ، و في وصايا الطيبين الواثقين بوعود الزمن. كان اسمه يكفي لنقول إن الآتي سيكون هو الأحسن و أن النصر الأخير سيكون للموسيقى.

المهدي، أيضا هو هذا الاسم الذي يأتي مجتمعا بكوكبة ممن تشربنا منهم معنى آخر للكلمة، للدم و للحياة،معنى بديل لأسرار السمو، للضوء و الماء و التراب. جعلني أفهم أن ماء الروح هو التمرد ، في وجه أولئك الذين حولوا معجزة الحياة إلى طقوس للموت، أولئك الذين يجرحهم أن تبتسم زهرة و أن يستحم النسيم بالعطر. معه فهمنا أنه لا لباس لليل عدا النجوم المتلألئة النائمة على صدره.

من كان المهدي بالنسبة إلينا؟ كيف عثر علينا في ثنايا الكلمات، و منحنا كل هذه الحياة، و فاجأنا بالأمل ؟ لخصْنا فيه الإنسان الصقيل ، الذي يكشف القناع عن شباب الروح الأزلي، و يضيء كل ما يلمس ، يمدنا بالدفء اللازم لكي نواصل. إنه هكذا.. صورته الأبدية التي استوت على عرش الزمن، و لم تزد محاولات التشويش سوى في تعزيز خلودها في مواجهة رموز الانتهازية المريضة الذين يجيدون القفز بين الحبلين ، من النقيض إلى النقيض .

بدمه أنقذنا من الشبهة البليدة التي يرمي بها أنصار البذاءة نقاء أحلامنا ، شبهة أن الجشع هو قانون كل شيء ، و أن التجارة هي الأصل ، و أن في البدء لم تكن سوى المضاربة … المهدي اسم يكفي لتفنيد بطولات أدعياء المرض، النخاسون و الكذابون و سماسرة الهوس المزري بتحويل التاريخ إلى سوق تضبطه عملة زائفة . إنه محنة جلاديه و من ورثوا أحقادهم.

المهدي، مرة أخرى .. هو هكذا ، الكلمة التي تكفي كل الكلام مهما طال. الكلمة التي تقصر كلُ حياة أمامها. عنوان لكتاب عظيم، هو الحياة العظيمة التي عاشها و خلفها وراءه، تلك الحياة التي ترفض إلى اليوم أن تتحول إلى جثة ، و ستظل كذلك و إلى الأبد ، لن تتلق الزمن كهزيمة و إنما كانتصار منه تواصل عنفوانها المسيطر على القلوب.

متى كانت النهاية؟ إنه بداية بلا نهاية . هكذا هو ، لأنه الروح السعيدة المليئة بالفرح التي تقول «اعلم أن النار التي تبحث عنها ، هي النار التي في مصباحك ، و أن أرزك نضج منذ البداية «

منذ أن عرفنا المهدي ، أضحى الحب يكفينا طعاما لجوع الحياة ، عرفنا معه « أن لا شيء سيمنعنا من الاحتضار من مرض الموت ، إلا إذا أدركنا الفرح ..إلا إذا وضعناه في فمنا كطعام أبدي، كما الفاكهة التي نقضم بأسناننا .» معه مازال بإمكاننا أن نحلم ، و أن نقهر اليأس بالأمل ، و أن نوفر للعين ما يكفي من الضوء لترى أبعد .. المهدي صباحنا الأجمل .

عن جريدة الاتحاد

الجمعة 28اكتوبر 2016.