نشر  بجريدة الاتحاد الاشتراكي  يوم 26 مارس 2011.

في إطار المساهمة بالتذكير التاريخي لمواقف الاتحاد الاشتراكي بشأن الاصلاحات الدستورية منذ تأسيسه في سنة 1959 الى تحضير المراجعة الدستورية في سنة 1992.
نقدم هذه الدراسة للنشر بجريدة »الاتحاد الاشتراكي« ,ضمن الملفات التي تقدمها الجريدة, على هامش القانون العام حول الاصلاحات الدستورية المطروح  في سنة 2011.


تقديم عام

لقد سجل المؤتمر الوطني الاستثنائي المنعقد بالدار البيضاء   في يناير 1975 ان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية هو استمرار لحركة التحرير الشعبية ببلادنا، مؤكدا بذلك ارتباطه بفصائل الحركة الوطنية، تلك المكتسبات الناتجة عن تاريخ الحركة الوطنية في مختلف مراحلها المشرقة في مسيرة محطات محاربة التغلغل الاجنبي قبل فرض الحماية الفرنسية والاسبانية على مختلف اجزاء المغرب جنوبا وشمالا، وفي محطات العمل على تحقيق الاستقلال والحرص على بناء أسس الدولة العصرية بعد الاستقلال، وتمكينها من مؤسسات ديمقراطية.

ويعتبر الهاجس الديمقراطي في صلب الاختيارات الدائمة والثابتة للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لدى هيئاته المسيرة ولدى قادته بعد ميلاد الاتحاد او قبل ميلاده. عندما كان داخل احد فصائل الحركة الوطنية قبل الاستقلال وبعده.

ولقد جاء المؤتمر الوطني الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي في يناير 1975 كمحطة متميزة في تاريخه. مؤكدا على تطوره السياسي ونضجه الايديولوجي بعد تجارب طويلة ونضالات مستميتة اكدت تجذره وارتباطه الفعلي بالقوات الشعبيةواخلاصه وتفانيه من اجل اهداف الحركة الوطنية بالمغرب ووفائه لشهدائها.
وجاء المؤتمر الاستثنائي في يناير 1975 ليضع الجدلية الاتحادية الثلاثية التي تربط في نفس الوقت بين التحرير والديمقراطية والاشتراكية وليستخلص العبر والدروس من تجارب الماضي. و يضع استراتيجية واضحة من أجل النضال الديمقراطي وتعميقه لدى المواطنين، والعمل على استكمال تحرير بلادنا من سبتة   ومليلية الى الكويرة، وتحضير التغيير الاشتراكي وفق خصوصياتنا ومميزاتنا الوطنية الاصيلة الاسلامية العربية الامازيغية.

وبذلك كانت لبنات المؤتمر الوطني الاستثنائي في يناير 1975 لبنات جديدة تضاف الى جذور الاتحاد قبل انطلاقته في 25 يناير 1959 وقبل تأسيسه الرسمي في 9 شتنبر من نفس السنة.

وتعززت تلك الأسس بلبنات أخرى تجسدها مختلف مواقف الاتحاد ونضالاته من خلال مؤتمراته المتتالية في ماي 1962 [المؤتمر الثاني] أو في مختلف المعارك والنضالات التي خاضتها بين المؤتمر الوطني الثاني والمؤتمر الوطني الاستثنائي [ مابين ماي 1962 ويناير 1975] او بين مؤتمراته الوطنية: الثالث في [دجنبر 1978] والرابع [يوليوز 1984] واخيرا الخامس [مارس – ابريل 1989]

ولقد عملت كل تلك المحطات التاريخية على تأكيد وتسجيل وتطوير اختيارات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وتدعيم ثوابته وتعزيزها, باعتباره جزءا لا يتجزأ من الحركة الوطنية المناضلة ببلادنا لصالح الوطن والجماهير الشعبية التواقة الى ممارسة حقوقها كاملة.

وهذا الاختيار الثابت هو الذي و جه مؤسسي الاتحاد قبل سنة 1959 في خضم نضالاتهم داخل الحركة الوطنية الاصيلة قبل الاستقلال وفي السنوات الاولى لهذا الاستقلال. اذ نجد البعض منهم من موقعي وثيقة الاستقلال التاريخية في 11 يناير 1944 .واذ كان المرحوم السي عبد الرحيم بوعبيد اصغر موقعي هذه الوثيقة التاريخية, اذ كان عمره لا يتجاوز الثانية والعشرين آنذاك كما نجد من بينهم المرحوم الشهيد المهدي بن بركة.

وظهرت معالم الاختيار الديمقراطي في افكار ومطالب ومواقف مؤسسي الاتحاد منذ السنوات الأولى للاستقلال. عند تحضير بناء الاستقلال السياسي وارساء دعائمه الاولى عن طريق المشاركة المباشرة في تسيير الامور العامة داخل الحكومة حتى 20 ماي 1960.

ومنذ هذا التاريخ, سيتمر الاختيار الديمقراطي للاتحاد احد توجهات الحزب كمعارضة مناضلة بناءة وهادفة وفعالة، من أجل استكمال التحرير وارساء الديمقراطية الحقة ببلادنا في أفق بناء المجتمع الاشتراكي.

ويندرج داخل الاختبار الديمقراطي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حرصه الثابت والمستمر على ضرورة توفر المغرب على دستورد يمقراطي, ينظم نظام الحكم بالبلاد, و ينقلها الى نظام عصري متطور متفتح على مقتضيات ومستلزمات العصر الحديث ومتجذر في الارتباط بمقوماتنا الحضارية والدينية والوطنية والقومية.

وفي نفس الوقت لا يخفى عن الاتحاد أن الدستور إن كان ضروريا فهو وسيلة وأداة لابد منها من أجل توضيح قواعد تسيير الحكم بالبلاد. ولكن مع ذلك تبقى الممارسة والتطبيق اهم العوامل في انجاح الاختيار والمسار الديمقراطي.

ومن خلال تتبع التطور التاريخي للاتحاد نجد المسألة الدستورية ضمن اهتماماته الاساسية بجانب باقي الاهتمامات الاخرى في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وتعتمد مطالب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بضرورة توفير المغرب على دستور ينظم الحكم في المغرب ويحدد السلطات على جذور تاريخية تظهر في مختلف الحركات الدستورية وفي وضع مشاريع للدستور المغربي مع مطلع القرن العشرين قبل الحماية, من خلال المذكرات المقدمة الى السلطان مولاي عبد العزيز بعد مؤتمر الجزيرة الخضراء المنعقد في ابريل سنة 1906 او من خلال مشروع الدستور المقدم الى السلطان مولاي عبد الحفيظ، والمؤرخ في 15 رمضان 1326 الموافق 11 أكتوبر 1908 أو المشروع الذي اظهره المرحوم علال الفاسي في الحفريات الدستورية.

كما أن مطالب الاتحاد الخاصة بالاصلاحات السياسية وضرورة اقرار مؤسسات ديمقراطية بالمغرب تجذ جذورها ايضا في مختلف مطالب الحركة الوطنية, قبل الاستقلال في مطالب واهداف ثورة عبد الكريم الخطابي في بداية العشرينات، او في «خطاب الشعب المغربي» المقدمة من قبل كتلة العمل الوطني سنة 1934 اوفي الميثاق المقدم من لدن «الحزب الوطني» في 22 يوليوز 1937 او في وثيقة الاستقلال ليوم 11 يناير 1944 واخيرا في مختلف المطالب التي تقدمت بها الحركة الوطنية عند احترام الصراع مع الحماية, خاصة بعد نفي المرحوم محمد الخامس سنة 1953.

وفي السنوات الاولى للاستقلال كان قادة ومؤسسو الاتحاد حريصين في مختلف المناسبات على التأكيد على بناء حكم ديمقراطي في نطاق ملكية دستورية تتجاوب مع مطامح الشعب. وذلك من خلال وجودهم داخل الحزب الوطني وحزب الاستقلال او من خلال تقلدهم لمسؤوليات رسمية داخل الحكومات الاولى للاستقلال من اول حكومة في 7 دجنبر 1955 في اقالة حكومة الاستاذ مولاي عبد الله ابراهيم في 20 ماي 1960 او داخل المجلس الوطني الاستشاري الذي كان يترأسه احد مؤسسي وقادة الاتحاد الشهيد المهدي بن بركة.

ومنذ تأسيس الاتحاد في سنة 1959 الى اليوم في سنة 1992 كان الهاجس الديمقراطي ولا يزال احد الموجهات الاساسية لبرامج ولاختيارات الاتحاد الاشتراكي.

واحتل المطلب الدستوري مكانة متميزة داخل الاختيار الديمقراطي للاتحاد واتسم هذا الهاجس بالنضال المستمر من أجل اقرار دستور يحرص على ارساء دعائم نظام ديمقراطي ويعزز ملكية دستورية برلمانية عصرية وديمقراطية تجعل حدا لمختلف مظاهر الماضي السلبية لاسلوب قبل الاستقلال.
هكذا, فباستعراضنا لتطور مواقف الاتحاد حول المسألة الدستورية ,نجدها ملخصة في واجهتين نعرضهما في قسمين كالتالي:

– الثابت والمتطور في وضع ومراجعة الدستور
– مقاصد واهداف وجود وتطبيق الدستور

القسم الاول: الثابت والمتطور في وضع ومراجعة الدستور

يرتبط النضال من اجل وضع دستور للمغرب. بالعمل على تطبيق مضمون الميثاق الوطني الذي يربط العرش بالشعب منذ نضال الحركة الوطنية في عهد الحماية وخاصة من خلال تحضير وثيقة الاستقلال لبيان 11 يناير 1944 ومن مختلف العهود والالتزامات التي عبر عنها المرحوم محمد الخامس قبل وبعد رجوعه من المنفى من اجل اقرار »»الحكم الديمغرافي«« و»تأسيس حكومة عصرية مسؤولة تعبر تعبيرا حقيقيا عن إرادة الشعب، وتأكيد »»عزمنا وإرادتنا في أن نكون حكومة ملكية دستورية لدولة عصرية ديمقراطية ومستقلة««، »وإننا ننوي بناء صرح البلاد وتنظيمها على أساس ملكية دستورية« والتأكيد على أن المجلس الوطني الاستشاري ليس إلا »خطوة أولى نحو الهدف المنشود، إن الهدف الذي لم ندخر جهدا في العمل على إبلاغ شعبنا إليه فهو حياة نيابية بالمعنى الصحيح. تمكن الشعب من تدبير الشؤون العامة في دائرة ملكية، دستورية تضمن المساواة والحرية والعدل للأمة أفرادا وجماعات، ويتم بذلك خلق ديمغرافية مغربية بناءة«« كما تم تأكيد نفس الوعد في العهد الملكي بتاريخ 8 ماي 1958.

وبذلك كان مطلب وضع دستور للبلاد من احد المطالب الأساسية لدى قادة الاتحاد وهيئاته المسيرة، وحرصا على أن يتم تحضير الدستور الأول بمشاركة فعلية ومباشرة للمواطنين في تحضير الدستور عن طريق انتخاب مجلس تأسيسي، جعل الاتحاد هذا المطلب من الشروط الأولية في وضع أول دستور للبلاد. وبعد دخول هذا الأخير حيز التطبيق وبعد التطورات السياسية قرر الاتحاد الموقف في هذا المطلب منذ سنة 1968 ليعطي للمجلس المطالب به مهتمتين مزدوجتين, مهمة تأسيسية» »لتغيير دستور 1962 تغيرا جذريا»» والقيام بدور البرلمان لمراقبة الحكومة والقيام بالتشريع في انتظار انتخاب المؤسسات المقررة في الدستور الجديد.

لكن هذا التطور الثابت في 1962 والمؤكد في سنة 1972 هي وضع دستور 10 مارس 1972، عرف تطورا استلزمته التطورات الواقعية للساحة السياسية خاصة بعد سنة 1974، لكن هذا التطور في الشكل لم يحسن المضمون وطبيعة وأهداف الدستور المنشود.

لنعرض إذن للثابت والمتطور في مواقف الاتحاد الاشتراكي في مسألة وضع ومراجعة الدستور من خلال ابراز:
أولا: مستلزمات المطلب التاريخي للمجلس التأسيسي.
ثانيا: التطورات الواقعية في الشكل دون المس بالمضمون.
أولا: مستلزمات المطلب التاريخي للمجلس التأسيسي
لقد طالب الاتحاد لأول مرة بمجلس تأسيسي لوضع الدستور في ملتمس صادر على مجلسه الوطني بتاريخ 3 أبريل 1960 مؤكدا على «»الشروع فورا في انتخاب مجلس تأسيسي لوضع دستور ديمقراطي متحرر، يعتبر الشعب مصدر السلطات ويضع حدا للتعفن والفساد, كما يضمن لجميع المواطنين حرياتهم الأساسية دون اعتبار للقرر والعقائدية والعنصرية.
ويجد هذا المطلب التاريخي جذوره قبل 1960 ويمتد بعد صدور دستور دجنبر 1962، ليعدل دور المجلس التأسيسي منذ سنة 1968، ويطور الاتحاد مطلبه فيما يتعلق بمسطرة مراجعة الدستور، لنرى إذن مراحل هذا التطور عن طريق:

– 1-جذور المطلب وواقعه قبل وبعد صدور دستور 14 دجنبر 1962.
II- – تطور المطلب منذ سنة 1968.
I- جذور مطلب المجلس التأسيسي ودوافعه قبل وبعد صدور دستور 14 دجنبر 1962
قبل أن يبرز بوضوح طلب انتخاب مجلس تأسيسي لوضع الدستور في المجلس الوطني للاتحاد يوم 3 أبريل 1960، نجد ملامح هذا المطلب في مطالب المدرسة الوطنية التي كان ينتمي إليها قادة ومؤسسو الاتحاد، وبذلك يحرص الاتحاد أن يؤكد على أنه استمرارية الحركة الوطنية بالمغرب وأنه لم يكن وليد ظروف سنة 1959 فقط.

هكذا، نجد المطلب في فكر المرحوم السي علال الفاسي، إذ كتب في كتابه النقد الذاتي سنة 1952 مؤكدا أن أمر وضع الدستور »لا يمكنه أن يقوم به فرد خاص، بل لابد أن يقع بعد الاستقلال من مجمع شعبي منتخب»

ومباشرة بعد عودة المرحوم محمد الخامس من المنفى، قدم المرحوم السي عبد الرحيم بوعبيد التقرير السياسي في المؤتمر الاستثنائي لحزب الاستقلال المنعقد بالرباط أيام 4,3,2 دجنبر 1955 موضحا ومفصلا لبرامج الحزب ومطالبه من أجل إقامة نظام ديمقراطي، وأنّهى هذا المؤتمر أعماله بقرارات وتوصيات منها مقرر اللجنة السياسية الذي يلتمس فيه باسم الحزب من اللجنة التنفيذية أن تعمل بكل ما لديها من الوسائل من أن يحصل ممثلو الحزب في الحكومة على و زارات أساسية. الغرض منها التعجيل بإدخال اصلاحات إدارية وتأسيسية طبعت رغبات الشعب المغربي”.

وتطبيقا لقرار المجلس الوطني للاتحاد المطالب بمجلس تأسيسي لوضع الدستور، بتاريخ 3 أبريل 1960، رفض الاتحاد المشاركة في مجلس الدستور الذي انفض نهائيا بعد اجتماعه الأول في غشت 1960، وأوضح الناطق باسم الاتحاد أنذاك بأن »»القضية الدستورية تقتضي»,حسب رأي الاتحاد للقوات الشعبية، التعجيل بانتخاب جمعية تأسيسية يعهد إليها بوضع دستور البلاد«.

وبعد وفاة المرحوم محمد الخامس يوم 26 فبراير 1961، أصدرت الكتابة العامة للاتحاد بلاغا يوم 2 مارس 1961 تؤكد فيه »مواصلة المساعي مع جميع الهيئات السياسية قصد تحقيق وحدة العمل على أساس النقطتين التاليتين:


1 – انتخاب مجلس تأسيسي في فترة لا تتعدى المدة اللازمة من الوجهة الإدارية لتنظيم هذه الانتخابات.
2 – تأسيس حكومة انتقالية ,يكون من جملة مهامها تنظيم هذا الانتخاب على أن تتحدد في نص قانوني السلطات التي يجب أن تكون لهذه الحكومة، متى تستطيع أن تقوم بمهامها وتكون لها المسؤولية الحقيقية أمام الملك وأمام الرأي العام.
ولقد أكد الاتحاد هذا الموقف في مذكرته المؤرخة يوم 14 مارس 1961 والمقدمة الى جلالة الملك الحسن الثاني.
ثم جاء المؤتمر الثاني للاتحاد بالدار البيضاء   في شهر 1962 ليؤكد القرار السياسي.إنه منذ أبريل 1960 عندما لاحظ الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ,المأزق الذي كان يزج فيه المغرب، أكد بقوة ضرورة انتخابات عامة لإقامة مجلس تأسيسي، وأن التجربة ما انفكت تثبت صواب هذا الموقف في الميدان السياسي.
وانطلاقا من هذا الموقف في ضرورة وضع الدستور من قبل مجلس تأسيسي, بالإضافة الى رفض مضمون دستور دجنبر 1962، قررت اللجنة المركزية للاتحاد في بيان لها بتاريخ 15 نونبر 1962 مقاطعة الاستفتاء حول الدستور المقرر يوم 7 دجنبر 1962.

ورغم موقف المقاطعة قرر الاتحاد خوض الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 17 ماي 1963، ليشارك في أول برلمان عرفه المغرب منذ أكتوبر 1963 الى يونيه 1965، مدافعا عن مواقفخ واختياراته السياسية و الاقتصادية والاجتماعية وسط أحداث وأعاصير متنوعة إلى أن جاءت سنة 1968 ليسجل تطورا في هذا المطلب دون المس بالجوهر, مادام هناك نص لدستور موجود.


IIتطور المطلب منذ أكتوبر 1968
عرف الاتحاد من غشت 1967 الي يوليوز 1972 تطورا داخليا في تنظيماته وهيئاته التسييرية ابتدأ بقررات اللجنة الإدارية الوطنية بتاريخ 11 اغشت 1967, وانتهى بقرارات نفس اللجنة بتاريخ 30 يوليوز 1972.

وعرفت هذه المرحلة عدة تطورات من الناحية السياسية أيضا أدت الى تأسيس الكتلة الوطنية في يوليوز 1970 ومعارضة دستور 30 يوليوز 1970 ودعوة الاتحاد الى التصويت بلا على الاقتضاء بشأن هذا الدستور، الذي جرى يوم 24 يوليوز 1970. كذلك جاء دستور 10 مارس 1972 عبر تقلبات وأحداث سياسية أخرى عرفها المغرب في محاولتي الانقلاب في 10 يوليوز 1971 و16 غشت 1972. الشيء الذي دفع الاتحاد الى توضيح مواقفه السياسية في سنة 1972 في عدة مناسبات، ومستمرا في مطالبته بضرورة مراجعة الدستور م حتى يومنا هذا.

هكذا، نجد البيان السياسي للجنة المركزية للاتحاد الصادر يوم 13 أكتوبر 1868 يضع برنامجا سياسيا وفق الظروف آنذاك، من بين بنوده «إجراء انتخابات عامة حرة بعد تعديل القانون الانتخابي» تحت اشراف »حكومة تمثيلية متوفرة عن ثقة الجماهير الشعبية مكونة من العناصر الممثلة في المنظمات التي تجسد الإرادة الوطنية««، وتكون، »مهمة المجلس المنتخب الرسمية هي تغيير الدستور تغييرا جذريا في اتجاه ديمقراطي يعطي لسيادة الأمة مدلولها الحقيقي حتى تكون لدى الشعب السلطة والوسائل اللازمة لتحقيق مطامحه.

ويتولى المجلس في نفس الوقت مراقبة الحكومة بعد المصادقة على تشكيلها وبرنامجها، و يمارس مؤقتا السلطة التشريعية الى أن يقع انتخاب مجلس جديد على أساس الدستور الجديد»«.

ثم جاْء الدستور الثاني: دستور 31 يوليوز 1970، ليسجل مجموعة من التراجعات« بما فيها تلك التراجعات عما كان ينص عليه دستور دجنبر 1962، وعبر الاتحاد عن ر فضه لدستور 1970 ودعى الى التصويت بلا في الاستفتاء الذي جرى بشأنه يوم 24 يوليوز من نفس السنة، مؤكدا في بيانه الصادر في الموضوع على أنه» »من الواضح على الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أن يذكر جميع الوطنيين والمواطنين أنه ما لم تكن هناك مؤسسات ديمقراطية حقيقية، ومالم تكن هناك أدوات اجرائية شعبية حقيقية على جهاز الدولة، ومساهمة الأمة في وضع و تنفيذ جميع القرارات الأساسية المتخذة باسمه، فإنه لا يمكنه أن يقبل أو يتصور تحقيق أية سياسة تحررية حقيقية للبناء و التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وفي خضم المعركة ضد استفتاء دستور 1970 صدر ميثاق الكتلة الوطنية المؤرخ بيوم 22 يوليوز 1970 الذي يؤكد من ضمن برنامجه: «العمل من أجل اقرار ديمقراطية سياسية واجتماعية يتمكن الشعب فيها من ممارسة سيادته عن طريق سلطة منبثقة مباشرة منه
وفي نطاق العمل المشترك داخل الكتلة الوطنية، تقرر عدم المشاركة في استفتاء دستور 10 مارس 1972.

وبعد قرارات 30 يوليوز 1972 التي تهم شؤون سير الحزب الداخلية، والتي وضعت حداً للتعاون داخل الحزب مع بعض العناصر من قدماء الاتحاد الموالين لقيادة الاتحاد المغربي للشغل، أصدرت اللجنة المركزية للاتحاد بياناً تاريخياً يوم 8 أكتوبر 1972، من بين ما جاء فيه تأكيد الاتحاد على مطلبه »بانتخاب مجلس تأسيسي وتشريعي على أساس الاقتراع السري العام والمباشر من أجل تزويد البلاد بدستور حقيقي يحسم إرادة الجماهير، ويضمن مراقبة الشعب لأجهزة الدولة ويحدد العلاقات بين مختلف السلطات ويسطر الإطار العام الذي يباشر فيه الشعب مهمة التغيير الجذري وتحضير شروط البناء الاشتراكي.

وانطلاقا من بيان 8 أكتوبر 1972 هذا، يؤكد الاتحاد في جوابه على الرسالة الملكية المؤرخة بيوم 23 شتنبر 1972 مواقفه تلك في مذكرة إلى جلالة الملك الحسن الثاني بتاريخ 14 أكتوبر 1972، ومن ضمن الحلول المقترحة فيها بعد تحليل للوضعية العامة بالبلاد نجد ما يلي :

إن توجيهاً سياسياً جديداً يختلف جذرياً عن توجيه الماضي هو وحده الكفيل بجعل الشعب المغربي يستعيد الثقة ويقبل على المستقبل، وأكثر من هذا، فإن هذا التوجيه الجديد يجب أن تواكبه تدابير مسبقة ملموسة لإحداث الرَّجة السيكولوجية التي تتطلبها الظروف.

وهذا الإجراء السياسي هو الإعلان رسمياً عن أن الشعب المغربي سيدعى في تاريخ محدد لانتخاب مجلس وطني تأسيسي وتشريعي على أساس الاقتراع السري العام المباشر.

ويأبى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلا أن يؤكد أن اقتراحه لا يصدر عن أي تمسك دوغماتيكي بمبدأ المجلس التأسيسي، بل إن اقتراحه يتجه إلى إبراز مغزى سياسي بديهي، وهو »أن عهد الحكم المطلق أو الانتخابات المزيفة قد ولى، وأن الحكم بهذا الإجراء السياسي يود إتاحة الفرصة لممثلي الشعب أن يقرروا بكامل السيادة في المصدر الجماعي للأمة، وذلك في إطار دستوري قبلته الأمة بحرية ووعي.

ومن الناحية العملية، فإن المجلس الوطني المنتخب سوف يضطلع بمهمتين:
1 مهمة ذات طابع دستوري، إذ سيكون على المجلس بادىء ذي بدء أن يبت في مختلف بنود دستور 1972، وخاصة فيما يتعلق فيه بميادين التشريع والتنظيم. وفيما يخص العلاقات بين مختلف السلطات.
2 مهمة تشريعية عادية…

ولم تسمح ظروف القمع الذي تعرض لها الاتحاد من جديد منذ بداية سنة 1973 بعقد مؤتمره الوطني الذي قررته اللجنة المركزية للحزب في دورتها المنعقدة بفاس بتاريخ 21 يناير 1973، وفي خضم التعبئة التامة من أجل المساهمة في استكمال الوحدة الترابية، أصدرت اللجنة المركزية للاتحاد يوم 15 شتنبر 1974، بياناً الى المناضلين الأكاديميين، جاء فيه في موضوع اختيار الحزب الديمقراطي ما يلي:

“إن العمل في إطار المشروعية ليس معناه أن الاتحاد يقبل ويرضى إطار المشروعية الحالية، بل يعمل لتصبح القوانين الدستورية وقوانين الحريات العامة والخاصة كفيلة بأن تضمنه ضماناً كلياً انطلاقة الجماهير الشعبية للتعبير عن مطامحها وحقها في ممارسة السيادة والمراقبة على الحاكمين في كل ميادين النشاط القومي”.
“إن نشاطات الاتحاد هي بالذات مواجهة هذه التعسفات وتوعية الجماهير الشعبية وتعبئتها في نضالات سياسية ضد التسلط والاستغلال، ومن أجل إقالة المؤسسات الديمقراطية المنتخبة “انتخاباً نزيهاً، والتي تحدد الاختيارات الجوهرية المطابقة لمطامح الشعب المغربي.

“وبدون قيام هذه المؤسسات، يبقى الكلام عن المشروعية مجرد شعار غامض يستعمل كوسيلة للتضليل والتهديد، لأن وجود أجهزة تمثيلية ديمقراطية هو وحده الذي يضمن تحديد مقاييس المشروعية بوضوح ويفرض احترام القوانين، ويحول دون تغييرها المستمر في اتجاه تصعيد القمع وكبت الحريات”

وانطلاقاً من تلك المواقف، فإن المؤتمر الاستثنائي للاتحاد في يناير 1975 ليؤكد في بيانه السياسي العام على مواقفه السابقة “منذ تأسيسه، خاصة بيان اللجنة المركزية الصادر بتاريخ 13 أكتوبر 1968، وجواب الاتحاد على الرسالة الملكية المؤرخة ب 23 شتنبر 1972 وبيان اللجنة المركزية يوم 8 أكتوبر 1972 وبيان اللجنة المركزية بتاريخ 21 يناير 1973”

وهكذا، جاء المؤتمر الوطني الاستثنائي ليحول اسم الحزب من الاتحاد الوطني الى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ويؤكد على اختياراته الأساسية في المجال الإيديولوجي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي وليربط التحرير بالديمقراطية والاشتراكية، مناضلا في الساحة الوطنية مسجلا لتطورات واقعية في شكل وطريقة مراجعة الدستور دون المس بالجوهر ومضمون التغييرات الضرورية التي مافتىء يطالب بها بشأن دستور 10 مارس 1972 الى اليوم في المذكرة المرفوعة الى جلالة الملك مع حزب الاستقلال بتزكية من منظمة العمل الديمقراطي الشعبي يوم 9 أكتوبر 1991 بشأن تعديل الدستور والإصلاحات السياسية.
فلابد أن نسجل هذا التطور الواقعي في نطاق استعراضنا للثابت والمتطور في وضع ومراجعة الدستور المغربي في مواقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

ثانيا: التطورات الواقعية في الشكل دون المضمون

لقد جاء المؤتمر الوطني الاستثنائي في يناير 1975 ليدخل تغييراً على اسم الاتحاد، ليصبح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مؤكداً بذلك على أن حزب القوات الشعبية يهتم بالجوهر أكثر من الشكل، وأن تراثه وهويته يستمد مضامين نضاله وتجذره وسط القوات الشعبية واستمراريته في الارتباط بالحركة الوطنية وتجسيده الفعلي لاستمرار حركة التحرير الشعبية ببلادنا. وبقي بذلك متشبثاً بمواقفه التاريخية والميدانية، والتي وقع تأكيدها في الوثائق الأساسية الصادرة عن المؤتمر: في التقرير الإيديولوجي، والتقرير السياسي والبيان السياسي.

إذ جاء التقرير الإيديولوجي ليؤكد ربط الديمقراطية بالتحرير والاشتراكية ومؤكداً وموضحاً َلمضمون الاختيار الاشتراكي”، ومؤكداً على “ضرورة تحويل بنيات جهاز الدولة.
كما جاء التقرير السياسي مؤكداً على مفهوم الحزب »للديمقراطية السياسية المقرونة بالديمقراطية الاقتصادية.
وخُتم المؤتمر بالبيان السياسي العام الذي أكد مواقف الحزب السابقة، وموضحاً مفهوم الديمقراطية بالنسبة للاتحاد الاشتراكي وبأنها »ليست وسيلة فحسب، وإنما هي غاية في إطار الاختيار الاشتراكي ومبدأ يشكل جزءاً لا يتجزأ من نظرتنا الى متطلبات بناء المجتمع الاشتراكي.

ومنذ المؤتمر الوطني الاستثنائي للاتحاد في يناير 1975، ومطلب مراجعة دستور 10 مارس 1972 وارد في جميع مواقف الحزب الأساسية في كل مؤتمراته:
هكذا، طالب البيان السياسي للمؤتمر الوطني الثالث في دجنبر 1978 «»بمراجعة الدستور الحالي مراجعة شاملة«، وإقرار »ملكية برلمانية دستورية ديمقراطية.

كما جاء في التقرير السياسي المقدم من قبل المرحوم السي عبد الرحيم بوعبيد أمام المؤتمر الوطني الرابع في يوليوز 1984 “تشبث الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية باقتراحاته الأساسية في مجال التعديلات الدستورية”، وقدم بعض التفاصيل والأمثلة، ثم جاء المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في نهاية مارس وبداية أبريل من سنة 1989، ليؤكد ضرورة تعديل دستور 10 مارس 1972 في تقرير مفصل حول “المؤسسات المنتخبة وقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان«، ويؤكد ذلك في البيان السياسي العام »في اتجاه يضمن نظاماً لفصل السلط يمكن كل سلطة من صلاحيات ومسؤوليات واضحة ويقوي المراقبة البرلمانية ويحمي استقلال القضاء”.

وأخيراً، كان ملتمس الرقابة ضد السياسة الحكومية الذي قدمته المعارضة في شهر ماي 1990 ضد الحكومة مناسبة لتأكيد مواقف الاتحاد بجانب الأحزاب الوطنية والتقدمية، وكان من نتائج تقديم ملتمس الرقابة هذا، المقابلة الملكية التي خص بها جلالة الملك الحسن الثاني رؤساء أحزاب المعارضة، التي أدت في النهاية إلى تقديم مذكرة يوم 9 أكتوبر 1991 موقعة من قبل المرحوم السي عبد الرحيم بوعبيد بصفته كاتباً أول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والأستاذ مَحمد بوستة بوصفه الأمين العام لحزب الاستقلال، وبتزكية ومصادقة من الأستاذ محمد بنسعيد باسم منظمة العمل الديمقراطي الشعبي.
ومن الضروري هنا عند دراستنا وتحليلنا لمواقف الاتحاد التاريخية بشأن الدستور، نؤكد خلاصة عامة حول التطور الواقعي لموقف الاتحاد الاشتراكي من مسألة وضع ومراجعة الدستور، وموقفه الحالي, فيما يلي:

إن الاتحاد يسجل ويأخذ بعين الاعتبار مظاهر التطورات السياسية التي عرفها ويعرفها المغرب حالياً، وأن الأمر لم يعد يتعلق بالانطلاق من الصفر في وضع أول دستور بالمغرب، بل يقبل الانطلاق من دستور 1972 على أساس مراجعته مراجعة شاملة ويقدم اقتراحات مفصلة، لكن مع ذلك، فهو يرى ضرورة وجود تراضي سياسي بين مختلف الأطراف التي يعنيها الأمر تحت إشراف جلالة الملك في التحضير، على أساس أن تبقى الكلمة النهائية للهيئة الانتخابية عن طريق استفتاء حر ونزيه.

وإن كان هذا التطور المسطري واقعاً، فإن مقاصد وأهداف وجود وتطبيق دستور وطني ديمقراطي تبقى ثابتة من الثوابت الأساسية في الاختيار الديمقراطي للاتحاد الاشتراكي، لننتقل الى القسم الثاني، هذا العرض بتحديد هذه المقاصد والأهداف لدى الاتحاد الاشتراكي من وجود وتطبيق الدستور.

القسم الثاني : مقاصد وأهداف وجود وتطبيق الدستور في الاختيار الديمقراطي للاتحاد الاشتراكي

من خلال قراءة متمعنة وتحليلية لمختلف مواقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في نطاق اختياره الديمقراطي في الجانب المتعلق بالمسألة الدستورية، تلك المواقف التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة من العرض، نجد أن مقاصد وأهداف الاتحاد الاشتراكي من وجود وتطبيق الدستور ترتكز حول محورين أساسيين هما:

أولا: إقرار نظام ملكية دستورية برلمانية ديمقراطية
ثانيا: تعزيز فعالية ومصداقية دولة الحق والقانون والمؤسسات

أولا: إقرار نظام ملكية دستورية برلمانية ديمقراطية
لقد أظهر قادة الاتحاد ومؤسساته باستمرار ضرورة إرساء قواعد الاختيار الديمقراطي بضرورة إقرار وتدعيم نظام ملكية دستورية ديمقراطية يعترف فيها بالدور المحرك للمؤسسة الملكية، انطلاقاً من دورها التاريخي وارتباط الملك بالشعب من خلال عقد البيعة، وخاصة من خلال العهد والميثاق الذي التزم به المرحوم محمد الخامس والحركة الوطنية خلال نضالات وكفاح العرش والشعب ضد الاستعمار، وكذلك من مختلف المواثيق والعهود من تحضير ميثاق وثيقة الاستقلال في 11 يناير 1944 الى مختلف خطب المرحوم محمد الخامس بعد رجوعه من المنفى، أو في خطب عيد العرش في 18 نونبر أو في مختلف المناسبات, كافتتاح المجلس الوطني الاستشاري، أو في مختلف الوثائق الرسمية الأخرى كالعهد الملكي بتاريخ 8 ماي 1958«، إلى القانون الأساسي للمملكة المعلن عنه بظهير 2 يونيه 1961 من قبل جلالة الملك الحسن الثاني.
وإلى جانب الاقرار بالدور الحريص للمؤسسة الملكية: يحرص الاتحاد على ان تبقى الحكومة تتمتع باختصاصات تنفيذية تمكنها من القيام بالمهام الاساسية في المشاركة في تسيير دواليب الدولة كإحدى المكونات الاساسية للسلطة التنفيذية، وأخيرا يؤكد الاتحاد على ضرورة إنزال البرلمان المنزلة اللائقة به ليقوم بدوره الكامل في نظام الملكية الدستورية البرلمانية كسلطة تشريعية ومراقبة للحكومة وممثل حقيقي للخريطة السياسية الفعلية بالبلاد.
هكذا، يمكن تلخيص أهداف الاتحاد وتصوره لإقرار ملكية دستورية برلمانية ديمقراطية من خلال ثلاثة توجهات مترابطة ومتماسكة وهي:
1 – تأثير دور المؤسسة الملكية المتوازنة
2 – تقويم دور الحكومة الحاضرة والمسؤولة
3 – تعزيز دور البرلمان الفاعل والمراقب


I – تأثير دور المؤسسة الملكية المتوازن

لقد أكد الاتحاد منذ تأسيسه في ميثاق مؤتمره التأسيسي يوم 6 شتنبر 1959 على دور الملك في إقامة الديمقراطية بالبلاد, إذ نجد مما جاء في هذا الميثاق التأسيس مايلي:

اقامة ديمقراطية واقعية تضمن لجميع المواطنين تسيير شؤونهم بأنفسهم سواء في الصعيد الوطني أو المحلي في دائرة ملكية دستورية تحت رعاية صاحب الجلالة الملك محمد الخامس.

وجاء المؤتمر الوطني الثاني في دجنبر 1978 ليوضح ويدعم موقف الاتحاد في تأثير دور المؤسسة الملكية, مؤكدا ضرورة تحويل نظام الحكم في بلادنا من ملكية رئاسية […] إلى «ملكية برلمانية دستورية ديمقراطية تتحمل فيها الحكومة وكافة أجهزة التسيير والتنفيذ مسؤوليتها كاملة أمام ممثلي الشعب الحقيقيين ويتولى فيها الملك رئاسة الدولة كحكم قوى الأحزاب والطبقات»

وفي التقرير السياسي الذي قدمه المرحوم السي عبد الرحيم بوعبيد في المؤتمر الوطني الرابع في يوليوز 1984، بعد أن أكد على مختلف التعديلات التي يجب ادخالها على دستور 1972 يؤكد على دور المؤسسة الملكية إذ جاء فيه:

«إن صاحب الجلالة الحامي الأعلى للدستور والساهر على الدفاع على وحدتنا الترابية يمكن له أن يستعمل في أي وقت السلطات الخاصة من أجل الحفاظ على المؤسسات الدستورية وعلى الاستقرار الحكومي وضمان انسجام المشاريع وفاعلية التسيير»

ثم جاء المؤتمر الوطني الخامس للاتحاد في نهاية مارس وبداية أبريل 1989 ليؤكد في تقرير خاص حول المؤسسات وقضايا الديمقراطية وحقوق الانسان بضرورة تعديل الدستور في نظام تعزيز ملكية دستورية وتوازن السلطات.

ونشير أيضا في موضوع إقرار دور المؤسسة الملكية إلى مختلف الاستشارات والاتصالات المباشرة مع جلالة الملك والحوار المباشر من خلال المذكرات التي قدمها الحزب إلى جلالته. نذكر على الخصوص:

مذكرة بتاريخ 14 مارس 1961 بعد وفاة المرحوم محمد الخامس.
– الاستشارات الرسمية بعد حوادث مارس 1965
– رسالة الاتحاد بتاريخ 14 أكتوبر 1972 جوابا على الرسالة الملكية المؤرخة في 23 شتنبر 1972.
– مختلف الاستشارات واللقاءات التي تمت بيد جلالة الملك والمرحوم السي عبد الرحيم بوعبيد بوصفه الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي في مختلف القضايا الوطنية في عدة مناسبات.
– وأخيرا مذكرة 9 أكتوبر 1991 المقدمة من قبل حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي إلى جلالة الملك حول الاصلاحات الدستورية والسياسية التي يراها الحزب ضرورية في المرحلة الراهنة .
وإلى جانب تأثير دور المؤسسة الملكية المتوازنة يحرص الاتحاد الاشتراكي أن يظهر هذا التوازن من خلال حرصه في مطالبه في الاصلاحات الدستورية والسياسية على ضرورة إعطاء الحكومة الفرصة والامكانيات لتكون حاضرة وموجودة بالفعل.


II – تقويم دور الحكومة الحاضرة و المسؤولة
يحرص الاتحاد الاشتراكي في مواقفه على أن تمارس الحكومة في نفس الوقت اختصاصاتها السياسية والادارية أو التقنية بصفة عامة وأن تتحمل مسؤولياتها كاملة كجزء مهم على السلطة التنفيذية وأن تمارس تلك الاختصاصات بالفعل تحت مسؤولية جلالة الملك ومجلس النواب وأن تكون فعالة في تسيير وتدبير الشؤون العامة بالبلاد والعمل على تلبية الحاجيات الشعبية في مختلف الميادين الادارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وان تعمل أيضا على تنشيط مجلس النواب بتحضير مشاريع القوانين والحرص على تنفيذ القوانين التي تتم المصادقة عليها.


III – تعزيز دور البرلمان الفاعل والمراقب
تبعا لمفهوم الاتحاد لنظام الملكية الدستورية البرلمانية الديمقراطية من الضروري أن يقوم مجلس النواب بالدور المنوط به. ولهذا يحرص الاتحاد الاشتراكي على ان تتضمن التزاماته الخاصة بتعديل الدستور بضرورة توسيع مجال القانون الذي يختص به مجلس النواب وتوسيع الامكانيات المتاحة له لمراقبة الحكومة والحد من العراقيل الموضوعة في طريق هذه المراقبة والمتجلية في تعقيد ملتمس الرقابة أو سحب الثقة من الحكومة وغياب وسائل أخرى للمراقبة لها أهميتها.

وبجانب ذلك لم يفتأ الاتحاد الاشتراكي على التأكيد في أن يعكس البرلمان الخريطة السياسية الحقيقية داخل البلاد وأن تكون الأغلبية داخله أغلبية حقيقية مؤهلة لأن تنبثق منها أغلبية حكومية مقتدرة.

وكمتمرس في المعارضة منذ ماي 1960 , يحرص الاتحاد على أن تمارس المعارضة داخل مجلس النواب حقها الشرعي في التمتع بحقوقها داخل مجلس النواب لأنه بدون معارضة حقيقية فسيبقى البرلمان مجرد غرفة تسجيل أو آلة طيعة في يد الحكومة. ولقد عمل الاتحاد بالفعل على إعطاء بعض المصداقية للبرلمان المغربي من خلال مشاركته ومواقفه في تقديم مقترحات القوانين ومناقشة مشاريع القوانين واتخاذ المبادرات التاريخية خاصة في ملتمس الرقابة في يونيو 1964 أو في ماي 1990 وإن كان لمتملس الرقابة سنة 1964 نتائجه التاريخية. فلا شك أن تاريخ ملتمس الرقابة في ماي 1990بدأت تظهر من خلال تحريك مسألة الاصلاحات الدستورية والسياسية المعروضة حاليا للنقاش في الساحة السياسية ببلادنا.

وان كانت مقاصد وأهداف مواقف الاتحاد الاشتراكي في مسألة وجود وتطبيق الدستور تتوخى إقرار ملكية دستورية برلمانية ديمقراطية، فهي تهدف أيضا من جهة أخرى تعزيز فعالية ومصداقية دولة الحق والقانون والمؤسسات.

ثانيا: تعزيز فعالية ومصداقية دولة الحق والقانون والمؤسسات
لقد اقترن نضال الاتحاد الاشتراكي بالاختيار الديمقراطي بالدفاع عن الشرعية وضرورة احترام القانون وعدم خرقه من قبل السلطات العمومية. وفي نفس الوقت حرص على التنديد بمختلف القوانين الموروثة في عهد الحماية والتي لا تتلاءم مع التطورات التي عرفتها بلادنا، أومع تطلعات المواطنين، كما ندد باستمرار بمختلف التراجعات على المكاسب التي تم تحقيقها في السنوات الاولى للاستقلال من أجل ضمان الحريات العامة [مدونة 15 نونبر 1958] أو قانون المسطرة الجناية لسنة 1959 أو ممارسة الحق النقابي ظهير 16 يوليوز 1957 ,قوانين الانتخابات فاتح شتنبر 1959.

وبرجوعنا إلى مختلف مواقف الاتحاد الاشتراكي في هذا المجال نجد أن اهتماماته في تعزيز دولة الحق والقانون والمؤسسات انصبت على مجموعة من الأهداف نذكر من أهمها:


1 – بناء أسس الدولة العصرية المتطورة والعمل على أن يتخلى المغرب على أساليب الحكم العتيقة التي كان يعرفها قبل عهد الحماية أو خلالها. ويتجلى هذا الشعار في مطلب المؤتمر الوطني الثالث في دجنبر 1978 بناء الدولة الوطنية والديمقراطية كبرنامج عمل وطني سياسي مرحلي لانقاذ بلادنا من الأخطار المحدقة بها خارجيا ومن الانحلال الذي يهددها داخليا.
2 – ضمان الحريات العامة والفردية واحترام حقوق الانسان, وذلك من أجل الحد من كل التصرفات والتعسفات المهينة لكرامة الأفراد والجماعات، ولقد عانى الاتحاد ومناضلوه من مختلف تلك الخروقات والاضطهادات في مختلف المناسبات، وكان تصدي الاتحاد لذلك من خلال مختلف المحاكمات والاعتقالات والنفي وأحيانا الاختطافات وحتى الاغتيالات وحرص الحزب على إسماع صوته للدفاع عن الحريات العامة وصيانة حقوق الانسان في معاركه ومبادراته من أجل تدعيم المؤسسات المهتمة بحقوق الانسان داخل المغرب أو خارجه، ولقد توج هذا المجهود بمصادقة المؤتمر الخامس في سنة 1989 على تقرير خاص حول الحريات العامة وحقوق الانسان يوضح الاطار العام لمطالب الاتحاد في هذا المجال:
3 – استقلال القضاء وإعطائه المكانة اللائقة والمحترمة التي تفرضها نزاهته واستقلاله العقلي والعمل على اصلاح قضائي يعطي للقاضي دوره الفعلي داخل دولة المؤسسات ويحفظ كرامته ضد مختلف الاغراءات ويقرب القضاء من المتقاضين في الزمان والمكان.
4 – جعل الادارة في خدمة المواطنين وعدم تدخل الأجهزة الادارية في تشويه الإدارة الشعبية بمناسبة انتخابات تشريعية أو المحلية وضرورة إصلاح إداري شامل، يجعل من الإدارة أداة فعالة ومتطورة وعصرية تجعل حدا لمختلف المظاهر السلبية التي تعاني منها إدارتنا من تعفن ومحسوبية وتماطل. وتشجيع الكفاءات والطاقات الخلاقة الموجودة بها، ورعاية مصالح المواطنين العاملين بالادارة وضمان حقوقهم أثناء وبعد حياتهم الادارية والمهنية.
5 – تقوية وترسيخ دعائم المجتمع المدني، ويتجلى هذا في مواقف الاتحاد الاشتراكي ومساندته للمبادرات والنضالات الاجتماعية التي تقودها المنظمات الجماهيرية النقابية، وكذا مختلف النشاطات التي تقوم بها الجمعيات الهادفة في مختلف الميادين الاجتماعية والثقافية والترفيهية، وفي نفس الوقت لم يتأخر الاتحاد في شجب المحاولات الرسمية الرامية إلى تدعيم جمعيات جهوية فوقية لا صلة لها بالمجتمع المدني تحاول الاعتماد على إمكانيات الادارة عوض الاعتماد على امكانيات أصحابها الذاتية.

وإلى جانب هذا النضال من أجل دستور يؤطر نظاما ديمقراطيا في نطاق ملكية دستورية برلمانية ديمقراطية يجب التذكير بالاختيار الديمقراطي للاتحاد الاشتراكي من خلال العمل على تحقيق الاصلاحات السياسية الضرورية في نطاق مؤسسات ديمقراطية فعالة، متجاوب مع التطلعات الشعبية.
وهذا يتجلى في مختلف النضالات التي قام بها الاتحاد الاشتراكي داخل المؤسسات المنتخبة وطنيا ومحليا ومن خلال مختلف الحملات الانتخابية والمشاركة في التسيير اليومي داخل بعض الجماعات المحلية وفي مختلف الواجهات النضالية الجماهيرية النقابية والثقافية والاجتماعية بجانب القوات الوطنية السابقة من أجل تثبيت دعائم الاختيار الديمقراطي ببلادنا حفاظا للعهد الذي التزمت ولازالت تلتزم به الحركة الوطنية حاضرا ومستقبلا.

 

*عضو المجلس الوطني
للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية