(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ(*) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).ال عمران

قال تعالى : ( وأن المساجد للّه فلا تدعوا مع اللّه أحداً) سورة الجن

اصبح البعض يتمادى في التطاول على المساجد ومنازعة السماء في دور العبادة  ومهامها …التي تخصص أساسا لاداء الصلوات المفروضة وللوعظ والارشاد الدال على الله  بالقرآن والسنة الصحيحة والعلوم المفيدة المقوية للمعرفة الدينية السليمة والسمحة والمهذبة للانفس وتجويد الاخلاق والمعاملات الحميدة في مختلف مجالات الفعل والعمل العام والخاص …

ذلك البعض يتعمد تمرير مواقف وسياسات ويبني علاقات اجتماعية و”احسانية” من خلال استغلال الادوار المسطرة عقلا وشرعا  ببعض المساجد والمنابر   بما في ذلك محاربة الامية وتحفيظ القران وتعليم القراءات والتجويد .. حيث تحول البعض منها  بشكل مثير  إلى توظيف سياسوي مباشر وغير مباشر للبسطاء واشباه المتعلمين الذين يوهمونهم بأنهم هم الممثلون للدين الحق ,  وأنه  لا يجوز  اتباع غيرهم  كانوا من  اليمين أو الوسط  أو اليسار …بل يتكاملون  مع   الحاملين لصفة “دعاة” المحترفين  لترويج الفكر التكفيري وإثارة الفتن والتحريض على الكراهية والطعن فيما بدا  لهم من مذاهب ومعتقدات وعلوم يرون أنها قد تعطل مساعيهم وتكشفها للعامة والخاصة  …ومن ثم يسعون إلى اقتياد الناس الذين يغرر بهم و يضللون باسم الدين  للخروج عن وحد العقيدة  .. فيستغلون كأدرع بشرية ضد الدولة و الوحدة الوطنية و الديموقراطية والقوى الحية والاسلام السمح و  المتنورين والحداثيين  ...فيتخندقون بصنع تحالفات تروج لافكار ماضوية  ليصبح التخلف بمختلف تجلياته مطبقا على الانفاس والعقول والمبادرات الايجابية .. موهمين الناس أن المحجة البيضاء لاتستقيم إلا بإسالة أنهار من الدماء ..وبعد خراب شامل للاقتصاد والسياسات العمومية ..وتعطيل لكل القيم السماوية والانسانية السامية  المتكاملة التي تسعى لتكريم الانسان واحترامه والاهتمام به..وغاياتهم كما يعبر البعض من منظريهم التحكم والتمكن وإقامة دولة الخلافة “المفترى عليها” ..

إن الامام أو الداعية  عندما يكشف عن  نواياه السياسية و مواقف منظمته وجماعته  ويمررها في “خطبه” و”وعظه ” يرتكب خطأ جسيما حيث تتحول بيوت الله إلى مقرات  حزبية أو طائفية ..فيتخصص ذلك المسجد في سب الصحابة والاخر في سب الشيعة أو الطعن في مذاهب وآراء الاخرين ..او  سب المجتمع المدني و الاحزاب السياسية  … وهذا ما تسبب و يتسبب كما نلاحظ في العديد من  البلدان في  التفجيرات التي تطال المساجد  وضيوف الرحمن حيث يكون منفذوها من المغرر بهم الذين شحنت عقولهم بعد تحريف إيمانهم حتى صور لهم أن ” أفضل الجهاد ” قتل المسلم لاخيه المسلم وتفجير المسجد بمن فيه بالتفخيخ والانتحار في انتهاك سافر وهمجي لحرمة بيوت الله التي أعدت للامن والغذاء الروحي والفكري والعقلي  …

إن الحديث عن الشؤون الدينية يحيل بشكل مباشر على  المساجد التي تحتل مكانة مهمة وجد مقدسة  في المجتمعات الإسلامية،…والمسجد الحرام والنبوي أهمها ..وهي فضاءات  ربانية نورانية رحبة  للقاء المسلمين، ..حيث يلتقي فيها كل المسلمين بمختلف مذاهبهم الفقهية و متصوفتهم وطرقهم … واختياراتهم السياسية  وتوجهاتهم الفكرية اليسارية والليبرالية واختلاف ثقافاتهم ولغاتهم واعرافهم  …كلهم يؤمنون بإله واحد وبكل الانبياء والمرسلين والكتب السماوية وخاتم الانبياء الذي قال عليه الصلاة والسلام في هذا السياق  : ((إن مثَلى ومثَل الأنبياء مِن قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسَنه وأجمله، إلا موضع لبنة مِن زاوية، فجعل الناس يطوفون بالبيت ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين))..

ولهذا فلا يجوز لاي كان في أي بلد أن يوظف المنابر الدعوية والخطابية لتحريض الناس وتأليبهم ضد بعضهم أو ضد  أية دولة  ومؤسساتها  وشعبها ومذهبها كانوا مسلمين أو مسيحيين أو غيرهما …كما لايجوز لاي حزب أو منظمة أن يمرروا  أفكارهم وقناعاتهم واختياراتهم السياسية  بشكل مباشر أو غير مباشر بالمساجد وحلق الذكر والوعظ ..في خلط  وربط تعسفيين بين كلام الله والانتماء الحزبي والسياسي ..مما يصبح معه ضيوف الرحمن في بيوته عرضة للاستغلال والشحن السلبي ضد المجتمع ومكوناته الاخرى ..فيحولونها بذلك الى بيوت حزبية او فضاءات  انتخابية او يقحمونها  في صراعات بجعل البعض من الناس أبواقا متخصصة في الترويج للاشاعات والاساءات والافتراءات التي  يعتبرونها  عملا مباحا بل ممدوحا في مواجهة الاخر الذي يتخذونه عدوا لهم  ؟؟

و يشترط في تاسيس المساجد  وبنائها  أن تكون  على تقوى الله  لتوحيد المسلمين وتقوية اواصر الاخوة والمحبة  فيما بينهم من جهة و بين الناس كافة …. بدوام الاتصال والتعاون الذي يجمع على خير ويفصل على هدى ويبني بالمعروف ويترك باللتي هي أحسن .. مع تعليم الاحسان  بكل مستوياته وجعله سلوكا يوميا  وليس  حصره في توزيع الاموال والالبسة  بتكريس للفقر والتبعية والدونية والابتزاز السياسوي والمذهبي  ..

لهذا وجب شرعا وعقلا  حماية المساجد والشعب من الذين يفضلون اعتماد  “الدعوة ” لمنظتهم السياسية كانوا ذكورا أو إناثا  باسم الدين ومن على  منابر وكراسي  الخطب والوعظ والتعليم بالمساجد في العالم الاسلامي …كما يجب على الجميع أن لا يجعل الدين سببا في الفتن والتفرقة  بخلطه تعسفا  مع العمل والقرار السياسي كاختيارات اقتصادية واجتماعية وتدبيرية  باضفاء ” مسحة من القداسة” على سياسات معينة  دون أخرى ..ولايهام الناس أنهم هم وحدهم على حق وغيرهم تقطعت بهم السبل …

إن من مظاهر  محبة الله محبة المساجد والشعور فيها  بالطمانينة والسكينة والراحة القلبية  للوصول بذلك إلى الخشوع المحقق لحضور النفس والعقل والجسد بوعي تام يتذوق العبادة صلاة ودعاء وذكرا وقراءة واستماعا و تاملا ..ليكون الناس خارجها وداخلها كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء بالسهر والحمى  ..في تكامل وتلاحم وتضامن وتآزر وبدل وعطاء انساني خالص وليس بالشحن والتشكيك  الذي لايبقي ولا يذر في الدنيا فيضل الجميع ضلالا بعيدا ..

ان كل تاخر في حسم هذا الاشكال الكبير في أية دولة بالجدية والتنظيم المحكم  الضامن  لوحدة المجتمعات باحترام التنوع والاختلاف ..  يزيد الامور تعقيدا ويغذي كل أشكال التعصب ويدفع كل طائفة ومجموعة منسجمة من الناس ثقافة وتاريخا ..عرقا ومذهبا إلى اتخاذ ماتراه في ظنها ملائما للدفاع عن نفسها وعن خصوصيتها وهويتها حتى لا يطالها الاقصاء والتسلط والاستغلال المطلق والالغاء ..

قال تعالى : (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه …. يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة…) سورة النور

جاء في الحديث (( إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها عمّارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره )). رواه الطبراني عن ابن مسعود .

 

الاربعاء 08 مارس 2017.