بداية، بصفتي مواطنا مغربيا يهمه مستقبل بلاده وأولاده، ويرفض أن يستمر مسلسل العبث السياسي في استفزاز المشاعر، وأن يظل حلم الارتقاء إلى مستوى الدول الصاعدة مؤجلا، لما نعيشه من حالة ركود وجمود على المستوى التشريعي والاقتصادي والاجتماعي، وما يترتب عن ذلك من تداعيات خطيرة. أهتبل هذه الفرصة لتهنئة الدكتور سعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني لحزب “العدالة والتنمية” المتصدر لنتائج الانتخابات البرلمانية الماضية، على الثقة التي حظي بها من قبل الملك محمد السادس، الذي عينه يوم الجمعة 17 مارس 2017 بالدار البيضاء رئيسا للحكومة خلفا لرفيقه والأمين العام لحزبه عبد الإله بنكيران، وكلفه بتشكيل حكومة جديدة.

     لكن هذا الترحيب لا يعني سوى أننا نؤمن بأسس الديمقراطية وروح الوثيقة الدستورية، ونتوسم في الرجل الخير بأن يثبت مدى جدارته واستحقاقه في تحمل المسؤولية، عكس المرة السابقة التي تولى فيها حقيبة وزارة الخارجية، ولم يعمر فيها أكثر من سنة واحدة، ليتم إعفاؤه بشكل غامض. فالأمل معقود على أن يسارع إلى إنقاذ البلاد من حالة الإفلاس التي أوصلها إليها سلفه، والاستجابة لانتظارات الشعب. ومن غير أن أدع هذه المناسبة تفوتني، أشير إلى أنني حتى وإن كنت متذمرا من سوء تدبير بنكيران للشأن العام وإخفاقاته، فإني لست متشفيا ولا شامتا بإزاحته من منصبه، بعد أن عجز على مدى أزيد من خمسة شهور عن إقناع حلفائه المفترضين، بالانضمام إلى تشكيلته الحكومية وفق شروطه، أو لانشغاله إبان ولايته السابقة عن هموم الشعب بالمعارك الدونكيشوتية، وإجهاضه لأحلام ملايين المغاربة في الوفاء بوعوده الانتخابية من قبيل: محاربة الفساد والاستبداد وتحقيق العدالة الاجتماعية والحرية والعيش الكريم، واتخاذه قرارات “جهنمية” أحرقت عديد المكتسبات، أضرت بالقدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة ورهنت مستقبل الأجيال الحالية والقادمة في مستنقعات المديونية… فهل يا ترى سيكون بمقدور العثماني تصحيح ما أفسده سلفه والنجاح في ما أخفق فيه، ويظهر للمغاربة كافة بأنه من الممكن أن يوجد بين القنافذ ما هو أملس؟

     فحسب علمنا المتواضع، أن هناك شبه إجماع لدى الرأي العام الوطني، على أن العثماني أخف ضررا من رفيقه بنكيران، الذي لازمه منذ فترة الانتماء للشبيبة الإسلامية في سبعينيات القرن الماضي، إذ يتميز بشخصيته المتوازنة والمنفتحة، يحظى باحترام واسع حتى في أوساط خصوم حزبه السياسيين، يتصف بدماثة الخلق والحكمة والهدوء والرصانة، وذو قدرات هائلة على الاتزان وحفظ اللسان وتجنب الصدامات والشنآن. راكم من الخبرات والتجارب من خلال مساره المهني وقيادته للحزب وعضويته بالبرلمان، والحكومة على قصر مدتها، ما يؤهله لتحمل المسؤولية باقتدار إذا ما شمر عن ساعده وابتعد عن نفخات “الشياطين” وهم كثر بالحزب. إذ يرى كثير من الملاحظين والمحللين السياسيين، أنه رغم دقة المرحلة وحجم المنصب، فإن كل شروط النجاح متوفرة أمامه لتشكيل حكومته المرتقبة والحصول على أغلبية مريحة داخل مجلس النواب، لاسيما أنه استفاد من مواكبة المفاوضات السابقة، وأن قادة الأحزاب السياسية عازمون على تسهيل مأموريته، شريطة ترجيح كفة التوافقات على سياسة شد الحبل والمنطق الحزبي الضيق، واستحضار المصلحة العليا للبلاد لمواجهة الإكراهات ورفع التحديات الكبرى.

     وفضلا عن شعوره بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه وأمله الكبير في النهوض الجيد بها، كما صرح بذلك لوسائل الإعلام الوطنية في أول تعليق له، فإنه مطالب بنهج مقاربة سياسية مغايرة في مشاوراته مع أمناء الأحزاب، تعتمد على مبدأ التشارك والتوافق وتقريب وجهات النظر واحترام الزمن السياسي والحفاظ على سرية المفاوضات، بعيدا عن التهافت وتغليب المصالح الحزبية في اقتسام “الغنيمة”، للكف من الدوران في الفراغ المظلم والخروج من النفق المسدود.

     ومن المؤكد أن النجاح في المهمة لن يتأتى له إلا بجعل الخطاب الملكي من قلب عاصمة السنغال، بمناسبة الذكرى 41 للمسيرة الخضراء الميمونة خارطة طريق في مشاوراته، والتركيز على مضامينه من أجل تكوين حكومة قوية، مسؤولة ومنسجمة، وذات برنامج واضح ومتوافق عليه، وأولويات محددة لأهم القضايا الوطنية والدولية وفي مقدمتها بلدان القارة السمراء، على أن يكون وزراؤها من ذوي الكفاءات العالية، حتى تتمكن من تصحيح الاختلالات القائمة والرفع من مستوى عيش المواطنين…

     فالملك، خلافا لما ذهبت إليه بعض التحليلات السياسية المتسرعة والتكهنات الخاطئة، حول إمكانية حرمان الحزب “الفائز” من قيادة الحكومة لدواعي خفية، واعتمادا على المنهجية الديمقراطية منحه فرصة ثانية، ليظهر أن المشكل الحقيقي يكمن في أسلوب التفاوض الذي سلكه رئيس الحكومة المقال. بالرغم من أن الدستور يعطيه صلاحيات أوسع بصفته رئيس الدولة الضامن لسير المؤسسات، كما هو وارد في إحدى فقرات بلاغ الديون الملكي التي تقول: “وقد فضل جلالة الملك أن يتخذ هذا القرار السامي، من ضمن كل الاختيارات المتاحة، التي يمنحها له نص وروح الدستور، تجسيدا لإرادته الصادقة وحرصه الدائم على الاختيار الديمقراطي، وصيانة المكاسب التي حققتها بلادنا في هذا المجال”

     ترى هل يغتنم العثماني رئيس الحكومة المعين حديثا ومن خلاله أعضاء المجلس الوطني والأمانة العامة للحزب، هذه الفرصة الذهبية والتعامل معها إيجابيا، لتدارك أخطاء زعيمهم القاتلة وإخراج البلاد من عنق الزجاجة، حتى لا يجد الملك نفسه مضطرا مرة أخرى إلى استعمال صلاحياته الدستورية، في اللجوء إلى خيار آخر لن يرضيهم؟ دعونا ننتظر إن كان الدكتور قادرا على معالجة الأوضاع المتردية.

 

الاحد 19 مارس 2017.