يشكل تنامي الخطاب الشعبوي اليميني المتطرف، على اختلاف توجهاته، تحديا حقيقيا بالنسبة للأحزاب اليسارية عموما، وبالنسبة للأحزاب الاشتراكية الديمقراطية على الخصوص، سواء من حيث مرتكزاته او من حيث اواليات اشتغاله او من حيث أهدافه وقدرته على الإيهام بأنه الوحيد المناط به تجسيد تلك الأهداف على أرض الواقع.

وليس مفيدا، في شيء، في أي مسعى لربح هذا التحدي بلورة خطاب مناهض للتوجهات الشعبوية اليمينية واليسارية معا اذا كان هذا الخطاب يترك الانطباع لدى أوسع فئات الشعب المغربي بالتخلي عن قضاياها الحيوية في المجالات الأساسية المرتبطة بمعيشتها وتطلعاتها الى العدالة الاجتماعية وصيانة كرامتها والتشبث بحقوق المواطنة لكل أبناء الوطن.

ولتفادي الضرر المحقق من هذا الإيحاء ليس أمام اي حزب يساري اشتراكي ديمقراطي غير إقامة نوع من التمفصل بين الدفاع عن مصالح الشعب المشروعة، باعتبارها ممكنات المرحلة السياسية المعنية، وبين تفكيك الخطاب الشعبوي، وابراز تهافت منطقه الداخلي وضعف او حتى انعدام اواصر علاقاته المزعومة مع الواقع وقضايا الشعب المركزية الملموسة. اذ رغم ما يمكن ان ينجم عن هذه المنهجية المزدوجة من تعقيدات فإنها تظل الأقدر على التمكين من ربح رهان هذه المعركة التي لا مناص من خوضها في مختلف مراحل العمل السياسي.

وليس خافيا ان الشعبوية ذات المرجعيات الأيديولوجية اليمينية هي الأقوى تأثيرا من الشعبوية ذات التوجهات اليسارية، الى درجة تتحول فيها هذه الأخيرة الى رصيد موضوعي، وان بشكل غير إرادي، للأولى من حيث إسهامها في التشويش على قوى الشعب الحية في مختلف المجالات، دون القدرة على استيعاب، او الدفاع عن طموحات الجماهير الكادحة التي لا ترى هي نفسها في الخطاب الشعبوي اليساري الا ما يكاد يتماهى مع المغامرة غير المحسوبة النتائج. ذلك ان الطبقات الكادحة لا ترى في التعرض لبعض ما تعتبره ثوابت الأمة بالهجوم المنهجي، الا ترجمة لموقف رفض سلبي لها، دون تصور موضوعي لأي بديل حقيقي. وهو ما يجعلها ترى فيه عنوانا على عدم النضج والتهافت في تناول قضايا المجتمع الحيوية، فتحكم عليه بانه خطاب الهدم فحسب. وخطاب الهدم لم ينتج، في التاريخ المعاصر، غير الفوضى في الممارسة السياسية وإقامة اكثر من جدار بينها وبين بلورة وبناء الجديد، رغم ان هذا البناء المزعوم هو مبرر أساسي لبلورة ذلك الخطاب تحت عناوين البديل الجذري لما هو قائم من مؤسسات، وما يتم اقتراحه من برامج من قبل القوى الوطنية الديمقراطية ضمن المسعى السياسي الواقعي العقلاني لانجاز مهام المرحلة السياسية كما تدل عليها معطياتها الفعلية، وليس كما يتخيلها مدبجو الخطاب الشعبوي اليساري.

ولا ينبغي هنا تجاهل ان الثقافة العامة السائدة في مختلف الأوساط الشعبية هي ثقافة محافظة، الى حد بعيد، وهي بالتالي، تلتقي وتتقاطع مع مختلف الايديولوجيات المحافظة واليمينيّة، بما في ذلك الاتجاهات الشعبوية ذات التأثير الأقوى في تلك الأوساط. ولعل النجاح الباهر الذي عرفته الشعبوية اليمينية في الغرب المعاصر وأساسا عندما تبنت خطابا معاديا في عمقه للمؤسسات التقليدية للدولة الحديثة بما في ذلك المؤسسات التنفيذية والتشريعية وطرق اشتغال النظام الديمقراطي، قد بين بوضوح ان التفاعل مع هذا الخطاب ابسط وأسهل، من التفاعل مع الخطاب الحداثي الديمقراطي الذي ينحو الى التعامل مع القضايا في ابعادها المركبة، ويرفض السقوط في النزعات التبسيطية والاختزالية. والحال، ان هذا الخطاب هو اقرب الى الوعي الشعبي العام في مجتمعنا حيث السلبية الناجمة عن عدد من الصدمات الاجتماعية والاقتصادية وخيبات الأمل من الانتظارات السياسية يسهل على الشعبوية اليمينية تشكيل رأي عام مساند ومستعد للنزول الى الشارع خدمة لأجندتها، وهو ما لم يعد في متناول القوى ذات التوجه اليساري الاشتراكي خاصة بعد تراجع الانخراط في المعارك الاجتماعية للجماهير الكادحة وتبني قوى اليسار لخطاب سياسي غير مفهوم بالنسبة لأوسع شرائح المجتمع، وفِي مقدمتها تلك التي يتحدث باسمها ويعتقد انه قادر على تمثل قضاياها في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ولعل اخطر شيء يمكن لأي حزب يساري اشتراكي ديمقراطي مواجهته هو واقع تصادر فيه القوى الشعبوية المتطرفة يميناً او يسارا لشعاراته المركزية والقدرة على تعبئة الجماهير الكادحة على خلفية تلك الشعارات وعدم قدرة الحزب على إقناع تلك الجماهير بأن الشعارات التي تمت قرصنتها ليس بامكانها خدمة مصالحها المركزية في التحرر متى تنطعت، تلك القوى، الى زعم تبنيها، والعمل من اجل تنفيذها، بل انها لم تقدم على رفعها أصلا الا للتضليل واستغلال واقع تلك الجماهير المزري والمقترن بضعف قوى الشعب الحية في مجالات التواصل مع قواعدها الموضوعية وبيئتها الاساسية الامر الذي حولها الى لقمة سائغة لكل الدعايات المناوئة لمصالحها والعاملة على فرض هيمنتها عليها.
وعلى هذا الأساس فإن على اليسار الاشتراكي الديمقراطي المغربي تجديد مقارباته لمواكبة تطورات الواقع الاجتماعي والسياسي ليكون عند مستوى مواجهة تحديات الفكر الشعبوي وتفكيك خطاب قواه وتبيان ابعاده المخادعة متى أراد هذا اليسار ان يكون له التأثير الأكبر في الأوساط الاجتماعية التي ينطلق من كونها قاعدته الاساسية.

 

لعدد يوم الاربعاء  22 مارس 2017.