سيظل المغاربة قاطبة ومعهم كل المهتمين بالشأن السياسي في المحيطين الإقليمي والعالمي، يذكرون عسر المخاض الذي رافق تشكيل الحكومة، وكيف أن عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة السابق والأمين العام لحزب “العدالة والتنمية”، الحاصل على المرتبة الأولى في تشريعيات أكتوبر 2016، فشل في إقناع حلفائه المفترضين بقبول شروطه في تكوين أغلبية حكومية، وعلى رأسها رفضه القاطع لمشاركة حزب “الاتحاد الاشتراكي” ضمن مكوناتها.

     ولأن كل الأطراف المعنية ظلت متمسكة بشروطها، دون أن يفلح بنكيران من خلال هجوماته وألاعيبه المعهودة، في الدفع بادريس لشكر الكاتب الأول لحزب “القوات الشعبية” وهيئاته القيادية، نحو التراجع عن الموقف الإيجابي من المشاركة في الحكومة. وحرصا من الملك محمد السادس عن مصالح البلاد والعباد، كان طبيعيا أن يتدخل وفق صلاحياته الدستورية، لإنهاء حالة “البلوكاج” التي دامت حوالي نصف سنة، من غير أن يلوح في الأفق ما يبشر بانفراج “الأزمة”، التي أرخت بظلالاها على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وانعكست سلبا على سير المؤسسات الوطنية، بإقالة بنكيران يوم 15 مارس وتعيين الدكتور سعد الدين العثماني خلفا له في 17 مارس 2017، الذي ليس سوى الرجل الثاني بنفس الحزب ورئيس مجلسه الوطني.

     ولأن العثماني أدرك بنباهته أن تشكيل حكومته يمر عبر إشراك حزب القوات الشعبية، فإنه لم يتأخر في تبشير المغاربة ليلة 25 مارس بالميلاد الوشيك للحكومة وكشفه عن طبيعة ائتلافها الحزبي، الذي ظهر أنه يتشكل إلى جانب الائتلاف السابق، بإضافة كل من حزبي الاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي، المرفوض ليس فقط من قبل رئيس الحكومة المعزول، بل كذلك من كل أطر الحزب وأنصاره. مما أثار موجة من السخط العارم، وأدى إلى زلزلة أركان الحزب، عبر استقالات جماعية وتبادل الاتهامات بالتخوين والذل والانبطاح وما إلى ذلك من النعوت القدحية الجارحة، لم يسلم منها حتى رئيس الحكومة المكلف الدكتور العثماني، بدعوى استسلامه السريع للخصوم وتفريطه في شروط سلفه.

        فالاتحاد الذي بات اليوم عرضة لسهام خصومه وخاصة من داخل الحزب “الإسلامي”، ناعتينه بالحزب الإداري والمخزني التابع لرموز “التحكم”، هو حزب وطني عريق، قدم أبناؤه من المناضلين الشرفاء تضحيات جسام في سبيل بناء الإنسان والنهوض بالوطن، وهو قوة سياسية ذات جذور عميقة، لا تنال من عزيمته الشدائد والمحن، بقدرما تزيده إصرارا على المضي قدما نحو المساهمة في استكمال البناء الديمقراطي. ويذكر ذوي النوايا الحسنة، أنه حتى قبل تحمله مسؤولية تدبير الشأن العام سنة 1998 بعد أربعين عاما من المعارضة، حين كان المغرب على حافة الانهيار ويصارع من أجل تخطي الأزمة الخانقة، واضطراره إلى الانخراط في العمل الحكومي استجابة لنداء الوطن، كيف استمر صامدا في وجه المؤامرات الدنيئة والحملات المغرضة، الرامية إلى ضرب مصداقيته والإساءة لقيادييه…

     صحيح أن تجربة التناوب ساهمت في إضعافه وتبديد الكثير من بريقه، لكنها لم تستطع القضاء النهائي عليه، إذ مازال يشكل شوكة عالقة في حناجر الجبناء. وإذا ما بدا للبعض أن تمسكه بالمشاركة في حكومة يقودها حزب، طالما نعته مناضلوه بالظلامية والرجعية والنكوص، غير مفهوم ويبعث على الاستغراب، فليس من منطلق التهافت على اقتسام “الغنيمة”، وإنما لعلمه الجيد بمدى قدراته على الإسهام في معالجة الملفات الاجتماعية الكبرى وإحداث التغيير المأمول. وأنه عاقد العزم على ألا يدع هذه الفرصة تمر، من غير أن يبرهن للجميع عن كونه رقما صعبا في معادلة الإصلاح، ويؤكد لهم بأنه قيمة مضافة للحكومة المرتقبة، في سياق ما تعرفه بلادنا من ظروف سياسية صعبة على مستوى خيارها الديمقراطي الحداثي، وفي ظل قضاياها الاستراتيجية، التي تتقدمها القضية الأولى المتعلقة بتطورات ملف الصحراء المغربية، لاسيما بعد العودة المظفرة إلى الأسرة المؤسسية بالاتحاد الإفريقي.

     والاتحاد الاشتراكي كما مارس وظائفه النقدية للسياسات العمومية في المعارضة، وحرص بشدة على القيام بواجبه التقييمي والرقابي للإجراءات الحكومية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا… وشارك في الدينامية المجتمعية خلال السنوات الأخيرة، دفاعا عن المطالب المشروعة لمختلف الفئات الشعبية. فإنه مطالب من موقعه الحكومي ورئاسة مجلس النواب بالارتقاء بمستوى الخطاب السياسي، تعزيز البناء الديمقراطي، تفعيل المقتضيات الدستورية،  تحصين المكاسب السياسية والحقوقية، تحقيق الكرامة والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، التصدي للقرارات اللاشعبية، الحد من توسيع دائرة الهشاشة ووقف تزايد الفوارق الاجتماعية…

     وعلى جميع قيادات الحزب تقدير حجم المسؤولية، واغتنام الفرصة خلال المرحلة القادمة لاعتماد استراتيجية سياسية، تقوم على قواعد جديدة في تنظيم الشؤون الداخلية للحزب، حسن تدبير سير مؤسساته وبناء قراراته الحاسمة، القيام بنقد ذاتي بناء على حوار جاد وصريح بين مختلف مكوناته، لتجاوز كافة السلبيات التي ساهمت بشكل أو آخر في حدوث معارك جانبية، أدت إلى التباين في الآراء، انسحاب البعض وتجميد البعض الآخر لأنشطته. ذلك أن الحزب اليوم أضحى في أمس الحاجة إلى كل أبنائه والمتعاطفين معه، تماسك فعالياته وانسجامها، تجديد النخب وإعادة هيكلة التنظيمات المحلية والقطاعية، تطوير الجريدة، النهوض بأحوال الشبيبة والذراع النقابية… حتى يسترد بريقه المفقود.

     فهل بمقدور الاتحاد كسب الرهان في بلورة ولو جزء يسير من برنامجه الانتخابي، وما اقترحه من تدابير إجرائية، يراها كفيلة بتجاوز الأوضاع المتردية، والمساهمة بفعالية داخل حكومة العثماني في معالجة الملفات الأكثر حساسية، من قبيل إصلاح الإدارة العمومية والشغل والتعليم والصحة؟

 

 

الثلاثاء :28 مارس 2017.