في البداية الطاقم المحيط بفرانسوا هولند، لم يكن يتجاوز عددا قليلا من المخلصين على رأسهم ستيفان لوفول وزير الفلاحة والناطق الرسمي باسم الحكومة، هذا الأخير، تحمل كذلك مسؤولية رئاسة ديوان هولند يوم كان كاتبا أول للحزب الاشتراكي،

ميشيل سابان زميله في الدراسة بالمدرسة العليا للإدارة، بالإضافة إلى جون ايف لودريون وزير الدفاع الذي تجرأ سنة 1985 خلافا للثقافة التي كانت سائدة آنذاك داخل الحزب الاشتراكي، على دعم خطوات جاك دولور التي دعا فيها الشباب الاشتراكي، إلى تأسيس مبادرات سياسية خارج صراع التيارات بين رموز الحزب.

المشكل في نظر بعض المتتبعين لا يكمن فقط في ضعف اليسار انتخابيا، بل في حجب الحقيقية عن الفرنسيين التي اكتشفها هولند قبل تقديم ترشيحه للانتخابات الرئاسية، ألم يقم بتقديم كتاب ميشيل روكار «نقطي على الحروف»، أوضح فيه الوزير الأول السابق وبأسلوب شفاف وبعد زيارات ميدانية إلى العديد من الدول الرأسمالية ، أن الأزمة التي تمر منها العديد من الدول هي صعبة، وأن الرجوع إلى المراحل العادية شبه مستحيل، فنسب النمو الضعيفة التي تعرفها اقتصاديات بعض الدول المتقدمة لن تنتهي على المدى القريب، مما يتطلب حسب ميشيل روكار ضرورة التفكير في بناء أسس لعالم بديل. هولند بعد فوزه الانتخابي، ترك جانبا هذه المعطيات الضرورية، معتقدا أن الوضع المتأزم اقتصاديا هو مجرد سحابة عابرة، سنتين داخل قصر الإليزي ستجعله يصطدم بحقيقة أخرى، لدرجة جعلت الاشتراكي باسكال لامي المدير السابق لمنظمة التجارة الدولية يصرح بأن «هولند يشتغل بعقلين الأول يفهم كل شيء والثاني يشتغل في السياسة فقط»، ديدبي ميكو الاشتراكي الذي عينه ساركوزي رئيسا للمجلس الأعلى للحسابات، أبلغ الجهاز التنفيذي بحقيقية الوضع المالي لفرنسا، ما بين 2007 و2012 المديونية العامة ارتفعت ب 600 مليار أورو، فوائد الديون التي تؤديها الدولة الفرنسية سنويا تعادل ميزانية الدفاع والعدل مجتمعة، الأرقام مفجعة في مقابل غياب الزعيم القادر على قول الحقيقة للشعب الفرنسي، في نفس الفترة الخزينة العامة وضعت رهن إشارة وزير المالية سابان الأرقام التي تهم الوضعية المالية للجمهورية، قراءتها تظهر أن ألمانيا متفوقة عن فرنسا، بل أن الأزمة أصبحت من ورائها. داخل فريق مستشاري الرئيس كان هناك نقاش حاد، الاتجاه الأول يقوده مانويل ماكرو المرشح الحالي للانتخابات الرئاسية، آنذاك كان يشتغل نائب الكاتب العام لقصر الإليزي بجانبه اكلينو مويرل المستشار السياسي للرئيس. الاثنان معا كانا مع قول الحقيقة للشعب الفرنسي، في مواجهة الكاتب العام السابق لقصر الإليزي بيير روني لاما الغير المتحمس لهذه الأطروحة التي قد تؤدي حسب قناعته إلى إشعال الفتنة وتخويف المستثمرين وإضعاف فرنسا دوليا.

في أول نقاش حكومي حول تحضير الميزانية، تم اقتراح ضرورة إعادة النظر في ميزانيات التسيير لاسيما في القطاعات العمومية، الرئيس اعترض بدعوى أن مثل هذه المخارج ستكون معاكسة للتوجهات السياسية للأغلبية اليسارية الحاكمة، إذن الحل في نظره هو الرفع من الضرائب، اعترف هولند لأول مرة في أواخر غشت 2012 بأن الوضعية خطيرة، خطابه لم يكن له صدى، أول مبادرات حكومته كانت هي حذف تعويضات الساعات الإضافية، قرار مس أكثر من 9 مليون أجير فرنسي، للتذكير فقط فالرئيس الحالي كان معروفا بدفاعه عن رفع الضرائب، هو الذي اقترح يوم كان برلمانيا شابا على الحكومة الاشتراكية في عهد بيير بيركوفوا رفع الضريبة الخاصة على الربح الصافي العقاري، في سنة 2000 قاد حملة ضد وزير المالية آنذاك لوران فابيوس محملا إياه مسؤولية تخفيض الضريبة على الدخل، هو الذي اقترح في عز الحملة الانتخابية الرئاسية لسنة 2007 على المرشحة الاشتراكية سيكولين رويال رفع الضريبة على الأجور التي يتجاوز سقفها 4000 أورو، استوعبت هذه الأخيرة خطورة هذه المقاربة، وفهمت أن أي خطوة من هذا النوع هي مساس بالفئات المتوسطة، القاعدة الانتخابية التقليدية لليسار الفرنسي، وخصوصا اليسار الاشتراكي، بالنسبة لهولند كان ولا يزال يعتبر أن الضريبة هي الخلاف الجوهري، الذي يميز اليسار عن اليمين المعروف بتخفيض الضرائب، لقد تحول الرئيس مع مرور الأيام داخل قصر الإليزي من رئيس منتخب إلى مجرد تقني متخصص في الضرائب.

تفوق عسكري بدون امتداد شعبي داخلي

بعد شهور من الفراغ السياسي، جاءت أزمة شمال مالي ليبرز هولند كفاعل دولي متميز، ففي 11 يناير 2013 اجتمع الرئيس بالوزير الأول ووزير الخارجية ووزير الداخلية ووزير الدفاع ورئيس أركان الحرب، تَمَّ الاتفاق على تفاصيل الخطة العسكرية التي تهم إبعاد عناصر القاعدة بالغرب الإسلامي من شمال مالي، أطلق اسم سرفال على العملية، التدخل تم رسميا تحت مظلة رسالة بعثها الرئيس «يانكوا تراوري» يطالب فيها بحماية شمال مالي من زحف التيارات الإسلامية المسلحة، بالرغم من غياب قرار أممي واضح، التفسيرات السياسية لقصر الإليزي أقنعت جل الفرقاء الفرنسيين على أن الجمهورية معنية بما يقع في المنطقة، فالأجهزة الأمنية الفرنسية قامت بإحصاء أكثر من 1400 جهادي من أصول فرنسية داخل صفوف التنظيمات القتالية في مناطق متفرقة من العالم ، الحرب إذن بالنسبة لهولند هي لحظة تحقيق الوحدة الوطنية التي تعرضت لهزة عنيفة نتيجة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية ثم الاحتقان الذي يعرفه الشارع الفرنسي بعد تقديم القوانين الخاصة بزواج المثليين التي كانت من الوعود الانتخابية للرئيس الحالي، عدم إلتزام بها سيجعله في مواجهة لوبي قوي يسيطر على مفاصل الدولة الفرنسية لاسيما في الاقتصاد والإعلام. المفارقة حسب الملاحظين هو أنه بجانب الرئيس مستشار عسكري، يشغل منصب رئيس أركان الحرب الخاصة، ورثه من عهد ساركوزي الجنرال بونوابيكما، كاثوليكي محافظ له عائلة تتكون من 11 طفل، بالإضافة إلى هذا الإطار العسكري وافق هولند في يناير 2014 على تعيين كاثوليكي آخر متدين هو الجنرال بيير دوفيليي رئيس أركان الحرب، حجته في هذه الاختيارات هو أن الاثنين أكثر مهنية وذكاء بالمقارنة مع الأطر العسكرية المنتمية لجيلهم. هولند حسب المختصين في قضايا الدفاع كان مطمئنا مادام أن التأطير السياسي لقيادات الجيوش يمارسها بذكاء وتجربة وزير الدفاع جون أيف لودريون، الذي عرف كيف يستفيد من تراجع النفوذ الأمريكي في الخليج العربي بعد الاتفاق النووي مع طهران، وزير الدفاع هذا يشكل نموذج الاشتراكي القادم من أعماق الشعب الفرنسي، والدته كانت عاملة في إحدى شركات النسيج، وأبوه مجرد مستخدم في إحدى مقاولات صنع قطع غيار السيارات، مارس السياسة من خلال انتمائه بتنظيمات نقابية مسيحية مما جعله مقربا من الوجه الاقتصادي الاشتراكي اللامع جاك دولور، حاول الرئيس السابق ساركوزي استقطابه إلى حكومته كما فعل مع بعض رموز الحزب الاشتراكي مثل برنار كوشنير، رفض العرض بلطف وديبلوماسية، مع لورون فابيوس الذي إلتحق برئاسة المجلس الدستوري كانا يشكلان التجربة والنضج داخل الجهاز الحكومي. فرنسا دخلت حرب مالي في عز أزمة اقتصادية هيكلية، فمديونية الدولة وصلت إلى مستوى من الصعب الاستمرار في تجاهله ذلك أن الميزانية المخصصة للعمليات العسكرية الخارجية وصلت سنة 2013 إلى 1.2 مليار أورو، في السنة الموالية تم حصرها في 450 مليون أورو فإذا بها تقفز إلى 1.1 مليار أورو، هذه الأرقام المخيفة أدت إلى صراع واضح وقوي بين وزارة المالية والمؤسسة العسكرية، تدخل الرئيس باعتباره دستوريا القائد الأعلى للقوات المسلحة، مقترحا بعض الحلول خوفا من رد فعل القيادات العسكرية المقتنعة بأن العمليات العسكرية هي امتداد طبيعي للسياسة الخارجية الفرنسية.

 

نشر بها 24 مارس 2017.