لا يجب أن تستاء الدولة الرسمية من توفير حد أدنى لقيمة المثقف والشاعر والمفكر في أجندتها التنموية واستراتيجياتها في تدبير الشؤون العمومية، لأنها إن فعلت فإنما تؤكد كرهها لأن تكون نخبها وخاصتها من أهل الرأي والمعرفة في صلب نهضة حضارتها وإنسانها، وهو ما لا يمكن استساغته عقلا ومنطقا. فالشعوب المزدهرة تقوم على قواعد وبنى الثقافة والعلم، تتقدم بهم وتسمو بأفكارهم ومشاريعهم. وقيم الحضارات الفاعلة في الحوليات البشرية هي العقائد الأخلاقية التي تبني الجوهر وتحرص على الحفاظ على مدخراته والذود عنه في السياسة والعمران والذاكرة والحياة.

ظل الوضع الاعتباري للمثقف المغربي مثار نقاش وجدل لا ينتهيان. وضع تنوء بحمله الكلمات القليلات ها هنا، لأن المقام يقتضي تحديد فلسفة الوضع الاعتباري للكائن الثقافي قبل أي شيء. وهو تحديد يندمج وروح الدور الذي يمثله المثقف في نسق المجتمع وإوالياته، وكذا اتساع الهوة بين قطبي المثقف والثقافة، بين يوثوبيا الثقافة وواقعية المثقف، بين ثورة الفكر واستبداد التفكير التسلطي.

المثقف الذي تحدوه الرغبة في أن يكون وجودا بعينه لا نصا خارج سياق الفعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بالدرجة التي يتماهى فيها ذلك الوجود الرمزي لكائنيته مع الوقائع والتمظهرات والأشكال العاكسة لسيرورة الفعل، قابضا على جمرة بروميثيوس متعالقا بين قوة عضويته المجتمعية ومراهنته على الثورة من داخل حالة الانكشاف التي يعيشها كصورة تجل ومغامرة، لا يزال مفتوما بوحدته الجسدية ومسيجا بأسلاك التبرير والاتكالية ومغبونا تحت طائلة العسف السياسي وسلطة القرار وقوته.

إذا كان الحديث عن الثقافة لا يتم بمعزل عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن الحقوق المشروعة للمثقفين لا تعدو أن تكون صيحة في واد وفرزا صاخبا للديماغوجية والاستهتار بمبادئ وقيم وسلوك إشاعة المعرفة وتنويعها وتقريبها لعامة الشعب. وإلا ما البديل الذي يفرضه السياسي على ظهر السلطة، للالتفاف على هذا المعنى وغصب كل ما من شأنه أن يبرز فعالية الثقافة وضرورتها في حياتنا ومآلنا؟.

ويلتبس معنى الوضع الاعتباري للمثقف في المجتمع المغلق بالانصراف عما يؤكد النبذ والإقصاء الممارسين عليه في ظل غياب رؤية منصفة وواعية بموقعه في صلب إدارة الحضارة. يكفي أن نتمعن قليلا في تقييمات التاريخ لهذا الوضع بدرجات متفاوتة متذبذبة لكنها حقيقة بالتفكيك والتأمل.

علامات مفصلية من تاريخ نهضة الأمم توثقها فعاليات فكرية وعلمية وازنة في العالم العربي والغربي على السواء، من ابن سينا إلى ابن رشد، ومن ابن الخطيب إلى ابن خلدون .. والقائمة طويلة، ترمز إلى مستوى انشغال السلطة بتمكين الثقافة والفكر وطبع مداراتهما بالجهوزية المستدركة لإعمال العقل وأبعاده، ليس في الصورة السطحية والترقيع كما هو منذور للهامش والتحشية، ولكن في عمق الرهان على تكريس الثقافة والفكر والمعرفة كشكل من أشكال التنمية، نسيجا في صناعة الحرية والعدل والخير والمساواة والكرامة.

وحتى لا نخفي الشمس بالغربال كما يقال فإننا مطالبون اليوم بإزالة التورية العقيمة التي أنتجتها فراغات المثقفين في منازل المجتمع ومناطقه المعتمة، إن على مستوى تقصيره في استرداد دوره الريادي والإصلاحي لتمثيل أمته واسترفاد خصوصيته الاعتبارية ورساليته، أو ضمور فعاليته وتواريها أحيانا تحت وابل التعتيم على موقعه في خارطة الحياة والمجتمع.

ولن تقوم له قائمة مادام رصيده في هذا الاحتدام منسلخا عن زمنية الحراك واتساع وسرعة العولمية، في وقت تتصادم فيه المعلوميات وتندثر الحشود الفاترة من وشائج الجمود والتقليدانية.

إن الوضعية الاعتبارية للمثقف هي الرصيد المتبقي من كرامته المهدورة أصلا في زمن تنحدر فيه القيم والأخلاق، وتتصادى عن ممكناتها ودواعيها. فلا اعتبار لوجوده مادام معدما وسلبيا ونكوصيا متغافلا عن تكسير طوق القيد الذي استبد به دون مقاومة من جانبه تكفيه شرور التسول والتقتير الممارس عليه.
وصدق دجون هوستن إذ قال وهو يفككك هذا التشوه الذي لحق بمثقف القرون الأخيرة من غرق الإنسانية:» لا مستقبل للمثقف وهو ينصرف غير عابئ بمخلفات المجتمع وأدرابه الوعرة. إن وجوده رهين بصعوده منصة المباهرة وإيثار الوعد والتضحية والصدقية …».

مارس 2017.