تحدث الأستاذ الدكتور فاروق عبد المعطي كثيرا عن كتابات إدريس يوسف. المقصود بالكتابة في موضوع الإبداع الأدبي عند هذا القاص والروائي من العيار الثقيل لا يمكن أن يكون فحواه إلا تفجيرا لما هو أكبر في الحياة المصرية الأدبية والفكرية والسياسية والاجتماعية.

إن تلاحم الحس الأدبي والسياسي والمهني لدى هذا الهرم المبدع حوله إلى صوت صارخ، ومسموع، ومنذر في الأوقات المناسبة والدقيقة بالرعود والصواعق والعواصف. إنه الإبداع الذي لم يزغ يوما عن طريق الحرية والتقدم والحداثة ومحبة الإنسان والغيرة على كرامته.

إن منطق التفاعل بين الدين والجنس، وأضيف لهما الرشوة التي تتوسطهما وتغذيهما، شكل مع مرور الزمن أرقى فضاءات التعايش المأزوم، في المجتمع المصري خاصة، والعربي عامة. إنه فضاء صون وحماية الصمت والسرية أمام الخطأ والخطيئة. فباستحضار رسائله الإبداعية، لا يمكن للقارئ إلا أن يستخلص أن أوضاع شعوب منطقتنا ما هي إلا انعكاس لمنطق تنشئة تم التركيز فيه أكثر على التسلط والقمع كآلية لتدبير الاستقرار والأمن ودوامهما بشكل متباين داخل الفئات المجتمعية المشكلة للهرم الديمغرافي لمجتمعاتنا.

إن ثورات الربيع العربي أبرزت سداد تخمينات وتحليلات ورؤى إدريس يوسف، التي عبر عنها بإبداعات أدبية ولوحات فنية في منتهى الروعة والجاذبية. قد نختلف أو نتفق معه قيد حياته، لكن ما حصل من تطورات إقليمية زمن الحديث عن الفوضى الخلاقة وبناء مشرق عربي جديد يدفع اليوم بالناقد والمتتبع للشأن الأدبي والفني العربي إلى الانضمام إلى معسكر المنوهين بإبداعاته وتنبؤاته الناضجة. إن التطورات التي عرفتها المنطقة، التي تراكمت قبل وبعد حصول شعوبها على الاستقلال، لم يترتب عنها إلا توازنات هشة وشكلية. أكثر من ذلك، هناك من نعتها سياسيا واجتماعيا، زمن الترتيب لترسيخها، بالزيف والعشوائية.

من خلال قصتيه القصيرتين، كنموذجين، الأولى تحت عنوان “في الأتوبيس 999″، والثانية “في بيت من لحم”، أبرز الكاتب حقيقة واضحة تتجلى في كون شيوع القهر وتغييب المشاركة الشعبية وتقاعس النظام التربوي والتعليمي المصري لم يؤد إلا لترسيخ ظاهرتين اجتماعيتين خطيرتين:

  • الأولى، ارتكاب الخطأ وممارسة الخطيئة في “صمت” و”سرية” يعني زوال الخطأ، ونفي الخطيئة.
  • الثانية، الذين يخرقون قانون الصمت أعلاه يؤدون الثمن باهظا، بحيث يتم اعتبار ردود أفعالهم المناوئة للخطأ والخطيئة حماقة وتحد للنظام المفروض.
  • إن انتشار التفاهة وترسيخ ثقافة الصمت جعل الشعوب تتطبع لعقود مع الآفات المجتمعية الخطيرة كالتحرش والاغتصاب والرشوة (وهو نفس الموقف الذي عبر عنه سي محمد كسوس بقوله إنهم يريدون خلق جيل من الضباع). لقد تم إثارة رقم 999 (الذي يعني 99.99 بالمائة) في القصة الأولى للتعبير عن منطق سياسي هجين، اعتمده النظام المصري طامحا من خلاله تحقيق ديمومة الحكم. لقد كان هذا الرقم مدويا في فترات إعلان النتائج الانتخابية والاستفتاءات (المشاركة والتصويت بنعم). إن الصمت أمام هذه الإعلانات الرسمية في مصر (وهو الرقم الذي اشتهر به كذلك عهد إدريس البصري بالمغرب)، كانت تعتبره السلطة السائدة موافقة اجتماعية من نوع خاص (موافقة بدون مشاركة).

إن جرأة المرأة الوقور ومناهضتها للقهر الجنسي غير الإنساني الذي تعرضت له داخل الأتوبيس المكتظ بالركاب، ومساندتها من طرف الأستاذ الجامعي إرضاء لفضوله العلمي، تحول إلى خرق لقانون الصمت. لقد تم اعتبار ذلك من طرف عامة الركاب خرقا يستلزم قمع مرتكبيه بشدة. حسب تمثلاتهم، التي ترسخت بفعل رقم 99.99 بالمائة، كان على المرأة المتعففة أن تتصرف بحكمة، وأن تبدع حلا عبقريا، وقضيب المعتدي منتصبا ينكز مؤخرتها المرسومة بعناية فائقة. كان عليها أن تصبر على اللسعات العنيفة وتتحملها ولو على حساب كرامتها وهمتها ونفسيتها. في نفس الوقت، كان على الأستاذ الجامعي الاحتكام للصمت وغض الطرف. بقدرة قادر، معاد لله عز وجل، تحول الحدث إلى إحساس لاشعوري بلذة الانتصاب على مؤخرة منحوتة ووقورة، ورغبة جماعية نبتت بتلقائية لدى ركاب الأتوبيس. لقد تم تكذيب المرأة ونفي الموضوع، وتم إنزال العقاب والبطش عليها وعلى مدعمها، لا لشيء سوى لقمع وطمس الجرأة المخلخلة للصمت، وقهر أي بواعث مروءة لتجديد وفضح فاعل “الخطيئة”.

في القصة الثانية، أثار الكاتب هذه المرة موضوع آفة الصمت الإرادي، غير المرتبط بالفقر والقهر والقبح والصبر واليأس. إنه صمت عن خطيئة مقترنة بمصلحة يسعى مرتكبوها إلى ضمان ديمومتها وتكرارها بنفس حدة اللذة والمصلحة. إنه في نظر الكاتب صمت متفق عليه، صمت بلا أي اتفاق، يسعى المستفيدون منه إلى تحويله إلى أقوى أنواع الاتفاق.

إن الكاتب ينعت هذا السلوك المشين، والمستشري في الروح الجماعية، بالسلوك الزائف، الذي يفرض على المتوافقين قبول ممارسة الخطأ أمام أعينهم أو لصالحهم بدون إعلان مبالاتهم برؤيته، ولا بسماعه. تزوجت الأرملة من المقرئ “الضرير” والبنات الثلاث، قبيحات الصورة، جائعات ومحرومات جنسيا، والخاتم هو الوسيلة الوحيدة المتاحة للشيخ “الضرير” لمعرفة “حلاله”. إنه الخاتم “الشرعي” الذي يحلل الحرام في الظلام.

في الليالي الدامسة تعمى العيون، الأم وبناتها، وكلهن مبصرات، صامتات، يتناوبن على جسد وقضيب الفقيه. في كل ممارسة جنسية، كان صاحب المصلحة الرسمي في العملية، بعد التأكد من الخاتم في الأصبع الاعتيادي، يتيه بين اللذة وهوية الأنثى. تارة يتلذذ الجسد الطازج، وتارة يستغرب من النعومة، وأخرى  يجد نفسه متفاعلا مع جسد حلال منهك.

بفعل التكرار، علم بخبايا المستور، وضاقت نفسه، وسيطر صراع الحلال والحرام على تفكيره، ليستسلم للصمت. سكن المسكين بالخوف من خدش المسكوت عنه بفعل افتراض حدوث مكروه. لقد تشبث بتأكيد معاشرة “حلاله”، جسد زوجته الحاملة لخاتمه باستمرار، وما ينتابه من شك، وهو الأعمى وليس على الأعمى من حرج، هو مجرد توهم. فامرأته تارة تتصابى، وأخرى تشيخ، وأحيانا تنعم، ومرة من ثلاث تخشن. لقد أقنع نفسه أنه لا يملك إلا الشك، والمسؤولية يتحملها كليا المبصرون.

خاتمة

عندما يستشري القمع والخوف وغياب المشاركة في المجتمعات يعم الصمت على الخطيئة والخطأ والرذيلة والفساد. فمناهضة الصمت في مثل هذه الحالات والظواهر المتشابهة يعتبر مؤشرا إيجابيا يصب في صالح منظومة التنشئة وخدمتها للمستقبل.

ففي الحالة التي يتصارع من خلالها الخطأ والخطيئة والمرجع الثقافي أو العقائدي ويتم الانتصار للفضح والتنديد بالاعتداءات والتجاوزات الإنسانية ومعاقبة الجنات، تتحول التطورات، مع مرور الزمن، إلى قيم مجتمعية راسخة بأسس تقتدي وتتغذى من التضامن والتعاون والتسامح، والغيرة على تقوية الروح الوطنية ومقومات العيش المشترك.

أما عندما يهدف النظام السياسي عكس ذلك، تتكرس في الروح الجماعية التناقضات القاتلة، ويعم التطاحن، ويتمزق الإنسان ما بين العار والتشيطن والعقد النفسية.