عرف مجلس النواب أخيرا نقاشا قويا حول قضية القاسم الانتخابي. ومن بين الوسائل التي استعملت في ذلك النقاش التعبير عن إرادة المعارضين للتعديل المتعلق بالقاسم الانتخابي الذي ادخل على المادة 84 من القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب, باللجوء إلى المحكمة الدستورية بدعوى ان التعديل المذكور مخالف للدستور

حقا ان المحكمة الدستورية ستضع يدها على التعديلات التي أدخلت على القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب. لأن الفصل 132 من الدستور يلزم أن تحال كل القوانين التنظيمية على المحكمة الدستورية لتبث في مطابقتها للدستور. إذ تنص تلك المادة على ما يلي:

” تحال على المحكمة الدستورية القوانين التنظيمية قبل اصدار الأمر بتنفيذها، والأنظمة الداخلية لكل “من مجلس النواب ومجلس المستشارين قبل الشروع في تطبيقها لتبت في مطابقتها للدستور

وأن صيغة “لثبت في مطابقتها للدستور” يستعملها كذلك القانون التنظيمي 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية.

غير أن مهمة البحث في مطابقة قانون معين للدستور لا تعني أن مهمة المحكمة الدستورية هي آلية أي ان مهمتها ان تقدم جواب ب ” نعم ” أو ” لا”.

بل أن المجلس الدستور سابقا، والمحكمة الدستورية حاليا استفادا من المستوى العلمي الرفيع لرؤسائهما والمجهود الكبير لأعضائهما فابدعا في خلق صيغ لا تتناقض مع مهامهما الدستورية. لكنها صيغ جعلت المجلس الدستوري والمحكمة الدستورية تتحللان من شرط الجواب بالمطابقة او عدم المطابقة مع الدستور عندما تثار امامها قضية مجتمعية لكن غير منصوص عليها في الدستور. فهل يصرحون بعدم مطابقتها لدستور فقط لكونها غير مذكورة فيه.

وهكذا صدرت قرارات دستورية استعملت فيها صيغة ا” ليس فيه ما يخالف للدستور” وهي صيغة عميقة, تقول بواسطتها المحكمة الدستورية، أن قانونا معين بالرغم من أن مقتضياته لا تتطابق مع مقتضيات الدستور. إلا ان ذلك القانون ليس فيه ما يخالف الدستور. فيسمح بتنفيذه.

لهذا نقرأ في عدة قرارات أن فصول معينة في القانون المعروض على المحكمة الدستورية توصف بصيغة انها ” مطابقة للدستور” أو ” غير مطابقته للدستور”. كما نجد بعد الفصول في نفس القانون توصف بصيغة ”    ليس فيها ما يخالف الدستور”.

غير أن من المفيد الوقوف عند الصيغتين أي صيغة ” مطابقة للدستور” وصيغة ” ليس فيه ما يخالف للدستور” لنقول أن الأمر ليس اختلافا في اللغة او التعبير أو الصياغة. بل في تقديري هو أعمق من ذلك. أي أن تلك الصيغ تحمل تأويلا إيجابيا عميقا لقواعد الدستور. كيف ذلك ?.

فيظهر أن المحكمة الدستورية عندما تستعمل صيغة ” مطابق للدستور” فهي تجعل من الدستور سقفا للحقوق والواجبات وبالتالي لا تسمح للبرلمان بان يسن قوانين تتجاوز الحقوق أو الواجبات المنصوص عليها في الدستور. باعتباره هو التعاقد بين الأفراد والجماعات والدولة في المجتمع. ولا يمكن تجاوز الدستور فيما قضى به.

لكن عندما تستعمل المحكمة الدستورية صيغة ” ليس فيه ما يخالف للدستور” فإنها تجعل من قواعد الدستور عتبة للحقوق والواجبات. أي ان البرلمان يمكنه أن يسن أي قاعدة قانونية لا يوجد في الدستور ما يخالفها.. وهو ما يعني ان ذلك القانون قد يتجاوز الحقوق والواجبات المنصوص عليها في الدستور لكنه لا تتعارض معه.

لماذا هذا التقديم ?

هذا التقديم يمهد للدخول إلى موضوع هذا المقال الذي هو هل يدخل في اختصاص المحكمة الدستورية فحص القاعدة القانونية المتعلقة بتوزيع المقاعد في انتخابات أعضاء مجلس النواب. أي القاسم الانتخابي ?

يصعب الجزم بالقول بكون المحكمة الدستورية يدخل في اختصاصها فحص مطابقة التعديل المتعلق بالقاسم الانتخابي او لا يدخل في اختصاصها. وذلك في انتظار الرأي النهائي الذي سيصدر عنها عندما يحال عليها التعديل المذكور.

لكن، لا شيء يمنع من ابداء وجهة نظر والمساهمة في هذا النقاش الغني وهي وجهة نظر قد تكون صحيحة أو قد تكون غير ذلك وتبقى دائما قابلة للنقاش.

وفي تقديري الشخصي أن فحص مطابقة التعديل المتعلق بالقاسم الانتخابي الذي ادخل على المادة 84 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب, لا يدخل في اختصاص المحكمة الدستورية للأسباب التالية:

أولا:

إن القواعد القانونية المتعلقة بالقاسم الانتخابي لا علاقة له بالدستور. لأن الدستور لم ينص ولم ينظم كيفية توزيع مقاعد البرلمان بعد عملية التصويت. وإنما أحال كيفية انتخاب أعضاء مجلس النواب والتقسيم الانتخابي على قانون تنظيمي. وذلك وفقا لأحكام الفقرة الثانية من الفصل 62 من الدستور الذي ينص على ما يلي:

” يبين قانون تنظيمي عدد أعضاء مجلس النواب ونظام انتخابهم ومبادئ التقسيم الانتخابي “وشروط القابلة للانتخاب وحالات التنافي وقواعد الحد من الجمع بين انتدابات ونظام “المنازعة الانتخابية.”

أن هذه احالة كيفية تنظيم انتخاب أعضاء مجلس النواب على قانون التنظيمي من قبل الدستور, يجب ألا تقرأ قراءة شكلية. أي القراءة التي تؤدي الى القول أن الدستور ليس له متسعا من الفصول ليخصصها لكيفية انتخاب أعضاء مجلس النواب فأحالها على قانون تنظيمي.

بل تقرأ تلك الإحالة على أن نظام انتخاب البرلمان ومبادئ التقسيم الانتخابي وغيرها مما هو منصوص عليه في الفصل 62 ليست قواعد دستورية أصلية و ليس لها قوة الالزامية التي لقواعد الدستور. بل هي قواعد ذات قوة ملزمة لكنها أقل من قواعد المنصوص عليها في الدستور. وإن كان الفقه الدستوري يصف القوانين التنظيمية بالقوانين المكملة للدستور.

أن إحالة كيفية تحديد مبادئ التقسيم الانتخابي على قانون تنظيمي هي إحالة من أجل الاختصاص. أي أن الدستور يعتبر تحديد مبادئ التقسيم الانتخابي لا تدخل في اختصاص الدستور. وإنما تدخل في اختصاص القانون التنظيمي.

والفرق كما نعلم هو فرق كبير, لان الدستور هو تعبير مباشر عن إرادة الأمة. لأنه يصوت عليه عن طريق الاستفتاء. بينما القانون التنظيمي هو تعبير غير مباشر عن إرادة الأمة ذاتها. لأنه يصوت عليه بواسطة ممثلي الأمة في البرلمان.

وهكذا يتبين ان الفرق بين الدستور وبين القانون التنظيمي هو الفرق بين التعبير المباشر عن إرادة الامة. وبين التعبير غير المباشر عن إرادة الامة.

وأن تصويت ممثلي الأمة على القواعد المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان بما فيها مبادئ التقسيم الانتخابي، هو من صلب اختصاص البرلمان.  بالتالي ليس فيه مخالفة للدستور. لان الدستور لا وجود فيه لأي قاعدة تتعلق بالتقسيم الانتخابي حتى يمكن للمحكمة الدستورية البحث في مطابقتها مع القانون التنظيمي الذي يصوت عليه مجلس النواب.

ثانيا

ان اسناد تحديد القواعد القانونية المتعلقة بالتقسيم الانتخابي لقانون تنظيمي يعني ان النية اتجهت لإخضاع القاسم الانتخابي للنقاش العام داخل البرلمان بين القوى السياسية الممثلة فيه. وهو ما يضفي عليها طابعا سياسيا. أي ان قواعد القاسم الانتخابي هي نتيجة التوافقات التي تقوم بها القوة السياسية في مجتمع معين.

إن الفصل 62 من الدستور عندما أحال تحديد قواعد التقسيم الانتخابي على القانون التنظيمي أي على البرلمان فانه , في الحقيقة , أحالها على التوازنات السياسية داخل مجلس النواب. لكي تحدد من خلالها قواعد التقسيم الانتخابي وفقا لأغلبية الأصوات. وهو ما يعني اعتراف الدستور بالطابع السياسي للقواعد القانونية المتعلقة بالقاسم الانتخابي.

لكن ما قد يخلق اليوم حرجا كبيرا للمحكمة الدستورية ولفقهاء الدستور والفاعلين السياسيين هو أن التعديل المتعلق بالقاسم الانتخابي لم يصوت عليه الحزب الأكثر عددا في البرلمان والذي عين من بينه رئيس الحكومة الحالية. بل صوتت عليه أغلبية من أعضاء مجلس النواب خارج الحزب الذي عين من بينه رئيس لحكومة.

أي اغلبية جديدة تكونت من برلمانيين لأحزاب مشاركة في الحكومة وبرلمانيين لأحزاب في المعارضة. وهذه الأغلبية الجديدة جعلت الحزب الذي عين منه رئيس الحكومة منعزلا وبالتالي اقلية في البرلمان.

في الدول الديمقراطية عندما يحدث مثل هذا الانقلاب داخل البرلمان , وإذا لم ينجح  رئيس الحكومة في الحصول على توافقات لتجاوز الازمة كما هو واجب اليوم على رئيس الحكومة السيد سعد الدين العثماني, فإن ذلك الوضع يترتب عنه استقالة رئيس الحكومة واستقالة الحكومة وفقا للأعراف الديمقراطية في الدول الديمقراطية.

 هذا الانشقاق الذي وقع في صفوف الأغلبية هو انشقاق سياسي للحكومة وليس لا دستوري ولا قانوني. و بالتالي كل ما ينتج عنه هو سياسي بطبيعته. بما فيه قواعد التقسيم الانتخابي.  

لكن، يجب ان لا نغفل ان أي تعديل للقانون التنظيمي ومنه تعديل المادة 84 من القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب يمر عبر التصويت عليه في البرلمان.

ومن المعلوم إن عملية التصويت داخل مجلس النواب تخضع لمراقبة المحكمة الدستورية بخصوص مدى احترامها للنظام الداخلي للمجلس, انطلاقا من المادة 26 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية الذي يجعل فحص مطابقة النظام الداخلي لمجلس النواب للدستور هو من اختصاص المحكمة الدستورية.

لذا يجب ان ننتظر ما ستقرره المحكمة الدستورية بخصوص هذه القضية. مع استحضار الفقرة الثانية من الفصل 134 من الدستور.

الدار البيضاء :الاربعاء 10 مارس 2021