عرف بالقراءة التمعنية المتأنية بأنواعها التحليلية والناقدة صباحا ومساء باللغات الأربع التي ارتقت حضاريا على المستويين الكوني والتاريخي. ولعه بالشعر والقصة والرواية والفلسفة، والتصاقه بالكتاب، وقراءاته الغزيرة لأشهر مؤلفات المفكرين والمبدعين في الفكر والآداب والعلوم الإنسانية، مكنه من مراكمة رصيد لغوي ثري وهائل جدا. السلاسة والسيولة في الكتابة حولته إلى كاتب مرموق عالميا. كان كلما كتب نصا باللغة العربية، لا يخلد للراحة إلا بعد ترجمته باللغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية، ونشره في أرقى المنابر الإعلامية. إنه أستاذ جامعي تعودعلى هذا الروتين اليومي منذ نعومة أظافره. نبوغه في تدريس الرياضيات النظرية والتطبيقية بالجامعة، إلى جانب غنى رصيده اللغوي، خلق منه شخصية عبقرية تضاهي أكبر الشخصيات المبدعة كونيا. ألف روايات عديدة في السياسة والحب والغرام والإنسانية وتلاقح الحضارات والديانات وتسامحها. كان لا يرى العالم إلا من خلال المرأة، المرأة الأم والأخت والعشيرة والحبيبة والزوجة. تعود على تكثيف نشر نصوصه كلما اقترب تاريخ 8 مارس مبررا القيمة التاريخية، فطنة وذكاء وإنتاجا، لنصف الرجل. قدس هذا اليوم وعظمه. دأب كل سنة على تخليد مجرياته وأحداثه بشكل متميز ونوعي. كالعادة، قبل موعد هذا العيد بيوم واحد، كان يشد الرحال سنويا إلى قصبة إمليل بالأطلس الكبير. بدار ضيافة تقليدية دافئة، التي تليها للا مسعودة عناية خاصة، ينزل في الصباح في الجناح الاعتيادي المخصص له بدون حجز مسبق. يرى في هذه المرأة الوقور رمزا للثقافة المحلية ذات الأبعاد الإنسانية والكونية. إعدادها لحفلة ليلة هذا العيد، وليوم الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، يشد انشغالها لأسابيع، واستطاعت، باعتراف الزائرين من أهل الثقافة والفن والعلوم المختلفة، أن تجعل من هاتين الليلتين حدثان بارزان وطنيا، تزداد جودة تنظيمهما وفقرات برنامجهما الاحتفالية بشكل لافت من سنة إلى أخرى.

استقل حافلة الساتيام من الدار البيضاء، لتنطلق عملية التأمل في سطور أجود الكتب التي بحوزته، وتخصيص لحظات لإراحة عينيه سارحا من نافذة الإغاثة في الأفق البعيد. وصل إلى محطة الرباط، وعيناه متتبعتان لكلمات السطور الوازنة بتمعن شديد، سيطر على حاسة شمه رائحة عطر لم يعهدها من قبل، وظل جسد أنوثي اكتسح عالمه الخاص، جسد لم يألفه شكله في أيام حياة رشده. لفظت بكلمة لينتبه إليها، معتقدة أنها أمام إنسان مغربي عادي. انتزع عينيه من السطور الجذابة التي تسافر به عوالم الإبداع الأدبي والفكري، لينبهر أمام مخلوقة كاملة الأوصاف. عيناها لم تفارق أغلفة الكتب الموضوعة على المقعد الفارغ بجانبه، خاصة رمزية صورها وكلماتها، منها المكتوبة بالحرف العربي، وأخرى بالحروف الفرنسية والإنجليزية والألمانية. القيمة المعرفية للعناوين جعلتها تفطن أنها أمام شخصية غير عادية، وربما مرموقة. ألقت التحية، واستأذنت بالجلوس إذا كان المقعد جانبه فارغا، ولا ينتظر مجيء مرافق له. رحب بها الأستاذ، لتأخذ الكتب وتضعها فوق ركبتيها.

انغرس الأستاذ في سطوره مجددا، لكن باله هذه المرة قاوم الانغلاق عن ما حوله. أدار طرف عينيه بزاوية صغيرة عندما أحس أنها تتصفح أشهر كتاب بحوزته، فعلت ذلك ذواليك، كتابا بعد آخر بترتيب يراعي أهمية العناوين ومدلولها. الفضول فرض عليه إغلاق الكتاب الذي بين يديه، ليوجه لها نظرات إعجاب وانبهار قائلا بالإنجليزية: “هل أعجبتك الكتب؟”. ابتسمت معبرة بتسام أنها مغمورة بجواره بكلمات أهرامات الفكر والمعرفة والإنسانية. استرسل في الكلام بسرعة متسائلا : ” ما بلد انتمائك وانشغالك العلمي والمهني؟”. أجابت على التو: “أنا عالمة آثار ألمانية، حصلت منذ سنة على شهادة الدكتوراه”.

بعد ساعة من تبادل معلومات الانتماء ومجالات الانشغال العملي والفكري، أخذ الحديث وقتا طويلا في موضوع الأجناس البشرية، والإنسانية. لقد تم المرور بشكل خفيف، وبتحفظ نوعي، على موضوع الجنسين الآري والسامي، وعلى حقبة هتلر والنازية. لقد أسرت له أن الشباب الآري اليوم بألمانيا لا يولي أي اهتمام للحماس الزائد، بل يؤمن بالعلم والسلمية والمنافسة في إطار الديمقراطية والإنسانية، كما يفعل الصينيون اليوم من خلال نظامهم الرئاسي الشمولي. وأضافت أن هتلر كان بحوزته كلب راعي ألماني أو كلب الجيرمان شيبرد، وكان معتزا به كثيرا بالرغم أنه يعلم أنه هجين سلالات سابقة. كان ظنانا بالنزعات العنصرية الأخرى، لكنه لم يكن مهووسا بالطائلة، بل كان عاصفا بأنفة بدون أن يستحضر فرضية انكفاء العتمة عليه. لقد اكتشفت فصيلة هذا الكلب الجرماني نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وهو يعد أفضل كلاب العالم في التعلق بالإنسان وإخلاصه له، لذا فهو من أكثر الكلاب انتشاراً، يستخدم الراعي الألماني ككلب شرطة وفي الحروب في جميع أنحاء العالم بسبب قوته وذكائه وسهولة تدريبه على طاعة الإنسان.

بهر الأستاذ برسائل عالمة الآثار، ليطرح عليها سؤالا : “ما مصداقية الحديث الرائج في شأن اعتزاز واعتراف هتلر بشجاعة وبسالة المقاومين المغاربة في الحرب العالمية الثانية؟”. أجابت بصوت دافئ : “هذا الكلام حاضر عندنا في الكتابات التاريخية المؤرخة لأحداث هذه الحقبة”. تعمدا منها لإنهاء الحديث في شأن المغاربة والألمان، مستحضرة فرضية استئنافه ليلا، واجهته بسؤال مماثل: “لم تحدثني عن شخصك؟”. أجاب بعجالة طامعا في تمديد الزمن للحديث عن التفاصيل فيما بعد: ” أنا مغربي أمازيغي الأصل، وأستاذ جامعي في الرياضيات النظرية والتطبيقية، قاص وروائي وباحث في شؤون المرأة بأبعاد كونية”. أضافت سؤالا فضوليا ” ما وجهة سفرك وما الغاية منه؟”. أجاب بعجالة كذلك: “تخليد عيد المرأة والاحتفال برأس السنة الأمازيغية بالأطلس الكبير أصبحا طقسان ملازمان لانشغالاتي السنوية”. باغتته بسؤال آخر، لم يكن مفاجئة لديهما :”هل بإمكاني أن أجد في جناح فضاء احتفالك غرفة لي؟”. لم ينتظر ولو برهة مرحبا بها في جناحه كضيفة شرف.

وهما في راحة تامة بالجناح تحت رعاية للا مسعودة، تبادلا الحديث مطولا، وعمقا النقاش في كل المواضيع المؤجلة، لتطلب منه أن يجلس على الأريكة قرب المدفأة بسرواله الداخلي فقط. أخرجت من حقيبتها أدوات الفنون التشكيلية، ليتفاجئ الأستاذ بالإبداع المبهر لامرأة آرية لا يمكن تخيل جمالها المتكامل المنحوت بعناية فائقة. أهدته اللوحة الفنية بعدما تأملتها جيدا. تأملت ملامح كل فضاءات وأطراف جسده، وطلبت منه الحفاظ عليها والاعتناء بها إلى حين. إضافة إلى أطباق للا مسعودة طالبته الفاتنة أن يعد لها طبقا ذكوريا يستمد مقوماته من العادات الاستهلاكية الشعبية المغربية.

استيقظ الأستاذ صباحا، ولم يجدها في الغرفة. لقد أخبرته للا مسعودة أنها غادرت المكان مبكرا، وطلبت منها أن تبلغه السلام والشكر على حفاوة الاستقبال والضيافة. آب الأستاذ إلى مدينة إقامته، ودخل عالما جديدا منذ ذلك اليوم، عالم يغمره الحزن الخفيف والابتهاج المترسب والأمل في غد أفضل. لا يعيش بإباء إلا على ذكرى واحدة مقاوما اجتثاثها من عالمه اليومي إلى أن تفاجأ، وهو خارج من باب الجامعة، بلوحة مشرقة. وقفت وأمامها طفل في الرابعة من عمره تقريبا. تسمر الأستاذ في مكانه، وانبعثت منها رسائل عديدة. إنها رسائل الإرادة، والذكاء، والإبداع، وعدم التسامح مع السلوكات الطفولية وأمام الإخلال بقواعد الاحترام أو الغباء. بعينيها المشرقتين كسرت لحظة الصمت بعبارة: “عشت لحظات المناسبتين السنويتين معك بدون أن أحضرهما منذ لقائنا الأول. لم أعاشر ولم أعمل يوما مع الناس الضعاف أو الأتباع، وكانت دائما حصائلي في منتهى الدقة والنظافة والحكمة والاجتهاد والانضباط والالتزام بالمواعيد”.

في الأخير أشارت إلى الطفل أمامها قائلة : “أتعرف من هذا؟” لتجيب بدون انتظار ردود أفعال عالم الرياضيات: “إنه الآري الأمازيغي“.