(*) عن جريدة الاتحاد الاشتراكي : عدد ي يومي الجمعة والسبت 26و27 مارس 2021 .

ننتظر زلزالا سياسيا

منذ أربع سنوات، أي في يوم 13 أكتوبر 2017، بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية الأولى من السنة التشريعية الأولى، رسم ملك البلاد الدعوة إلى إعادة النظر في النموذج التنموي المغربي القائم، والتفكير في تحيين هذا النموذج، ثم عاد إلى الفكرة من جديد، بعد عشرة أشهر، بالضبط في 29 يوليوز 2018، بمناسبة ذكرى عيد العرش، وقتها تقدم قليلا في رسم ملامح النموذج القائم حيث أوضح أن حجم العجز الاجتماعي ومتطلبات العدالة الاجتماعية والمجالية يدعوان إلى تجديد النموذج التنموي الوطني.
وبعد ذلك، وفي السنة الموالية، دقق جلالته في الموضوع، بالتنصيص في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية الأولى من السنة التشريعية الثانية، يوم 12 أكتوبر 2018، على أن “النموذج التنموي للمملكة أصبح غير قادر على تلبية احتياجات المواطن المغربي”.
ودعم التوجه الاجتماعي للنموذج المنتظر، من خلال عبارات الخطاب ذاته حول حاجة “المغاربة اليوم إلى التنمية المتوازنة والمنصفة التي تضمن الكرامة للجميع وتوفر الدخل وفرص الشغل، وخاصة للشباب، وتساهم في الاطمئنان والاستقرار والاندماج في الحياة المهنية والعائلية والاجتماعية التي يطمح إليها كل مواطن؛ كما يتطلعون إلى تعميم التغطية الصحية وتسهيل ولوج الجميع إلى الخدمات الاستشفائية الجيدة في إطار الكرامة الإنسانية”.
وجاءت الدعوة في خطاب عيد العرش يوم 30 يوليوز 2019، إلى مراجعة وتحيين النموذج التنموي الحالي، من خلال صياغة مشروع نموذج تنموي جديد يرقى إلى تطلعات وطموحات المغاربة ويحقق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي لبلادنا.
ووضع الملك عتبات صياغة هذا المشروع، من خلال الإعلان عن إحداث لجنة استشارية خاصة بالنموذج التنموي الجديد، وقال جلالته إن هذه اللجنة “لن تكون بمثابة حكومة ثانية، أو مؤسسة رسمية موازية؛ وإنما هي هيئة استشارية، ومهمتها محددة في الزمن”، لجنة، سنتعرف من بعد أنها تضم “مختلف التخصصات المعرفية، والروافد الفكرية، من كفاءات وطنية في القطاعين العام والخاص، تتوفر فيها معايير الخبرة والتجرد، والقدرة على فهم نبض المجتمع وانتظاراته، واستحضار المصلحة الوطنية العليا”…
كانت هذه الخطاطة كلها تتم في وضع «عاد»،تقريبا، بالرغم من أن المهمة كانت غير عادية ومستجدة فعليا…
شاءت الأقدار أن تختم اللجنة أشغالها، بعد أن يمر المغرب، والعالم لامتحان شديد المراس وقوي، للنماذج التنموية عبر العالم كله.
كما يحدث للحديد الذي يعمد بالنار ليصهر وتصاغ منه الوسائل التي تحتاجها البشرية..
ننتظر اليوم نتيجة عمل غير مسبوق، متراكب، متشابك بآثار على المستقبل القريب والمتوسط والبعيد لبلادنا.
يستوجب من السياق الحالي أن نخرج بمعان أولية حول هذا الامتحان الشامل.
– أولا: دبر المغرب، بواسطة نموذجه «القديم» القائم، لحظة من أقسى اللحظات في حياته، وهي أزمة الوباء التي ركعت الاقتصاديات ذات النموذج الواثق من نفسه، والذي أثبت جدارته في الأوضاع العالمية العادية…
ويمكن القول، بالفعل، إن تدبير أزمة ركعت نماذج صلبة، ينم عن إرادة قوية في الفوز، وفي النجاح.
وعليه فإن المطلوب، قبل النموذج وبعده، هو إرادة صلبة وقوية واستباقية، كالتي عاشها المغاربة مع قرارات ملكهم وقائدهم ..
بالنموذح القائم، والمسنود بإرادة سياسية قوية وواضحة، استطاع المغرب أن يعبر كورونا بنجاح إلى حد الساعة..(ألم تتكلم الصحف الإسبانية عن المعجزة المغربية؟(.
واستطاع خلق «خدمة وطنية» تعبوية، حول هذه المهمة حتى ولو كان قد أقر، على لسان عاهله، بأن النموذج لم يعد يستجيب لتطلعات المغاربة.

ثانيا: استطاع المغرب تدبير ملف أساسي وجوهري من ملفات النموذج التنموي الجديد ووضع السكة لذلك، وقد سبقت الإشارة إلى أن ملك البلاد ذكر، في خطاب أكتوبر 2018، التغطية الصحية وتطلع المغاربة إلى تعميمها وتسهيل ولوج الجميع إلى الخدمات الاستشفائية الجيدة .. وهو بند واحد فقط من بنود ثورة اجتماعية كبيرة دبرها المغرب، والواقع أن وزير المالية بنشعبون كان على حق، وهو يتحدث أمام البرلمان، خلال جلسة المصادقة على المشروع الملكي الخاص بتعميم التغطية الاجتماعية، عن ثورة اجتماعية حقيقية ونقطة تحول في مسار الإصلاح الشامل للحماية الاجتماعية ومشروع مجتمعي غير مسبوق.
لقد دبر المغرب هذا التحول وهذه الثورة، بوسائل النموذج القائم، لكن بإرادة سياسة تجاوزت الظرفية المأساوية إلى خلق أفق جديد للمغرب، قبل أن يتشكل النموذج في خطاطة عمل وفي مقتربات جديدة وفي تنويع الإرادة المعبر عنها!
إن الخلاصة هي أن المغرب، الذي لا يملك سحرا طبيعيا تحت ترابه، ولا عصا مدفونة في جباله وسهوبه، نفطا أو غازا، أبان عن قدرة ذكائه الجماعي في لحظات صعبة على البشرية كلها…
ويمكن أن نتنبأ، بدون خوف من الخطأ، بأن نأمل أنه سيحَيِّن سؤال بحره الأطلسي.. ويدفع بعدم إدارة ظهرنا للمحيط .
لقد كتب العروي في الصفحة 239، من كتاب»المغرب والحسن الثاني» الصادر سنة 2010 أن «المغرب جزيرة، يحيط بها البحر والجبل والصحراء(…) المغرب، سواء تحت حكم المنصور أو مولاي إسماعيل ، محمد الثالث، أو عبد الرحمان، تحت حكم محمد الرابع أو محمد الخامس، مع الحسن الأول أو مع الحسن الثاني، يواجه نفس المخاطر، شمالا، وشرقا وجنوبا، وعليه فإن الخلاص يكمن في المحيط الأطلسي الذي لم يعد للمغاربة أبدا أن يديروا له ظهرهم.».
وفي هذه النقطة، استطاع المغرب أن يدبر وضعا جديدا في واجهته الأطلسية، من خلال ميناء الداخلة.. وهو بحد ذاته تحد قوي، دبره المغرب بوسائل النموذج القائم والإرادة المتجددة…
الرجل الذي تولى هذه المهمة يعرف جيدا أن الملك خطب فيها مرتين بلغة غير مسبوقة ولا يرقى الشك إلى قسوتها، إذ أنه حرض على عملية قلب للتربة، حرض أيضا على هامش واسع لتقييم نموذج تنموي استنفد احتياطاته من الحلول.

  • نموذج تنموي أصبح غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة، والحاجيات.
  • نموذج تنموي أصبح غير قادر على الحد من الفوارق الطبقية والمجالية، الفوارق بين مختلف المغاربة وبين مختلف مكونات تراب المغرب..
    وطلب من الرئيس ومن اللجنة قبل ميلادها، أن تتحلى بكل الجرأة والموضوعية، «تسمية الأمور بمسمياتها، دون مجاملة أو تنميق، واعتماد حلول مبتكرة وشجاعة، حتى وإن اقتضى الأمر الخروج عن الطرق المعتادة أو إحداث زلزال سياسي».
    ننتظر إذن زلزالا سياسيا في محتويات النموذج..
    إن الزلزال السياسي يقتضي أن يسمى السي بنموسى القط قطا، والريع ريعا، والفقر فقرا واللص لصا.. وهو مطالب من وراء ذلك، بأن يكون أمينا في تسمية ما يجب تسميته حتى نفسح الطريق للزلزال، لكي يخرجنا من حالة الركود القلق، حتى لا نستحلي وضعية العجز الفكري التي يبدو أنها تليق بجزء من النخبة وتفيدها في استمراء وضع منذور لخلق كل التوترات، بل الاحتجاجات ..
    وقد كان الخطاب الملكي في الذكرى العشرين للعرش المومأ إليه أعلاه حاملا للتمثلات التي يجب أن ترافقها، تمثلات القيم التي لا بد منها لإنجاح هذا التفكير، وسلم قيم عملها،
  • الحقيقة، ولو كانت قاسية أو مؤلمة.
  • الشجاعة والابتكار في اقتراح الحلول.
  • التحلي بالحزم والإقدام، وبروح المسؤولية العالية.
    وفي مرحلة تالية، بعد الانتهاء من العمل..
    *تنفيذ الخلاصات والتوصيات الوجيهة ولو كانت صعبة أومكلفة .
    لقد مرت المهلةالكافية منذ أن طالب ملك البلاد بزلزال في أسلوب المعالجة وفي نتائجها وحلولها، وتم في هذه الفترة العودة إلى تجديد الحاجة و الضرورة إلى النموذج التنموي الجديد.. وخلالها اجتهدت الكثير من القوى السياسية والمهنية والمدنية في تقديم تصوراتها له، بل هناك محاولات عديدة أرادت أن تكون ناتج محصلة عمل مؤسسات دستورية، كما هو حال البرلمان وحال الحكومة، التي لم تفلح في صناعة مقترح وحيد بسبب الدور الذي أراد أن يلعبه رئيسها، بدون توفيق كبير..
    بل، وكان من الممكن أن تشكل الحكومة مؤسسة التفكير والاقتراح في المجال إياه، لكن ذلك لم يحدث، وهو ما قد – للتنسيب- يفسر قول ملك البلاد في خطاب الذكرى العشرين للعرش في طبيعة اللجنة ومسؤولياتها.
    فقد أطرها دستوريا بكونها لا ترقى إلى أن تكون حكومة ثانية..» هذه اللجنة لن تكون بمثابة حكومة ثانية، أو مؤسسة رسمية موازية؛ وإنما هي هيئة استشارية، ومهمتها محددة في الزمن…».
    في شكل اللجنة، ليس فوق الحكومة ولا تحتها، بل ولا تخضع لرهانات القوة التي تكون وراء تشكيل الحكومة أو المؤسسات الدستورية، بل هي لجنة تحتكم إلى روح التوافق في الواقع، الذي طبع معالجة الملفات الشائكة أو التي هي محط تنازع مجتمعي أو حزبي…..
    ننتظر إذن زلزالا!