صرحت المحكمة الدستورية المغربية، وهي أعلى هيئة قضائية في المغرب، تمارس الرقابة القبلية والبعدية على مدى دستورية القوانين، بأنه ليس في اعتماد القاسم الانتخابي ما يخالف الدستور.
وقد جاء حكمها الصادر في نهاية الأسبوع الذي ودعناه، ليضع قفلا دستوريا على عزلة سياسية لحزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة منذ عشر سنوات.
بدأت العزلة السياسية للحزب «الحاكم» لما انفرد وسط الطبقة الحزبية والسياسية المغربية برفض التعديلات والإصلاحات التي اتفقت عليها هذه الطبقة بخصوص القانون المنظم للانتخابات القادمة، التشريعية منها والجماعية والجهوية، وكان رفضه بداية، سياسيا ثم برلمانيا، عندما صوت ضد مشاريع القوانين ذات الصلة، ومنها القانون التنظيمي رقم 21.06 والقاضي بـ»تغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 11.59 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية كما وقع تغييره وتتميمه«.
وكان حزب العدالة والتنمية، أمام التصويت الساحق لفائدة القانون قد لعب الورقة الدستورية، من أجل إبطال القانون، بدعوى عدم ملاءمته للدستور المغربي.
مبررات الحزب الذي يقود الحكومة، كانت متعددة، منها الأخلاقي والمبدئي والسياسي، وكان طبيعيا أن تجري جولات الحرب في الدفاع عن القانون أو في العمل على إسقاطه داخل الدوائر المنذورة للنقاش السياسي والترافع والصراع حتى، غير أن تحويل حدود الفصل في الخلاف إلى حدود دستورية كان فيه نوع من التحكيم المؤسساتي الأسمى، بالمطالبة بمراقبة بعدية على القانون المعني ولاسيما منه المادة 84 المتعلقة بالقاسم الانتخابي.
وعلى عكس ما انتظر الحزب الرافض له،، فإن قرار المحكمة، اعتبر أن “اعتماد قاسم انتخابي يستخرج عن طريق قسمة عدد المصوتين في الدائرة الانتخابية المعنية على عدد المقاعد المراد شغلها، وعدم اشتراط نسبة معينة من الأصوات يتعين على لوائح الترشيح الحصول عليها للمشاركة في عملية توزيع المقاعد، ليس فيه ما يخالف الدستور، إذ لا يمس بحرية ونزاهة الاقتراع وشفافيته، ولا بدور الانتخابات المعتبرة أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، كما هو مقرر، على التوالي، في الفصلين 2 و11 من الدستور«”.
وأشارت إلى أن الدستور لا يتضمن أي حكم يتعلق بالنظام الانتخابي، بصفة عامة، ولا أي مبدإ يراعى في الاختيارات التشريعية المتعلقة بنمط الاقتراع، وطريقة احتساب القاسم الانتخابي، والقاعدة المعتمدة لتوزيع المقاعد على اللوائح المترشحة التي لم يبلغ عدد الأصوات التي حصلت عليها سقف القاسم الانتخابي، وتحديد نسبة معينة من الأصوات التي يتعين على لوائح الترشيح الحصول عليها للمشاركة في عملية توزيع المقاعد.
عكس ما كان متوقعا من حزب سياسي يقود الحكومة التي تقدمت بمشروع القانون، واحتكم للبرلمان في التصويت عليه، واختار، في النهاية، التحكيم الدستوري عبر المحكمة الدستورية، فإن »العدالة والتنمية«، عبر أمينه العام ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني، رفض القرار الدستوري في هذا الصدد.
وقد قال العثماني إن القاسم الانتخابي، كما تمت المصادقة عليه في البرلمان وأيدته المحكمة الدستورية “غير مقبول” «، وأعاد تشبث حزبه بموقفه لماقبل قرار المحكمة الدستورية .
وهو ما سيطرح أبعادا أخرى لمعركة القاسم الانتخابي-كاسر العظام السياسي، ومحاولات تأويل سياسي لقرار دستوري!
ومع أن عبارة “ليس فيه ما يخالف الدستور”«، حسب رجال القانون،» تجعل من قواعد الدستور عتبة للحقوق والواجبات، أي أن البرلمان يمكنه أن يسن أي قاعدة قانونية لا يوجد في الدستور ما يخالفها«، فإن الموقف السياسي للحزب الأول سيكون له ما بعده، في مناخ الانتخابات، كما في ما قد يترتب عن نتائجها.
لكن، قبل ذلك التاريخ المطروح كأفق في شتنبر، هل يمكن القول إن العزلة السياسية- الدستورية لحزب جدَّف مِن على موجة الربيع العربي، هي بالضرورة هزيمته في الانتخابات المقبلة؟
الجواب ليس بدهيا، كما قد يتبادر الى الدِّهن.
القراءة الأولى تعلمنا بأن الحالة السياسية الراهنة، تعنيي استمرار صعوبة اندماج في حقل سياسي تم وضعه في الواقع قبل أن ينال “البيجيدي” شرعية وجوده، حقل سياسي تحكمه قواعد لعب منذ ما قبل الاستقلال، تتغير أحيانا في الدرجة لكن ليس في الطبيعة، محكوم بالتعاقد الوطني بين الأحزاب السياسية الوريثة للحركة الوطنية، وبين الملكية، في القضايا الاستراتيجية، كالوحدة الترابية وطبيعة النظام ووحدة الدين، وبين الأحزاب الوطنية وامتدادات الدولة الحزبية بأذرعها القروية والوطنية، البرجوازية والدينية التقليدية، في قضايا التمثيلية السياسية وتنشيط الدورة المؤسساتية ومراكمة الإصلاحات، ضمن توازن سياسي تعقلنه الدولة أحيانا!
القراءة الثانية هي أن الحزب القوي سيظل قويا في القادم من الاستحقاقات، بعد أن تمكن من الحفاظ على وحدته التنظيمية بالرغم من كل الهزات، واستطاع أن يمنع انفجار تناقضات النظام السياسي والحزبي ،في ذاته، كما حدث لأحزاب سياسية سبقته في القوة والاكتساح الانتخابي، وهو بالتالي يشعر بأنه يخوض معركة حزب قوي يراد إضعافه، وليس حزبا يعرف أنه ضعيف يريد أن يتقوى بالمواجهة الشاملة.
وبحسب الكثيرين، فإن هذه القوة، حتى ولو ترجمت إلى ريادة انتخابية ونتائج في الصناديق، فإنها قد تشي بمقدمة لأزمة قادمة عندما يريد أن يكوِّن الحكومة.
من المرجح، لدى خصومه قبل انصاره أن العدالة والتنمية سيكون في قيادة الأحزاب الأولى في انتخابات شتنبر القادم، لكنه سيجد نفسه أمام سؤال صعب الجواب: ماذا سيفعل بانتصار حازه في سياق عزلة سياسية ونشوز برلماني – حكومي- دستوري؟
سيجد، ولا شك، صيغة أخرى لأزمة انخراطه في الحقل السياسي كما تم توصيفه من عقود في المغرب….. واحتمال خروجه الى المعارضة، ولو كان الأول في قائمة الاحزاب،ينض الدستور صراحة على حقه في تحمل تشكيل الحكومة كما سبق لأحد مؤسسيه، الوزير السابق لحسن الداوي ان قال في حوار صحافي .
القراءة الثالثة هي أن الأزمة الحالية قائمة لأن حلها السياسي المنطقي، منذ البداية، كان هو استقالة الحكومة الحالية.
وذلك لاعتبارات عديدة، ليس أقلها :

  • التعديل الانتخابي المرتبط بالقاسم لم يصوت عليه الحزب الحاصل على أكبر عدد من النواب البرلمانيين، والذي تم على أساسه تعيين أمينه العام، رئيسا للحكومة الحالية، بل حصل على أغلبية من النواب خارج هذا الحزب.
  • تشكل أغلبية جديدة من أحزاب بعضها مشاركة في الحكومة وبعضها في المعارضة، وهو ما حول الأغلبية أقلية والأقلية أغلبية، في وضع غير مسبوق.
    ويرى العديد من المتتبعين أن هذا الوضع، في الدول الديمقراطية المتأصلة، يترتب عنه استقالة رئيس الحكومة، وأن رئيس الحكومة فشل في إحراز توافقات لتجاوز الأزمة ..
    لقد انضاف إلى التصدع السياسي والبرلماني والحكومي موقف من السَّير الدستوري والقانوني لإحدى الهيئات الأعلى في الهندسة الدستورية للقضاء. وهوما قد ينبئ بفصول أخرى، قد تؤثر، ولا شك، على التدبير السليم للانتخابات المقبلة التي بدأ مناخها ينشر طقسه منذ الآن!
    نشر في « الموقع العربي»

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي / الاربعاء 14 أبريل 2021