أصبح الانفراج السياسي، كمطلب، بندا رسميا في جدول الأعمال الوطني.
وقد رسَّمَته مواقف صادرة عن جزء من الأغلبية والمعارضة على حد سواء، دون ذكر الطيف الحقوقي والمدني، المتباين.
صار كذلك أولا، بإصدار المعارضة البرلمانية( الأصالة والمعاصرة؛ الاستقلال؛ والتقدم والاشتراكية) لبلاغ تدعو فيه إلى » ضرورة اتخاذ القرارات والتدابير الكفيلة بإحداث مَــناخ عام إيجابي قوامه الانفراج السياسي وصون الأفق الحقوقي«، وتكون بذلك قد صيَّرته رسميا نقطة في جدول أعمال الشأن العام، بعد مدة غير قصيرة من الصمت ..
وهذا النداء تم ربطه بسياق محدد، وبظرفية معينة، مفادهما الإسهام في »الرفع من نسبة المُشاركة، كشرطٍ أساسي لتقوية مصداقية المؤسسات المُنتخبة».
وصار كذلك قبل المعارضة، ثانيا ، حين عبر الحزب الذي يشكل قطب الرحى في الحكومة، في البيان الختامي للدورة الاستثنائية للمجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية لـ 21 مارس 2021 ،»عن رفضه لبعض التراجعات في مجال الحقوق والحريات«، كما سبق له أن أكد في دورة سابقة على» ضرورة العمل على بث نفس سياسي وحقوقي وتوفير شروط انفراج من خلال إيجاد الصيغة المناسبة لإطلاق سراح المحكومين على خلفية الاحتجاجات الاجتماعية والصحافيين المعتقلين«..
وبالرغم من هذه المطالب، من ضفتي المشهد السياسي، فليست هناك أجندة دقيقة لهذا الانفراج، تسمية وتعرية..ً!
ولم تُقدم أية وصفة لتفعيل هذا المطلب..
والملاحظ أن المطالب تأتي من أطراف هذا المشهد، غيرمرتبطة بالشرط العام للإصلاح، كما دأبنا في سياقاتنا الوطنية المتكررة منذ الاستقلال.
ومن باب التذكير فقط، فقد ظل مطلب الانفراج السياسي، في مغربنا المعاصر، وقبل مغرب المصالحة والإنصاف وفي ركابه، مرتبطا بالوضع العام في البلاد، وبالوضع الدستوري في حياكة الزمن المؤسساتي عندما كان الاعتقال أسلوبا في تلجيم السياسة، معارضةً وحركاتٍ اجتماعيةً.
كان المعتقلون في غالبهم ذوي انتماءات سياسية، حزبية مؤسساتية، أو معتقلين مناصرين لقرار صادر عن مؤسسة سياسية أو نقابية.. وهو ما لا ينطبق اليوم على مطالب المعارضة والحكومة في حد الوقت، باعتبار من هم معنيون بالإفراج والسراح، لا يخضعون لشبكة القراءة المذكورة هنا، فلا هم من المنتظمين في حركات سياسية، ولا إعلان حركاتهم الاحتجاجية جاء من قلب التأطير المؤسساتي أو بناء على قرارات معروفة الهوية التنظيمية، ولا هم يعربون عن تيار سياسي أو نقابي….إلخ.
وهو تحول ، وليس توصيفا سلبيا!!و نحن نجد أن سجل الاعتقال لا يحتفظ بأي من المنتمين لهذه الكيانات السياسية العاملة في الحقل الوطني.
والأحزاب تطالب بانفراج ليس لديها، ضمن موردها البشري الخاص، والحصري، معتقلين فيه، ولا لدى تيارات أخرى في الحقل العام المحكوم بالتأطير السياسي، وإن كان خارج دائرة العمل «المشروع».
ثانيا ،لا يرتبط الانفراج المطلوب، بأفق إصلاحي سياسي شامل كما تم التعارف عليه قبلا.
وأعلى ما تطلبه المسوغات السياسية فيه، هو تنشيط دورة المشاركة السياسية والاندفاعة الاقتراعية لتوسيع وعاء الشرعية الانتخابية.. دون أن يرتبط مطلب الانفراج بما هو أكبر، أي »عتبة لتأمين المسارات السياسية المقبلة.»والحال أن الشرعة الانتخابية لم تتأثر سلبا بالاعتقال،كما كان في السابق، بل هناك أسبابا ذات الصلة بالأداء السياسي لهذه الاحزاب نفسها!
والدليل أن الذي يستأثر بالسجال، برلمانيا وفي الساحة العامة، هو القاسم الانتخابي أكثر من غيره!!.
ثالثا، يغيب في المطلب، وجود تحديد وثيق ومباشر للمعنيين بالاستفادة من سقف الانفراج..وهو أمر سنعود إليه بتفصيل أكثر.
نحن أمام وضع جديد، لم يسبق لنا أن عالجناه في أدبيات الفعل السياسي الحزبي والمؤسساتي. سواء من حيث المعنيين والظروف التي قادتهم إلى الاعتقال، أو بالنسبة لإشكاليات القضايا التي كانت وراء هذا الاعتقال في قضايا، لا تبدو ذات طابع سياسي، مرتبطة بأفق إصلاحي عميق، تتملكه القوى الحزبية المعنية.
وهو قول هنا لا يفضي لا إلى تأكيد ولا إلى نفي، بل هو تسجيل معطى قائم يتطلب تجريد البلاغات من بلاغة اصلاحية… سابقة عليها!
الطلب يجب أن يدقق في موضوعه، وفي طريقة التعامل معه.
والحال أن الأمر ليس بهذا الوضوح التام، ودليلنا نستقيه من بلاغات الحزب الذي يقود الحكومة، إذ أنه يصرح، بالواضح، بالعجز عن توفره لمخرج حيث نص بلاغ الحزب على »توفير شروط انفراج من خلال إيجاد الصيغة المناسبة«..
فعن أي صيغة يتحدث ؟ وعن أي شروط؟
لا جواب هنا ..َ
هناك تحول آخر لا يمكن القفز عليه، مهما كان الموقف من الاعتقال والمعتقلين:
وهو أن أغلب النشطاء هم أقلية،( وليس قدحا ولا تجريما،حاشا) وليس لهم ما يثبتون به أنهم أغلبية أو قادرين على تشكيل أغلبية في الفضاء العمومي..أو الفضاء المؤسساتي..
ويعرفون ذلك، لا ينشغلون بالاقتراع العام… كامتحان واختبار لقناعاتهم.
لهذا يبدو تعبير البلاغات الحزبية في هذا الشأن غير دقيق في توصيف الحالة.
في الدول الغربية، يتم الحديث عن »الديموقراطية المتعددة الأقليات «عوض ديموقراطية الأغلبية التي ينشدها الفاعل الحزبي.
ولربما يحسن ، في هذا الباب، الرجوع إلى التعبيرات الحقوقية والمهنية ذات الصلة بالموضوع ذاته، للخروج من الوضع الحالي.
وفي ذلك، هناك مستويان:
المستوى الداخلي، والذي يحسن بنا أن ننصت إليه ونتابع دفوعاته وتنبيهاته. كما هو بيان المنظمة المغربية لحقوق الإنسان والنقابة الوطنية للصحافة المغربية، كمثال فقط.
ومستوى دولي، لا بد من أن نتحرر من ضغوطاته، في فترات معينة، كما هو حال الفترات التي ترتبط بمواعيد لها علاقة بالقضية الوطنية، وتتكون جبهة حقوقانية ضد المغرب، لا كدولة تمارس الأخطاء في تدبير الملفات ، بل كأمة يراد التشكيك في شرعية مطالبها الوطنية، أو في حقها الأسمى في الأرض والحياة، من البوابة الحقوقية.
النقطة الرابعة، التي تبدو لنا ضرورية: لمن ترفع المطالب، إذا كانت القوى الأساسية في المعارضة تتوجه إلى الحكومة، والقوة الأساسية في الحكومة ترسل قنينة في البحر، تذكرنا بتلك القطعة المعروفة في نصوص الابتدائي، »رسالة إلى الله الكريم«؟
السوال مشروع، لأن هناك وضعا جديدا خلقه دستور 2011 لا يمكن القفز عليه، وهناك وضوحا في التسمية صار جزءا إجباريا من الحقيقة في الملفات المتداولة، لا يمكن القفزعليه..
وهناك تحولات أساسية في الأشياء المشتركة بين التشريع والتنفيذ والقضاء، تستوجب إسماع صوت الحقيقة والحق والمؤسسات..لكي لا تكون السياسة مجرد تمرين أسلوبي عند أزمنة بعينها!
ولنا عودة إلى الموضوع!

المقال عن جريدة الاتحاد الاشتراكي / الاربعاء 28 أبريل 2021.