منقول عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

تحل اليوم 29 ماي 2021، الذكرى الأولى لرحيل الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي، أيقونة نضال سياسي وطني وتقدمي وتحرري بالمغرب، خلال السبعين سنة الماضية. فالرجل علامة فارقة في التاريخ السياسي المغربي، من موقع الكفاح من أجل استقلال المغرب، أو من موقع المعارضة من أجل دولة المؤسسات والحريات والديمقراطية، أو من موقع تحمل مسؤولية قيادة تجربة حكومة التناوب، التي شكلت منعطفا حاسما في صناعة مغرب القرن 21، الذي لا نزال في أول آثار نتائجها الإيجابية والتأسيسية إلى اليوم. ذلك أن مغرب ما قبل حكومة التناوب ليس هو مغرب ما بعدها.
عبد الرحمن اليوسفي الذي كرمته الدولة المغربية، على أعلى مستوى، من خلال تدشين جلالة الملك محمد السادس شخصيا شارعا يحمل اسمه في مسقط رأسه طنجة، وكذا من خلال إطلاق اسمه على فوج الضباط وضباط الصف المتخرجين لسنة 2019. هو أيضا عبد الرحمن اليوسفي الذي يحظى بمكانة تقدير استثنائية عند الغالبية الكبرى من المغاربة، كون سيرته تشكل معنى مغربيا للنزاهة والصدق والمروءة والكفاءة، منحت للسياسة معنى أخلاقيا رفيعا، أعلى من القيمة العمومية للمغرب بين محيطه الإقليمي والجهوي والقاري. ما جعل مختلف الأجيال والشرائح المغربية، حين تتمثل سيرة الرجل، وتتقمصها تكمل بها. وأن ذلك يتكامل مع الصورة الدولية التي كانت للرجل ولا تزال، كنموذج لرجل دولة استثنائي من دولنا المغاربية والعربية والإسلامية ودول الجنوب.
إن حلول ذكرى رحيله الأولى، بكل الزخم الذي يميز شخصية الرجل، وقصة تاريخه الخاص والعام، تعتبر مناسبة لإعادة تأمل نموذج وطني مغربي، نحتاج استعادته قيميا وبلدنا منخرطة في مشروع وطني هائل للتنمية، ومنخرطة في معركة عالمية لمواجهة جائحة كونية من مستوى جائحة كورونا، بمستويات نجاح مشرفة قاريا وعربيا ومن ضمن كل دول الجنوب. بالتالي فإن قيمة عبد الرحمن اليوسفي، كامنة في أنه يقدم لنا ملامح مدرسة نضالية وسلوكية، بتوابل مغربية خالصة، أساسي أن تتماهى معها الأجيال الجديدة، كقوة دفع إيجابية من أجل ترسيخ خيار الخدمة العمومية كأفق للبناء الوطني، في كافة أبعاد شروطه العصرية، المتأسسة على الكفاءة العلمية والتقنية والسياسية مؤسساتيا.
إن أبعاد شخصية اليوسفي متعددة، تعدد الواجهات التي انخرط فيها نضاليا، من جبهة المقاومة وجيش التحرير، إلى جبهة الإعلام والصحافة، إلى جبهة المحاماة، إلى جبهة حقوق الإنسان، إلى جبهة العمل الحزبي التقدمي والوطني. مما يجعل أمر تمثل بوثقة متكاملة لشخصيته وسيرته جد مركب وصعب. مما يفرض علينا في هذه الإستعادة لقيمته الرمزية، بمناسبة الذكرى الأولى لرحيله، أن نعيد التذكير بعناوين كبرى من سيرة حياته ومن مواقفه الوطنية والمغاربية، خاصة وأن التحديات الكبرى لبلادنا اليوم هي تحديات داخلية وإقليمية ومغاربية، في علاقتنا مع جوارنا الصعب مع الجزائر وإسبانيا، التي ملف وحدتنا الترابية في القلب منها.
فقد قال عنه مرة، صديقه الكبير، المناضل والمسؤول الجزائري، المبعوث الأممي الأسبق إلى سورية، الأستاذ الأخضر الإبراهيمي، في محاولة لرسم ملامح مميزة لشخصيته: «إن اليوسفي، يلوي لسانه سبع مرات في فمه قبل الكلام. وهو أشبه ببوذي، ومن الرجال الذي تتمنى النساء أن تضعن رؤوسهن على كتفه». ولقد لخص الأخضر الإبراهيمي بشكل بليغ، حقيقة هذا الزعيم الإتحادي، الوطني والمقاوم المغربي الكبير. فالرجل، سلوكيا، لا يمكن التردد في تصنيفه ضمن خانة فلسفة كونفوشيوس، المتأسسة على مبدأ «الزن» الهادئة، العالية الوقار. أكثر من ذلك، فإنني حين كنت أزور شقة اليوسفي رحمه الله بحي بوركون بالدارالبيضاء،كنت دوما أجد أن أغلب ديكوراتها وتفاصيلها آسيوية صينية ويابانية وكورية.
السر كامن في الفضاء الذي تشرب فيه دروس الحياة البكر، مدينته طنجة. إذ هناك، تشرب الرجل باكرا، معنى ثقافة الإنفتاح على العالم وعلى الآخرين، بتعدد أجناسهم وثقافاتهم ودياناتهم. هو الذي رأى النور فيها، يوم 8 مارس 1924، بحي الدرادب، من أبوين ينحدران من قرية جنوب مدينة البوغاز. هذا يعني أن اليوسفي، قد فتح عينيه في مغرب، بدأ يعيش أهله وأبناؤه تحولات هائلة، دفعهم إليها اصطخاب المصالح الدولية، التي شاء القدر، وشاء الموقع الجيو- ستراتيجي للمغرب، أن تكون البلاد فضاء لتدافع وتنافس عالمي، بين كل القوى الكبرى في عالم نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، حيث كل كان يريد له فيه موقع قدم ونصيبا من المصالح والفوائد. بالتالي، هناك، في أقصى نقطة من شمال المغرب، وفي أقصى نقطة للقارة الإفريقية، وهي تطل على قارة أوربا، في مفترق طرق بين بحرين (المحيط الأطلسي والأبيض المتوسط)، تشكلت الملامح البكر لشخصية اليوسفي، التي ستطبع حياته إلى الأبد، وستنحث فيه معنى سلوكيا أطر وجوده كمناضل وكرجل سياسة وكمقاوم.
جعل هذا كله، بطلنا، يقتنع باكرا، أن كل حقائق العالم نسبية، وأن الأحكام الإطلاقية لا تقود سوى إلى الخطل والتيه. فكبر على مكرمة اليقين، أن على المرء أن لا يصدر الأحكام سوى بعد أن يقلبها من أوجهها المتعددة، حتى يقلل من أسباب الإساءة إلى الحقيقة كما هي. ها هنا، يكمن السر، في تلك الطبيعة التي ميزت اليوسفي، دوما، وهي مكرمة الإنصات، بالساعات.
مباشرة، بعد تقديم وثيقة المطالبة بالإستقلال يوم 11 يناير 1944، وما تلاها من اعتقال لقيادة الحركة الوطنية، سيكون اليوسفي في مقدمة مؤطري تلاميذ ثانوية مولاي يوسف بالرباط، للمشاركة في مظاهرات يوم 29 يناير 1944، التي تم التنسيق سريا لتنفيذها في كامل التراب الوطني. وكانت النتيجة أحداث مدينة سلا التي سقط فيه قتلى كثر، بسبب قوة المظاهرة التي تزعمها حينها شاب آخر، رجل تعليم، إسمه عبد الرحيم بوعبيد، بتأطير مباشر من المسؤول الحزبي والوطني الكبير أبوبكر القادري. ستتطور المواجهة بالرباط، تلاميذيا، انتهت بمواجهة عنيفة مع مدير المؤسسة، انتهت بإصابته بكسر في ذراعه، ما جعل التلميذ عبد الرحمان اليوسفي يغادر الثانوية، ويصدر قرار بفصله نهائيا من الدراسة. حينها، كما حكى لي أكثر من مرة سي عبد الرحمن، سيدخل ما أسماه «مرحلة تشرد» (يقولها دوما ضاحكا)، جعلته يتنقل للإقامة عند عدد من زملائه في الدراسة ممن كانوا معه في مراكش أو الرباط، والتي قادته إلى مدن آسفي والجديدة وأبي الجعد، حتى مطلع سنة 1945، حيث سيقرر التوجه إلى المدينة العمالية الجديدة، الدارالبيضاء.
في إحدى لقاءاتي الخاصة معه، بشقته بالدارالبيضاء، على هامش تطورات ارتبطت بفريق «الإتحاد البيضاوي» (الطاس) الذي هو من أسسه، سنة 2012، ليس هنا مجال التفصيل فيها، سيحكي لي سي عبد الرحمان في سياق استعادته لقصة تأسيس ذلك الفريق الرياضي، ضمن خطة وطنية حزبية حينها لمواجهة الإستعمار، تتأسس على خيار الإعتماد على واجهات متعددة لتأطير المغاربة لتسليحهم بالوعي الوطني لمواجهة المستعمر وتجاوز أسباب التخلف أيضا (وهي واجهات العمل التنظيمي الحزبي ومحاربة الأمية والتخييم والعمل الجمعوي والإعلام والرياضة)، أكد لي قائلا: «الحقيقة أنه أسسنا فريقين وليس فريقا واحدا فقط. هما فريق كوزيمار العمالي بحي كوزيمار، وفريق الإتحاد بالحي المحمدي. كنت قد طردت مع عدد من التلاميذ الداخليين من ثانوية مولاي يوسف بالرباط، وأنا أهيئ للباكالوريا، بعد خروجنا في مظاهرة مؤيدة لوثيقة 11 يناير 1944، يوم 29 يناير 1944، وحاول مدير الثانوية روكس، منعنا، فدفعنا الباب بقوة، وسقط هو أرضا وأصيب بكسر في يده. كانت تلك المظاهرة قد تمت بالتنسيق مع مدن أخرى مغربية في نفس اليوم، منها المظاهرة الشهيرة بسلا التي تزعمها المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، والتي كانت بسبب اعتقال قيادة الحزب في اللجنة التنفيذية ومن نتائجها اتساع حجم الإعتقالات. بالنسبة لنا نحن في ثانوية مولاي يوسف، كان الشهيد المهدي بنبركة هو المسؤول عن تأطيرنا وبفضله التحقنا ب «الحزب الوطني» قبل أن يصبح اسمه «حزب الإستقلال». المهم بعد عودتنا إلى الثانوية أغلقت دوننا الأبواب وقيل لنا بالحرف: «اخترتم أن تخرجوا، فابقوا في الخارج». اتجهنا بداية، وكان بيننا تلاميذ من مختلف المستويات، حتى من صغار التلاميذ، إلى مسجد السنة المجاور، قبل أن تتدخل قيادة الحزب بالرباط وسلا لتوزيع أغلب التلاميذ على عائلات وطنية عدة بالرباط وسلا. بالنسبة لي، لم يكن ممكنا العودة إلى مدينتي طنجة، لأنني لا أتوفر على الفيزا. فكان أن بقيت أتنقل بين بيوت عدد من زملائي الذين كانوا معي في داخلية مولاي يوسف، أقيم عند هذا وذاك، أياما تطول وتقصر، حسب الظروف. كنت عمليا شبه مشرد (يضحك الأستاذ اليوسفي)، ولقد تجولت بين مدن أبي الجعد والجديدة وآسفي.
حين وصلت إلى الدارالبيضاء، بقيت على نفس الحال، حتى اتصل بي ذات يوم الوطني بوشتى الجامعي، وبنجيلالي بناني، والحاج محمد الباعمراني (كان موزع أفلام) والفقيه الحمداوي وبناصر حركات، فدبروا لي مسكنا عند المقاوم حميدو الوطني بدرب مارتيني بدرب ليهودي. فاكتشفت أن عائلته تسكن في السطح، بينما وسط الدار الذي كنت أنزل به مخصص للإجتماعات الحزبية. نفس الأمر اكتشفته أيضا في بيت الشهيد إبراهيم الروداني، حيث أفراد العائلة يسكنون في السطح في حر الشمس وبرد الشتاء، ووسط الدار للنضال الحزبي والوطني. المهم كلفت بمهمة الإشراف على خلايا عدة بدرب السلطان، وكان يسكن جار حميدو الوطني، المربي ورجل التعليم بوزيان، الذي ربطت به علاقة قوية. مثلما كلفت بالذهاب إلى معمل السكر كوزيمار بالحي الصناعي لتأطير العمال من خلال محاربة الأمية. اقترح العمال الأمر على مدير المصنع، فقبل. فابتدأت العمل في أواخر يوليوز 1944. وشكلنا أول خلية هناك وتفرعت عنها في ما بعد خلايا متعددة. المهم كنت أدرس أولئك العمال وكذا أبنائهم، بعد أن طلبوا مني ذلك، اللغة الفرنسية والحساب. وقبل نهاية السنة اجتزت الباكالوريا الحرة في الدورة الأولى، أما الدورة الثانية فقد اجتزتها بليسي ليوطي الذي تمكنت من التسجيل فيه ونجحت، فعينت للتدريس بمدرسة حرة وطنية لا تزال قائمة إلى اليوم قرب جامع ولد الحمرا قبالة ميناء الدارالبيضاء ومقر الإقامة العامة الفرنسية (المدرسة هي اليوم مدرسة فاطمة الفهرية. والبناية هي مقر نقابة الإتحاد المغربي للشغل).
أسست بالتوازي مع هذه المبادرات الرياضية، بتلك الأحياء العمالية، بعد أن لمست شكل التضامن المتأصل بين العائلات العمالية، أول إطار تعاضدي بينهم، بما يقتضيه ذلك من إطار قانوني. حيث أسسنا مكتبا تعاونيا تعاضديا برئيس ونائبه وأمين المال وحساب بنكي. واتصلنا بطبيب معمل كوزيمار ليحدد لنا نوع الأمراض التي تجوز تغطيتها والتعويض عنها. وأعتقد أن هذه التعاضدية، كما أخبرت لاحقا، لا تزال قائمة إلى اليوم في معمل كوزيمار.. كنا في الحقيقة قد عممنا تلك التجربة التعاضدية على معامل أخرى، مثل معمل التبغ بدرب السلطان. وللتاريخ، فإننا بعد الإنفصال عن حزب الإستقلال كحركة اتحادية سنة 1959، لم يتحمس الراحل المحجوب بن الصديق كمسؤول عن نقابة الإتحاد المغربي للشغل لاحتواء ذلك الرصيد الذي بني بصبر في الحي الصناعي بعين السبع والحي المحمدي، على المستوى التعاضدي، فأخده الإخوة في حزب الإستقلال وهو النواة المركزية لتأسيسهم نقابة الإتحاد العام للشغالين بالمغرب». (انتهى كلام اليوسفي).
بعد حصوله على الإجازة في الحقوق وفي العلوم السياسية بفرنسا، سيقرر العودة إلى المغرب، حيث استقر بمدينة طنجة سنة 1952، وبها فتح مكتب محاماة، بقي مفتوحا حتى سنة 1960، وانتخب نقيبا لهيئة المحامين بها. خلال هذه المرحلة من حياته سيصبح واحدا من أهم منسقي حركة المقاومة وجيش التحرير المغربي، خاصة حين سيصبح عنصرا فاعلا ضمن قيادة حركة المقاومة بمدريد، في بعدها المغربي والمغاربي.
في طنجة وتطوان ومدريد، ولد عمليا عبد الرحمن اليوسفي آخر، هو المقاوم المحارب الشرس والذكي. أصبح الرجل غرفة عمليات متنقلة بكل معاني الكلمة، تكمن قوته في أنه رجل فعل ميداني مسنود بمعرفة أكاديمية عالية ورفيعة، وبمعرفة قانونية جد أصيلة ودقيقة، ومتمكن من عدد من اللغات، هي الفرنسية والإسبانية والإنجليزية. وهذا بروفايل ناذر وقليل ضمن جسم حركة المقاومة المسلحة المغربية وجيش التحرير المغربي، الذي أغلب عناصره وقياداته من العمال والحرفيين، وليس من النخبة المتعلمة حاملة الشواهد الجامعية العليا.
أول اعتقال لليوسفي في زمن الإستقلال سيكون سنة 1959، وهو رئيس تحرير ليومية «التحرير» رفقة مديرها محمد الفقيه البصري، بسبب افتتاحية تقول بمسؤولية الحكومة أيضا أمام الرأي العام، وليس فقط أمام الملك. ولن يكون ذلك آخر اعتقال له، حيث إنه سيتعرض لاعتقال آخر صيف سنة 1963، ضمن ما عرف ب «مؤامرة 16 يوليوز»، بالدارالبيضاء، من داخل مقر الكتابة العامة للإتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى جانب كل أعضاء اللجنة الإدارية للحزب.
خلال سنوات المنفى ستتوطد أكثر علاقة اليوسفي مع صديقه الفقيه البصري، لكنه ابتداء من بداية السبعينات سيبتعد عن التوجه البلانكي الذي اختاره البصري، وستتوطد علاقاته أكثر مع عبد الرحيم بوعبيد، بدليل بعثه رسالة صوتية داعمة للتوجه السياسي الجديد للحركة الإتحادية أثناء المؤتمر الإسثتنائي للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية يوم 11 يناير 1975. كانت سنوات المنفى قد قادت اليوسفي إلى العديد من العواصم العربية والأروبية (الجزائر، طرابلس، بغداد، دمشق، باريس، جنيف، روما، نيويورك)، فيها تطور لمواقفه السياسية من التوجه المسلح العنيف إلى المجال الحقوقي، حيث انخرط اليوسفي أكثر في تأسيس اتحاد المحامين العرب وكذا المنظمة العربية لحقوق الإنسان، إلى جانب أدواره ضمن منظمة أمنستي الدولية لحقوق الإنسان وهيئة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ما جعله يصبح مرجعا عالميا في مجال منظمات حقوق الإنسان. مما مكنه من ربط علاقات دولية وازنة بمختلف قارات العالم، سواء ضمن الأممية الإشتراكية أو ضمن الأحزاب التقدمية والمركزيات النقابية العمالية الوازنة والمؤثرة عبر العالم. وهي الشبكة التي سيكون له دور مؤثر حاسم في كل زياراته إلى عدد من عواصم العالم (خاصة بأمريكا اللاتينية وبالهند وآسيا وإفريقيا)، بصفته وزيرا أول يقود حكومة التناوب ما بين 1998 و 2002. مما كانت نتيجته سحب أكثر من 34 دولة اعترافها بالبوليزاريو.

آخر ظهور عمومي له كان بوجدة من أجل توجيه نداء إلى الجزائر

كان سي عبد الرحمن اليوسفي رحمه الله، قد عبر لي مرة بشقته بالدار البيضاء (بحضور الأستاذ محمد الحلوي رحمه الله)، عن مرارة خيبة تثقل عليه وعلى جيله من الوطنيين، تتمثل في سؤال القلق من حال العلاقات المغربية الجزائرية. حيث تساءل قائلا في ما معناه: «كان جيلنا نحن منذ الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، قد واشج علاقات الأخوة بين شعوبنا المغاربية في المغرب والجزائر وتونس، وكانت الحقيقة المغاربية مجسدة فعليا في وحدة النضال من أجل الحرية والإستقلال. بل، صار الصوت المغاربي كلمة واحدة مسموعة، من القاهرة حتى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك، مرورا بباريس ومدريد ولندن وبرلين وموسكو وغيرها من كبريات عواصم العالم. وصرنا بقوة وحدتنا النضالية التحررية تلك، موئلا لكل أحرار إفريقيا، يضرب بنا المثل كتكل تحرري وطني مغاربي. لكن اليوم، منذ خمسين سنة ونحن في نزاع وراء نزاع، حيث لم تفتح أجيالنا الجديدة عينها سوى على منطق التنازع والخلاف. أخشى أن الجريمة الكبرى التي ارتكبت في فضاءنا المغاربي، هي أنه تم خلق أجيال جديدة، أجيال الإستقلال، لا ترى إلى شقيقها المغاربي سوى من موقع الخلاف وليس موقع الأخوة. وهذا مؤلم جدا أمام أرواح شهدائنا في المغرب والجزائر وتونس».
إن البعد المغاربي مركزي في فكر سي عبد الرحمان اليوسفي رحمه الله، هو الذي كان فاعلا مؤثرا منذ نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، في نسج علاقات قوية مع كل جيل كبار قادة التحرير ببلدان الجزائر وتونس، من موقع مسؤوليته القيادية ضمن حركة المقاومة وجيش التحرير المغربيين. لقد لعب الرجل دورا محوريا في تنسيق العمل مع حركة المقاومة الجزائرية وجزء من نسيج العمل الوطني والنقابي التونسي، من خلال توطد علاقته بشكل قوي مع كل من القادة الجزائريين التاريخيين مثل أحمد بنبلة ومحمد بوضياف ومحمد خيضر ومحمد العربي بن مهيدي. حيث سيكون صلة وصل حاسمة في كل العمليات المتعلقة بنقل السلاح وتجميعه وتوزيعه بين جيش التحرير المغربي وجيش التحرير الجزائري.
أكثر من ذلك، فإن آخر ظهور عمومي لليوسفي سيكون أثناء تنظيم المكتب السياسي لحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية للقاء شعبي بمسرح محمد السادس بمدينة وجدة في أوائل شهر دجنبر 2018، عقب الخطاب الملكي للعاهل المغربي محمد السادس في عيد المسيرة يوم 6 نونبر 2018، الذي وجه فيه جلالته نداء إلى الدولة الجزائرية لطي صفحة كل الخلافات المغربية الجزائرية، بشكل مباشر ودون حاجة لأية وساطات بينهما وبروح النضال الوطني المشترك بين الشعبين المغربي والجزائري، وبدون أية شروط مسبقة. حيث سيسافر اليوسفي رحمه الله، رغم ظروفه الصحية الصعبة ليوجه كلمة من وجدة إلى الجزائر، دعما لمنطوق الخطاب الملكي، وهي الكلمة التي التقيته ببيته بالدار البيضاء رحمه الله، وقدم أمامي تصوره حولها، حيث شرفني (مثلما ظل يفعل في مناسبات عدة خلال العشر سنوات الأخيرة من حياته) بصياغتها وتحريرها، وحين عرضتها عليه في اليوم الموالي، لم يغير منها حرفا واحدا.
هكذا، فإن آخر خطاب عمومي لليوسفي، وآخر ظهور عمومي له، كان من أجل المغرب العربي، ومن أجل تجسير العلاقات المغربية الجزائرية انتصارا للمستقبل ووفاء لروح شهداء التحرير بالبلدين. رسالة على أن أمله في فضاء مغاربي كتكل جهوي قد ظل حاضرا في وجدانه حتى الرمق الأخير. وهو النداء الذي بلغني أن الديبلوماسي ورجل الدولة الجزائري الأستاذ الأخضر الإبراهيمي سعد به كثيرا وتفاعل معه عاليا، هو الذي كان قد دخل في تنسيق منذ شهور مع سي عبد الرحمن اليوسفي من أجل مبادرة مشتركة بينهما من أجل الشعب الفلسطيني ومن أجل دعم مؤسسة «الأونروا» للاجئين الفلسطينيين، ربما تتاح فرصة أخرى لتفصيل القول فيها.

الكاتب : لحسن العسبي

السبت 29 ماي 2021.