لا أذكر الزعتر، إلا مقرونا بيدي جدتي، وهي تعد منه علاجا سريعا للزكام
ومقرونا بصوت مارسيل في أحمد العربي، وهو يغني درويشية
ليدين من حجر وزعتر هذا النشيد..
لهذا عندما ربط والي بنك المغرب، بين الزعتر والباكور وأزمة الثقة اختطلت الحواس والروائح والمعاني لدي.
اعترف بأن الزعتر نبتة عاطفية عندي، ولهذا سأكون موزعا بين العاطفة والتفكير الموضوعي في تعليقي على تصريحات الجواهري.
فما قاله عبد اللطيف الجواهري، قد يدخل في خانة المستملحات السياسية، كما قد نلفظ قشرته ولفظه ونحتفظ بجوهره، وقد نمجه لدربته في تبسيطية لا تليق بمساره وبموقعه.
وربما لولا الباكور والزعتر لكان الجوهر قد طغى على الظاهر، والفكرة انتصرت على حامله الدارج.
وجوهر ما قاله ليس أكثر من تصريف معاينة شاملة، اسمها أزمة الثقة بأسلوب شخصي، لا يروق لنا.
يصعب أن تكون الأزمة شاملة، ويكون الحائط القصير الوحيد هو الأحزاب، وأبناؤها الصادقون لا يتخلون عن نقدها، ويقولون فيها ما لا يقوله أعداؤها في أحيان كثيرة، وفي لحظات التجلي النقدي، ولحظات الخصام مع الذات، ولحظات بناء التحولات ومساءلة النفس من زاوية خدمة الجماهير ووطن الجماهير.
أسلوب التنكيت لا يليق، والأسلوب، كما عودتنا البلاغة الفرنسية المسكوكة، هو الرجل.
أسلوب «التزعتير والتبكير» لا يليق بروح ملؤها الدقة، ولا بذهن اقتصادي تحذوه الصرامة الأخلاقية.
وقد يكون مظهرا من مظاهر التوتر المستمر بين الحقل الحزبي والشركاء السياسيين، من جهة، والحقل السياسي والشركاء الآخرين من جهة ثانية، كما قد يكون صادرا عن شعور عام باستمرار مسلسل فقدان الديموقراطية لحيويتها، في الأفكار وفي المورد البشري، معا.
قد يكون انزياحا تقنوقراطيا، غير ظالم، بلغة سريعة الانتشار، كالحريق في لغة الخشب أو سريعة الإقناع كالغضب…
على كل، لا يمكن أن نحصر كيان الجواهري في تقنوقراط المال بالمغرب، إذ طالما نشط النقاش العمومي بمواقف تهم الخيارات الأساسية، ومنها الثقة في المؤسسات الوطنية.
فهو ينتمي إلى نخبة وطنية التزمت مدنيا منذ فجر الاستقلال، وهو الذي كان في ريعان شبابه الجامعي مسؤولا في قيادة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في موسم 61/60، وتظهره صورة التقطها مرادجي لندوة من ندوات أوطم في بداية سنوات الرصاص، إلى جانب النقيب المعروف، والقيادي الاتحادي الشهير السي محمد الصديقي، وتقول حوليات تلك المرحلة، بأنه لطالما شارك في المنتديات الدولية والقارية التي كانت تحضرها اوطم باعتبارها تيارا تقدميا وسط الجامعة المغربية الحديثة، يعلن انحيازه إلى قيم اليسار وأفقه التاريخي.
لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر، منذ تلك الفترة وإلى حد الساعة..
ولم تتلبد سماؤه، دوما، بالغيوم التي كانت تغرق الحزبيين المخلصين في القلق والشك والحيرة، وكانت الثقة لا تقف عند العزوف، بل كانت أزمة الثقة تصل إلى.. الاختطاف والاغتيالات والزنازن، وكان المناضلون، الذين يذهبون ضحية انعدام الثقة لا يقفون عند حدود «السذاجة»، التي لخصها المرحوم بوعبيد : في نهاية المطاف لا نخسر سوى حسن النية، بل كانوا يفقدون أرواحهم في أزمة ثقة محددة الأطراف.
أزمة الثقة اليوم أصبحت شذرية، شبكية، متعددة، وليس للفاعل الحزبي فيها سوى نصيب ..بحجم مسؤوليته عن كيانه، وعلاقته بالمغاربة.
وفي بلاد تريد بناء الديموقراطية بالأدوات التمثيلية المتعارف عليها، وتأسيس حياتها المؤسساتية على قاعدة قوة الأحزاب، نجد أن نضج وقوة وسلامة الفاعل الحزبي يستأثر بكل الأضواء، وتتمحور حوله كله الأسئلة، غير أن أزمته لا يمكن الجواب عنها بظروفه هو وحده بقدر ما يجب استحضار «الكل الوطنيle tout national»!
وعليه فالأزمة الحزبية، والتي لا ينكرها الفاعل الحزبي نفسه ويسعى إلى علاجها، ليست أزمة معلقة، معزولة أو مختبرية، بحيث إنها توجد في الخلية الحزبية المريضة وحدها، بل صارت أزمة نسقية تمس مناطق عديدة من بناء الدولة وغرفها وأسسها.
هذا ليس تبريرا، والرد على الجواهري، لن يخفي بغربال سجالي حقيقة ساطعة عنوانها الأبرز هو الأزمة والثقة، والتي جعل منها تقرير النموذج التنموي الجديد العنوان والشعار، ولو كانت تخص الأحزاب وحدها لاكتفى بعنوان فرعي في الفهرس!
وهنا اقتبس فقرة من تقرير بنموسى تقول إنه:»مــن المهــم إعــادة الحيويــة إلــى الهيئــات الوســيطة لاســيما الأحــزاب السياســية التــي، تعتبــر عمــاد الديمقراطيــة التمثيليــة كمــا يجــب إعــادة تنشــيط المشــاركة السياســية مــن خلال انفتــاح واســع للأحــزاب السياســية علــى القــوى الحيــة للمجتمــع وتحصيــن الحقــل الحزبــي، (بمعنى رفع اليد عن التدخلات في تفاصيله الداخلية ، التي تقوضه) ….»
قبل أن تضيف، »يجــب أن يقــدم الفاعلــون التمثيليــون، المنتخبــون مــن طــرف الأمــة، مثــالا للقــدوة والنزاهــة«، ولعمري، كما تقول العرب القدامى وحسن نرايس، فالحديث عن افتقاد القدوة والنزاهة أقسى في سياق الحديث هنا، عن «الباكور والزعتريات….»
لا يغيب عنا مشكل الثقة بيننا وبين المواطنين، كمؤسسة للسياسة لا كتنظيمات في التأطير فقط، وهناك أزمة أكثر مضاضة وهي الثقة داخل المؤسسات نفسها وبين الأفراد، وهنا تكون أكثر إيلاما وقساوة، لأنها من سوء الحظ تنبني على الدسائس والمهاترات وعدم الرضى بالثقافة الجماعية وتسقط سمو القيم في تكوين التنظيم الوسيط، نقابة أو جمعية أو حزبا أو جماعة ترابية…
إن السؤال الأعمق في الثقة، هو سؤال السلطة في الواقع وكيفية اقتسامها بين المنخرطين وبين المواطنين، بشكل يقدم السياسة كفعل تطوعي حضاري لبناء مجتمع قوي ونموذج سياسي مؤسساتي وصلب..
ومن الغريب حقا، في باب الردود، أن يتم تهديد عبد اللطيف جواهري بمناقشة «جدية، لا باكور فيها ولا زعتر»، للسياسة النقدية أوالقرارات المالية إن هو لم يعتذر:
اعتذر عن الباكور
اعتذر عن الزعتر
وإلا كشفنا المستور!
هذا الأمر، في الواقع، يشبه الابتزاز، ويقعد لمؤامرة الصمت:
فالاعتذار سيكفي المغاربة شر معرفة ما أحجم المهددون عن كشفه؟
أليس هذا أقسى وأقبح من زعتريات لغوية وباكور سياسي؟
هذا ما يجعل بالفعل مناقشة رجل مؤسسة حكامة مالية ليس في صالحنا دوما ..نحن الذين نحاول أن نبني الثقة، بما راكمه اليسار الوطني من خلال مساره الصعب، ونحاول أن نبني مشتركا قيميا، يمكن أن يثق فيه المواطن في الحزبي، ويثق الحزبي في الحزبي، ويسيران معا، بدون أقنعة ولا حدائق خلفية ولا تشكيك يقتل الروح الجماعية للمغاربة أجمعين.
تستحيل ممارسة السياسة بدون حد أدنى من الثقة، وفي غيابه يُترك المجال مفتوحا لقواعد لعبة غير سليمة، منها اقتصاد السوق السياسي»…

  • المقال عن جريدة الاتحاد الاشتراكي : 25 يونيو 2021
  • الرابط :https://alittihad.info/khater/%d8%b2%d8%b9%d8%aa%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%84%d8%ba%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a8%d8%a7%d9%83%d9%88%d8%b1-%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%9f/