إن قراءة هذه القصة الشيقة بتمعن أبرزت لي مجددا نجومية الكاتب الدكتور العلامة علي القاسمي في تعاطيه التقدمي والحداثي مع المواضيع والإشكاليات التي عرفتها وتعرفها الإنسانية في العصر الحديث مستحضرا تطور مسارات تواريخ حضارات عريقة تصارعت وتنافست مع مرور العصور والأزمنة. بكل موضوعية، كلما زاد تعمق القارئ في تأمله وتفكيره في الثيمات التي يتناولها في كل قصة على حدة، يتضح له أن الكاتب سما بجدارة واستحقاق إلى مصاف الرواد عالميا في سماء الإبداع القصصي، ليحتل موقع نموذج عالم مناوئ للتسلط السياسي والثقافي الوائد لحرية الإبداع والتفكير التفوق الذاتي والوطني والحضاري. اختار بحرية تامة وطنا ثانيا، المغرب، ليتحول ترابه بالنسبة له، بكرم ضيافته وطيبوبة شعبه وخصوصيته السياسية والثقافية والفكرية، إلى فضاء للإنتاج الأدبي والفكري الزاخر بالرسائل والعبر.

الملتهم للقصة موضوع القراءة “جزيرة الرشاقة” لا يمكن أن لا تخالج ضالته الأدبية والحكائية والوجودية خصوصيتها الإبداعية وأبعادها التاريخية الحديثة التي تخص الماضي القريب والحاضر والمستقبل، وعمقها التربوي واللغوي والنفسي والفلسفي والتنموي، وجمالها الأسلوبي والتصويري والتوثيقي. لقد اختار الكاتب العراق كنموذج بلد عربي أو جنوبي مكانا لتوالي أحداث القصة، طامحا بلا شك وصف وتحليل وتوقع العلاقات ما بين الشمال والجنوب عبر الأزمنة الحديثة ومآلها المستقبلي. وهذا الأمر ليس بالجديد عن القاسمي. إبداعه الأدبي تجاوز عتبة الرقي في مسار إنتاج غزير، منح لانشغالاته اللغوية المجمعية والمعجمية، التي جعلت منه رائدا من رواد صناعة المعجم التاريخي العربي، مكانة بارزة إلى جانب نفر من المبدعين في الأدب والفكر والفلسفة التواقين لإتمام معالم مشروع نهضوي عربي بأبعاده النظرية والتطبيقية، وبمجالاته التربوية والتعليمية والثقافية والفكرية والاقتصادية والعلمية.

أبعاد القصة تنفض الغبار على موضوع شديد الحساسية يتعلق بضعف ثقافة حفظ التراث وعلوم الآثار عربيا، وما يرتبط بذلك من ثيمات كمقومات المواطنة والصراع ما بين الشرق والغرب، مركزا على حاستي البصر والذوق في التصوير والوصف. لقد مزجهما بإتقان لصناعة خليط من التصورات السردية واصفا حقيقة ماضي وحاضر ومستقبل علاقة الشرق والغرب بأسلوب ساخر، قدم من خلاله لوحة تعبيرية لتأخر الشعوب المشرقية من جهة، وأهداف الوافدين الجيواستراتيجية (الغرب) من جهة ثانية. لقد تعمد استعمال ضمير جمع المتكلمين للتعبير كون القضية حساسة وشائكة تتعلق بمصائر شعوب مختلفة حضاريا وتفاعلاتهم التاريخية وتباين مستويات نهضتهم وتنميتهم وتطورهم.

لقد محور قصته، حسب تأويلي، وجعل أحداثها تدور حول حقيقة لا يمكن لأحد نكرانها. لقد تخلت دول صانعة عصر الأنوار عن نعومة إيديولوجيته التي كان أساسها التحرر وضمان حقوق الإنسان الكونية، مفضلة خيار أو نزعة الغطرسة التي تجيد، تارة في الخفاء وأخرى في العلن، التعبير العنيف، وممارسة التطاول، والتحكم، والتسلط، وتيسير عمليات استغلال ثروات الشعوب العربية، ليتوج المسار برمته بحدوث هوة بين الشمال والجنوب، يتوسع مداها مع مرور الساعات والأيام والسنوات والعقود.

الوصول إلى مرحلة الإشباع غربا، التي توجت مسار تطبيق إيديولوجية الشمولية والعولمة، أحدثت انفجارا إعلاميا حول تفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية والسلوكية، الواحدة تلو الأخرى. تم فرض حرية حركية الرأسمال والسلع والخدمات بسلط مؤسساتية كونية (مجلس الأمن، المنظمة العالمية للتجارة،…..) مباشرة بعد نفاذ سنوات أربعة عقود من الاستقلال تقريبا بالنسبة للدول العربية ودول الجنوب، السنوات التي أعقبت فترة استنزاف استغلالي استمرت تحت غطرسة حركات امبريالية واستعمارية دامت تقريبا نفس معدل المدة.

توجت نهاية القرن العشرين بمستجدات سياسية جديدة فرضت الاستسلام لفترة توقف وتفكير في موضوع البحث عن مقومات حكامة دولية في سياق زمني استثنائي تمت تسميته بمرحلة ما بعد الحداثة. هاجرت منذ بداية القرن العشرين السيولة وقيمة الخيرات الترابية الطبيعية إلى الشمال، أي إلى جزيرة الرشاقة كما سماها القاسمي “كنّا نحن الأطفال نسمّيها “جزيرة الرشاقة”. وكان بعضنا يتقعَّر في كلامه فينعتها بـ “جزيرة الرشاقة والأناقة”. أمّا الكبار فكانوا يلقّبونها بالعالم الحديث”.

تم بعد ذلك إلغاء الحواجز الجمركية، لتنهج الدول الأكثر تقدما في العالم سياسة تشجيع الطلب وتيسير منح القروض، ليترتب عن ذلك تكيفا للعرض مع التزايد الصاروخي للطلب، وتوسيعا للقدرة الإنتاجية للوحدات الصناعية المختلفة. أنهكت أجور الطبقة النشيطة كونيا بتفاقم القروض الاستهلاكية، وتحولت مستحقات البنوك والمؤسسات النقدية والمالية إلى قروض سامة. تقهقر الطلب إلى أدنى مستوياته، وعطل استخدام أنصاف عدد آلات الوحدات الإنتاجية، وسرح الألوف من العمال والعاملات، ليعم توالي حدوث الأزمات المالية. إنها الوضعية التي صور الكاتب تجليات أحداثها بوصف دقيق ساخر للتحولات المباغتة التي طرأت وتطرأ على سلوك وهيئة الإنسان الغربي: ضخامة الجسم والكسل والاكتفاء بمنح التغطيات الاجتماعية والصحية. بالطبع، الدول المتقدمة تكون دائما في بحث عن تعويض خسائرها بمختلف الوسائل، والحفاظ على ريادتها وترتيبها ضمن لائحة الدول القوية.

في بداية القصة أبرز الكاتب التفوق الحضاري المبكر لدول وشعوب الشمال الذي استفاد تاريخيا من ازدهار الحضارة العربية في كل المجالات إبان القرون العشر الأولى الهجرية. إنه التفوق الذي رفع من حدة الوعي الشعبي غربا بضرورة الحاجة إلى إعادة تصفح أحداث تاريخ الحضارات والبحث في التراث والمآثر لتحقيق ديمومة الارتقاء الحضاري كونيا.

الوافدون في القصة مرتبطين بعلم التراث والمآثر، أداموا استمرارية زيارتهم الاستشراقية للدول العربية، لترتفع وثيرة عمليات كشوفاتهم وبحوثهم العلمية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ازدهرت علومهم الإثنولوجية، والأنتروبولوجية، والنفسية بشقيها الفردي والاجتماعي، والتكنولوجية، وتلك الخاصة بالتراث والآثار.

لقد عزموا على السير قدما في هذا الاتجاه في زمن مسار مواز تميز بتفاقم ضعف أو إضعاف أو كساد الثقافة الشعبية والنخبوية لدى الشعوب العربية في كل المجالات تقريبا “كنا نسمّيها “جزيرة الرشاقة” لأنّ بناتها وأبناءها الذين راحوا يؤمّون بلدتنا الصغيرة، كانوا على قدرٍ مدهشٍ من رشاقة القوام، وأناقة الهندام، والنشاط، وخفّة الحركة. قاماتهم طويلة، ولمعظمهم شَعرٌ أشقر، وعيونٌ زرق أو خضر، وملامحُ وسيمة، ووجوهٌ مشرقة، وابتساماتهم أخّاذة”.

أبرز السارد الصفة العلمية للزيارات المسترسلة من خلال تعجبه من وتيرة زيارة الوفود لبلدته بالرغم من افتقارها لأي خاصية سياحية جذابة، مبرزا في نفس الوقت بؤس الحياة الترابية المنغمسة في التقليدانية: “كانوا يفدون إلى بلدتنا سُيّاحًا من نوعٍ خاصّ، فلم يكُن فيها ما يسلّيهم. فليس ثمّة دور للهو، ولا مسارح، ولا قاعات للسينما، ولا دور للقمار، ولا منتجعات سياحيّة مزوَّدة بملاعب رياضيّة أو مسابح أولمبيّة، ولا أسواق عامرة بأصناف البضائع اليسيرة الأثمان. لم يكن في بلدتنا ما يغريهم بالقدوم إليها. فهي مجرَّد مجموعة من الدور البائسة ذات الطابق الواحد، المبنيَّة من الطين أو الآجر، المسقَّفة بالجَرِيّد (سعف النخيل)، يتوسّطها مسجدٌ صغيرٌ، وبنايتان متواضعتان لرجال السلطة. ومع ذلك كانوا يأتون إلينا باستمرار جماعاتٍ ووحدانًا … يتملّون جنباتها، وهم يسترقون النظر إلى كُتب يحملونها بأيديهم، أو يستمعون إلى دليلٍ يرافقهم ويزوِّدهم بالشروح“.

وهو يشير إلى مركز اهتمام الوافدين، تربص الفرصة وجلا حقيقة التخلف الذي كان يكتنف ويفتك واقع الشعوب العربية (العراق)، بحيث تم اعتبار آثار مدينة بابل مجرد أطلال وخرائب “كان مركز الجذب الوحيد لهم تلالٌ تقع بالقرب من بلدتنا، وتضمُّ مدينة بابليّة قديمة يعود تاريخها إلى أكثر من أربعة آلاف سنة، لم يبقَ منها إلا أطلالٌ وخرائب. إنّها بالأحرى آثار مدينة مندثرة. مجرَّد شوارعٍ مهجورة، وقاعاتٍ بلا سقوف، وأعمدةٍ رخاميّةٍ متصدِّعة، وجدرانٍ متهدِّمةٍ نُحتت عليها كائناتٌ غريبةُ الأشكال، بعضها برؤوسٍ حيوانيّةٍ وأجسامٍ آدميّة، وبعضها الآخر برؤوسٍ بشريّةٍ وأجسادٍ حيوانيّةٍ مُجنَّحة. وكانت ترتفع في أحد ميادين المدينة المُكفَّنة بالترابِ، مَسلَّةٌ حجريّةٌ، عليها كتاباتٌ مسماريّةٌ ونقوشٌ وزخارف. وكان في مدخل المدينة، تمثالٌ ضخمٌ من حجرٍ صلدٍ لأسدٍ مرعبِ المنظر، يربض على صدرِ امرأةٍ جميلةٍ مستلقيةٍ على ظهرها”.

حالة الوافدين في البداية قبل اشتداد الطمع والاستنزاف والسطو، أي زمن الأنوار والإعلان الرسمي كونيا عن القيم الإنسانية ونعومة السياسات الوطنية والدولية، كانت تطغى عليها الرشاقة والجاذبية وجمالية في المشي والسلوك “كان بعض أولئك السيّاح ذوي الأجسام الرشيقة والوجوه المشرقة، يبتسمون لنا نحن الأطفال عندما نتجمّع حولهم ونحملق فيهم، ويقولون لنا كلامًا بِلغتهم لا نفهمه، فنحسبه تحيَّة مودَّة، خاصَّةً أن بعضهم كان يشفع ما يقول، بقطعة حلوى يعطينا إياها”.

أنم الكاتب بطريقة غير مباشرة كيف ازداد تقدمهم الاقتصادي ورفاهية عيشهم تطورا إبان استعمار الدول العربية، واستمر بعد استقلالها بوتيرة أسرع (زمن الحداثة)، وتفاقمت الهوة التنموية بشكل متفاوت بين الدول الإقليمية، وبرزت الحاجة إلى استنهاض الهمم بحثا عن فرص النماء والنهضة عربيا. لقد حقق الغرب شروط المتعة في الأكل والجنس والترفيه، وبالغ في ذلك كثيرا “سمعنا أنّ بلادهم غنيّة عامرة بالمصانع المُنتِجة والمزارع المُثمِرة، وأنّ الناس هناك يمتلكون الدور الجميلة والسيّارات الفارهة التي تفتح بوابات المرائب بأضوائها، وأنّهم يأتون إلى بلادنا بالطائرات التي لم نرَها نحن إلا مُحلِّقة في السماء، أو بالبواخر الفخمة. وكلّ باخرةٍ تضمُّ مطاعمَ راقية، وملاعب، ومسابح، ومراقص ليليّة يُمضي فيها الركاب سهراتهم، راقصين على أنغام الموسيقى التي تعزفها فرق موسيقيّة، حتّى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، ثمَّ يأوون إلى مقصوراتهم المجهَّزة بأَسِرّةٍ مريحةٍ، وفرشٍ وثيرةٍ، وحماماتٍ نظيفة … وأغرقت القصص، التي كنّا نسمعها عن جزيرة الرشاقة، في الخيال عندما أخذت تتناول أخبار المخترعات والمكتشفات المذهلة، مخترعات لم نسمع بها من قبل: تلفزيون يأتيك بصور الناس وأخبارهم من أماكنَ نائيةٍ، كما كان يفعل جنُّ سليمان، وإنسانٌ آليٌّ يحلُّ محلَ العمّال في المهمّات الشاقَّة، ومركباتٌ فضائيّةٌ تسبح في الكون كالكواكب قاصدة القمر والمريخ، وعقولٌ إلكترونيَّةٌ تأتي بالعَجب العُجاب … وأعجب ما في جزيرة الرشاقة مطاعمها الفاخرة الكثيرة، المنتشرة انتشار الفُطْر في البادية أيام الربيع … واتّبعت مطاعمٌ أُخرى طريقةً مختلفةً؛ فعندما تلجها، تجد مائدةً عامرةً بأصناف الطعام وألوان المآكل، فتختار منها ما تشاء وتملأ صحنك بنفسك”.

عرج القاسمي كذلك، دائما على لسان السارد، على حقيقة تحول بلدانهم إلى أقطاب جاذبية لشباب العروبة والإسلام، رافضين أوضاعهم المعيشية، متحدين الضوابط الثقافية والدينية التي تقابل مفهومي العرب/العجم، وطامحين في غد معيشي أفضل “وعلمنا ذات يوم أنّ أحد أبناء البلدة سافر إلى جزيرة الرشاقة للدراسة في إحدى جامعاتها الراقية. وتهامس بعضنا باستنكار:” إنّه قرر الإقامة هناك ولن يعود!” وتساءل بعضنا الآخر: ” وكيف يرضى أهله بذلك ؟!” وجاء الجواب: ” إنّه يبعث إليهم بالمال والهدايا، وقد ظهرت عليهم أمارات الثراء.” وقيل لنا إنّه ليس الوحيد الذي يهاجر إلى جزيرة الرشاقة، فهناك مثله الآلاف من جميع أنحاء العالم، ومنهم مَن يواتيه الحظّ، فيصبح من أصحاب الملايين”.

البحث المتواصل على الرفع من مستوى المتعة في العيش، يقول الحاكي، جعل الغربيون يستثمرون بقوة في علوم الطبخ والموضة والعلوم النفسية والتربوية، مقارنا ذلك في نفس الآن مع الواقع العربي الميال للجمود، والمعاند بضعفه المعرفي للتكيف حتى مع التطورات الإيجابية ملتصقا التصاقا شديدا بتقاليده وعاداته، معتبرا إياها منافذ للحماية والانغلاق “الطهاة والندل والسقاة هناك يتخرَّجون في الجامعات … ولكن أخبرني أخي الكبير بوجود كتب متخصِّصة بإعداد الأطباق المختلفة… حتّى ذلك الحين لم نكُن رأينا في بلدتنا من الكُتُب إلا كُتُب القراءة والحساب المدرسيّة”.

لم يقف القاسمي عند هذا الحد، بل أدخل قصته منعطفا جديدا. إنها نقطة تحول في الوضع الغربي في اتجاه انحرافي، جعلت الشعوب المعنية تسلك طريقا في اتجاه الأزمات، التي أبعدتها وتبعدها بالتدريج عن القيم الإنسانية الحضارية، وانزلقت الحرية إلى خارج قيم النفعية المشروعة، لتشتد المبالغة في الاستغلال و البذخ “يبدو أن أهالي جزيرة الرشاقة اكتسبوا ولعًا خاصًّا بالأكل، لوفرته وجودته ومذاقه اللذيذ؛ فكثر الإقبال على المطاعم، حتّى صارت تفتح أبوابها أربعًا وعشرين ساعة يوميًّا، وهي تقدِّم لك ما تشتهي نفسك من وجبات دون التقيّد بأوقاتٍ معيَّنة. فتستطيع أن تطلب من النادل أن يأتيك بوجبة عشاءٍ غنيّة باللحم في أوّل الصباح، وتطلب وجبة الفطور في المساء، وتجمع بين وجبتين وقت الغداء، فأنتَ حرٌّ في اختياراتك. وجزيرة الرشاقة هي جزيرة الحرِّيَّة كذلك. وكلُّ واحدٍ حرٌّ في أن يأكل ما يشاء، ومتى ما يشاء، وحيثما يشاء، وكيفما يشاء. يتناول طعامه واقفًا، أو جالسًا، أو ماشيًا؛ في المطعم، أو المنزل، أو المدرسة أو المعمل”.

الإضرار بالبيئة كان واضحا كذلك في القصة عندما أثار السارد ظاهرة المغالاة في الثقافة الاستهلاكية بوسائلها ذات الطابع المؤقت وبحجم نفاياتها الضارة التي تستلزم إعادة تدويرها وتصنيعها الكلي “المطاعم في جزيرة الرشاقة مجهَّزة بما يلزم لتلبية رغباتك. فقد ابتكروا صينيّات من الورق المقوّى يُحمَل فيها الطعام، وأواني وملاعق وشوكات بلاستيكيّة تُرمى بعد استعمالها مَرَّةً واحدةً، وأكوابًا مُغلقةً تخترق أغطيتها أنابيب ورقية تمتص بها دون أن يندلق السائل منها وأنت تشرب وتسوق سيّارتكَ في الوقت نفسه. وكان يصعب علينا تصوُّر جميع تلك الأدوات لأنّنا كنّا نأكل بأيدينا… فرُكِّبتْ أدواتٌ إضافيّةٌ في السيّارة أمام السائق، حواملُ معدنيّةٌ تُثبَّتْ فيها أكواب الشراب وصحون الطعام، وهكذا لا ينقطع صاحب السيّارة عن الأكل والشراب وهو يقود سيّارته”.

فاقم البذخ والغنى من حدة كسل الشعوب الغربية، لتنبعث بين تارة وأخرى سلوكات انحرافية جديدة تساعدها محفزات واهية للتجدر في الممارسة اليومية للأفراد والجماعات بسهولة كبرى “أمّا الذين يفضّلون البقاء في منازلهم لمشاهدة برامج التلفزيون أو مزاولة ألعاب الحاسوب، ولا يرغبون في تكليف أنفسهم مشقَّة الذهاب إلى المطعم، فما عليهم إلا مهاتفة مطعمهم المفضَّل، فتصلهم أكلاتُهم إلى منازلهم خلال دقائق معدودات…سيوضع الطعام إلى جانبك لتتناوله، وأنت تستمتع بمشاهدة برنامجك التلفزيونيّ المفضَّل، ممدّدًا على كرسيّك الطويل المريح”.

أحدث الحاكي وقفة في حبكته السردية بارزا حدوث منعطف في علاقة الشمال بالجنوب. موازاة مع هذا الانحراف الواضح، طفت إلى السطح مؤشرات ارتفاع الوعي الشعبي والنخبوي لدى الشعوب العربية، وعي مغمور بحرص الغرب الشديد على الحفاظ على تفوقه ودوام سيطرته الحضارية، مانعا انتقال العلوم والتكنولوجيا إلى الجنوب، ومن ثمة التنمية الذاتية لشعوبها “كنا نكبر بمرور السنوات، وتكبر معنا مداركنا. فصرنا نستوعب ما نسمع بصورة أفضل، ونحلِّل ما نرى من مظاهر وأحداث بصورةٍ أعمق، ونفهم. واستمرت الأخبار تصلنا عن وفرة الإنتاج وكثرة الطعام في جزيرة الرشاقة. سمعنا أنّ حكومتها تلقي سنويًّا بآلاف الأطنان من القمح والرز في البحر، وترمي آلاف القناطير من الزبدة والحليب في البحيرات، لتحافظ على ارتفاع الأسعار وأرباح المزارعين. وكان التصحُّر آنذاك يحاصر قريتنا، والجفاف يمتصّ النسغ من جذور نباتاتنا وأغصانها، فيحيلها هشيمًا تذروه الرياح. ويجوع الفقراء”.

ارتقى الوعي العربي إلى درجة ملامسة الانزلاق في سلوك الإنسان الغربي، والوقوف على عمق المحددات الموضوعية لتطور العلاقات ما بين العالم المتقدم والآخر النامي أو الذي لا زالت بعض دوله ترزح تحت وطأة التخلف “أخذنا نشاهد أثر الرفاهيّة والترف على أهالي جزيرة الرشاقة الذين يفدون إلى بلدتنا. فقد أخذت أجسامهم تزداد طولاً وعرضًا وضخامةً وقوة. لا بُدَّ أنّهم يأكلون اللحم بكمياتٍ هائلةٍ، فتنمو عضلاتهم، وتمتلئ كروشهم، وتتضخّم أردافهم. وراحت حافلاتهم التي تقلّهم إلى بلدتنا توسِّع من مقاسات مقاعدها لتتَّسع لهم. وصرنا نراهم وقد أمسوا أقرب إلى الجاموس منهم إلى الأشخاص الطبيعيِّين، بسبب انتفاخ وجوههم وبطونهم، وترهُّل صدورهم، وتضخُّم أطرافهم. ولم نعد نسمّي جزيرتهم “جزيرة الرشاقة”.

وبأسلوب ساخر كذلك، يمكن أن افتراض أن السارد قد فتح إمكانية حدوث انفراج إيجابي جديد في علاقات الشمال/الجنوب. فمستوى الإشباع القاتل الذي تم الحديث عنه أعلاه، وما آلت إليه أوضاع الإنسان الغربي، أبرز الحاجة الاضطرارية لدى شعوب المعسكرين إلى انبثاق منطق جديد في العلاقات الدولية على أساس مبدأ رابح/رابح “بتضخّم أحجام الناس طولاً وعرضًا وثخنًا، تغيَّرتْ مقاسات الأشياء في الجزيرة. فأصبحت شركات الأثاث تصنع أسِرّةً أكبر حجمًا وأصلب عودًا، ومقاعدَ أوسع وأقدر على الاحتمال. وبعد أن كانت في الجزيرة بضعة محلات متخصِّصة بالملابس الكبيرة الأحجام، أصبحت هذه المحلات هي المعتادة. وأخذ البناءون يوسِّعون الأبواب ومساحات الغرف والممرّات والأدراج في العمارات”.

بنفس أسلوبه الساخر الذي ازداد تشاؤما فيما تبقى من القصة، يمكن تأويل عباراته كون السارد ليس متفائلا في شأن مستقبل الحكامة الدولية، تأويل مفاده أن العالم سيعبر إلى مرحلة جديدة، مرحلة ما بعد كورونا وظواهر طبيعية جديدة محتملة، ستعزز اللاتوازن، وستوسع الهوة التنموية والتبعية للشمال. إن التخلي شيئا فشيئا عن استغلال الثروات الطاقية التقليدية (النفط والغاز) وتطور التكنولوجيات والطاقات البديلة النقية بحدة ملفتة ومبهرة، سيخلق اقتصاديات قطرية وعالمية بأسس جديدة. لقد استنفذت مرحلة الاستغلال المباشر وغير المباشر لخيرات دول الجنوب شرعية وجودها، ولم تعد الحاجة إلى تدخلات عسكرية مباشرة. تجاوزت الحروب منطقها التقليدي، لتدخل مرحلة استخدام آليات وأدوات إلكترونية جد متطورة (الجند الروبوتي). ربما الرغد في العيش سيزداد حدة، لكن هذه المرة بافتراض أن ذلك لن يتطلب عملا قارا ودائما، وسيزداد تفاقما مستوى إدمان الغربيين على الأكل والراحة وميولاتهم للكسل والبذخ “تضاءل وصول السيّاح من الجزيرة إلى بلدتنا. وسمعنا أنهم صاروا أبطأ حركة، وأعسر تنقلاً، بسبب ثقل أجسامهم، وأنهم صاروا يفضِّلون البقاء في منازلهم وتناول أكلاتهم الشهيّة. ولعلّهم لا يجدون ما يكفيهم من الطعام إذا خرجوا من جزيرتهم. بل أكثر من ذلك، تناهى إلى أسماعنا أنّ كثيرًا من أبناء الجزيرة يفضِّلون عدم الذهاب إلى العمل من أجل البقاء في بيوتهم ومواصلة التهام الطعام، قانعين بما يحصلون عليه من راتب الضمان الاجتماعيّ الجيِّد المخصَّص للعاطلين عن العمل. لقد أدمنوا على تناول الطعام حتّى صارت عادة الأكل جزءًا من طبيعتهم”.

بأسلوب أكثر سخرية، يضيف أنه يتوقع الأسوأ مستقبلا. فإيحاءاته في شأن استفحال الكسل في نفوس الغربيين، وعدم ميولهم أو قدرتهم على العمل وتفاقم لهفتهم للأكل والراحة والمتعة، ليست مجرد فرضية. إنه الواقع الملموس بمؤشرات تنم عن ذلك، الواقع الذي جعله يختم قصته بفقرتين بمضمون يثير الهلع. التطور الآلي والذكاء الصناعي المصحوب بعادات الإفراط في الأكل والراحة، سيترتب عنه إنسان غربي عاجز، سيستثمر كل ما لديه من إمكانيات الضغط للحفاظ على امتيازاته على حساب الإنسان العربي أو الجنوبي “وأخذنا نسمع أخبارًا يصعب تصديقها. سمعنا، مثلاً، أنّ الشرطة في الجزيرة تضطر بين آونة وأخرى إلى خلع باب إحدى الغرف وتوسيعه أو إزالة السقف، لمساعدة رجل تعذّر عليه الخروج من الباب بعد أن أمضى شهورًا في مسكنه وهو يأكل ويأكل. وتواترت الأخبار عن مثل هذه الحالات حتّى أصبح الأمر لا يثير أيّة غرابة في الجزيرة. ولم تتوقّف نجدة المحاصرين (وهو المصطلح الذي أُطلق على الذين لا يستطيعون الخروج من مساكنهم من فرط السمنة) إلا بعد أن تضاءل عدد أفراد الشرطة الذين يمكنهم الدخول من الأبواب … تكاثر غياب العمّال عن مصانعهم، وازداد تغيُّب الموظفين عن مكاتبهم”.

إنه الواقع المحتمل المخيف، الذي سيتطلب جهود مؤسساتية مضنية يجب أن تبذلها الدول الغربية للعودة إلى مقومات سر الوجود الإنساني حسب طبيعته الأزلية “لجأت الإدارات إلى تمديد فترة تناول وجبة الغداء إلى ساعتيْن وثلاث ساعات بدلاً من الساعة الوحيدة المقرَّرة سابقًا، ترغيبًا للناس في العمل. واتّخذت معظم الشركات إجراءات تشجيعيّة متنوِّعة مثل زيادة فترات تناول القهوة أثناء العمل، فكلّ ساعة عمل تعقبها ساعة استراحة لتناول القهوة. ولم تعُد كلمة القهوة في الجزيرة تعني ذلك السائل المعروف، وإنّما جميع ما يرافقه من حلويات ومعجَّنات ومكسّرات ومقليّات ومشويّات، إلخ”.

 أما الخاتمة النهائية للقصة، التي ركزت في مضمونها على توقع التطورات المستقبلية غربا، بقدر الميول لاعتبارها مخيبة للآمال، بقدر ما يمكن اعتبارها دقات ناقوس خطر يلتمس من خلالها الكاتب من الدول الأكثر تقدما استباق الواقع لإنقاذ الحياة أرضا، بالتفكير في مقومات عدالة كونية جديدة، وتشجيع العمل والحركة الجسمانية والعقلية وربطها بوسائل العيش المادية، وتفادي تحويل حياة الأجيال القادمة إلى أطلال لأجناس بشرية أخرى لا يعلم صفاتها إلا الله “أصبح العمّال يأكلون ويأكلون ولا يعملون. وبالرغم من جميع تلك المُغريات انخفض الإقبال على العمل، واضطر كثير من المؤسَّسات والمصانع إلى تقليل الإنتاج، وبعضها أغلق عددًا من الأقسام أو أوقف طائفةً من الخدمات، وبعضها الآخر أوصد أبوابه. ولم تجِد المنازل، التي هي في حاجة إلى ترميم، مَن يرمَّمها، ولا الآلاتُ المعطوبة مَن يُصلِحها. وتوقَّفتْ آلاف السيّارات عن السير في الشوارع، لأنّ أبوابها الضيقة لا تسمح بدخول أبناء الجزيرة فيها. وسرى الخراب في جميع أنحاء الجزيرة كما يسري الجرب في البدن، حتّى تصوّرنا أنها ستمسي بمرور الزمن شبيهة بأطلال تلك المدينة البابليّة القابعة بالقرب من بلدتنا”.