منقول عن جريدة الاتحاد الاشتراكي عددي 12 و13 غشت 2021.

في حروب الإسبان في المغرب ضد قبائل الريف، خلف إلقاء القنابل من الطائرات نهاية حرب سريعة، وذلك عبر محاولة تفجير القرى، شبه الواحات في المنحدرات الصخرية الجافة والمناطق الجبلية“.
الدكتور هوكو شتولتسنبرك


مذكرات حرب السلاح الكيماوي، حول استراتيجية وخطط السلاح الكيماوي. يونيو 1938

– الحرب في المغرب الإسباني أنتجت ما بين 1921-1927 عناوين بارزة. غير أنه ــ باستثناء الدول المشاركة فيها ـ  قد أصبحت شبه متوارية في النسيان. فقد بقي هناك جانب غير معروف تماما ، والذي ظل أنذاك مهملا أيضا في تقارير المراسلات أو مكتوما:  لقد كانت أول „ حرب كيماوية جوية“ في التاريخ، حيث استعملت القوى الاستعمارية إسبانيا و فرنسا ولأول مرة الأسلحة الكيماوية بشكل منظم عبر الطائرات والقنابل ضد القبائل الريفية المناضلة من أجل الحرية والاستقلال تحت قيادة عبد الكريم .  علاوة على ذلك : فحرب الريف كانت أول اشتباكات عسكرية حسمت من خلال استعمال الغازات السامة. وهذا ينطبق أيضا على الحرب الإيطالية ـ الإثيوبية لسنة 1935/1936. لكن الأن ظهر أن الاستخدام الناجح للأسلحة الكيماوية في شمال المغرب لم يكن عابرا ، وإنما كان نموذجا سريا لاستعمال الغازات السامة اقتدى به الجيش الإيطالي في شرق إفريقيا.
الحالة الثالثة لاستعمال أسلحة كيماوية محققة للنصر هي حديثة جدا: حرب الخليج ، حيث أجبرت العراق عبر هجومات كيماوية إيران على الهدنة في صيف سنة 1988 ، ما جعل النصر يأتي سريعا. كيف تقيم العراق نفسها كقوة من خلال أسلحتها الكيماوية ، يبدو في استعراضها التهديد العلني سنة 1990، باستعمال أحدث دخيرة كيماوية كجواب في حالة تدخل غربي في العالم العربي . هكذا يمكن لهذه الدراسة حول الحرب في المغرب المساهمة أيضا في فهم المشاكل الراهنة وروابطها التاريخية.
لقد لعبت ألمانيا دورا هاما في إنشاء ، تطوير وانتشار الأسلحة الكيماوية في القرن العشرين، فالمساعدة الألمانية في استخدام الغاز في المغرب الإسباني أثناء العشرينيات كانت حلقة وصل هامة بين الأسلحة الكيماوية المتطورة للحرب العالمية الأولى والثانية . فهذا التقليد يبدو أنه لم ينته، كما يبدي الارتياب المعلل بمد العراق أو كمثال للمساعدة الألمانية على بناء مصنع الأسلحة الكيماوية في السنوات الأخيرة في رابطة ـ ليبيا. من ليبيا يمتد خط عائد إلى الحرب الإسبانية قديما في مغرب الحماية . هناك أقيم أول مصنع للغازات السامة على التراب الإفريقي وتم تشغيله . إسبانيا وقفت في مقدمة سبعين سنة تقريبا من تقاليد التصدير الألماني للأسلحة الكيماوية، ليبيا كانت ربما في النهاية.
عثرنا على هذه المادة „ تاريخ أول حرب جوية كيماوية „ أثناء بحثنا المتواصل منذ سنة 1980 عبر فحص شامل للأسلحة الألمانية الكيماوية البيولوجية ما بين سنة 1919 و 1954. فالمقاطع المعروضة هنا ما كان لها أن تتم لولا مساعدة الدكتور ديتريش شتولسنبرك، الذي وضع مع كثير من الصبر رهن إشارتنا دفاتر ملاحظات أبيه و رسومات أمه.
كما ندين بالشكر خاصة للمتخصصين، الذين أمدونا، في ما يتعلق بالأسئلة عن الأسلحة الكيماوية، بإرشادات وشروحات لا يمكن الاستغناء عنها. شكرنا أيضا إلى المتوفى منذ فترة وجيزة المقدم دكتور أ. ماكس بوير، إلى المتقاعد من فترة ، المكلف بالسهر على أرشيف كازبلتس بريلو/ غاوبكما في منستر، السيد كورت همرلا، إلى أرشيف وزارة الخارجية في بون ، إلى أرشيف تكنة كوبلانس، إلى أرشيف فرايبورغ ، إلى أرشيف الدولة في همبورك ، إلى متحف لندن كذلك لجنة الصليب الأحمر الدولية في جنيف على دعمهم .
غير أنه لم يتم الحصول على أي معلومات من جانب المملكة المغربية ، التي طلبنا من سفارتها في بون (آنذاك) المساعدة لعدة مرات. السفارة توصلت قبل كل شيء بالمخطوط للإطلاع على المحتوى ـ كذلك بالمثل وزارة الخارجية الإسبانية في مدريد. في ما يتعلق بوصف وقائع الحرب المعهودة في المغرب والأحداث السياسية في الريف وحوله ( مادامت لا تتعلق بألمانيا) نتبع إلى حد بعيد دافيد . س. وولمان، فعمله المتميز عن „المتمردين في الريف“ Rebels in the rif لسنة 1968 لم تتجاوزه الدراسات الحديثة ايضا.
عند إعادة بناء حرب الغازات السامة في الريف كان علينا تقريبا الاعتماد على المصادر الألمانية فقط ، أما الوثائق الملائمة للحكومة الإسبانية والقوات المسلحة فإنه لم يتم، للأسف، حتى الآن الكشف عنها.  لكن وجهة نظرنا ، جوهريا، لا يمكن بهذه المستندات تحقيق أي تصور آخر لهذه الحرب . بالنسبة لبيان حالة الأرشيف في إسبانيا وسيرورة التشريع نشكر بوجه خاص البرفسور أنجل فيناس من وزارة الخارجية في مدريد. “ تاريخ حملة المغرب“Historia de las Campanas de Marruecos الرسمي ، الذي أنهاه قسم خدمات التاريخ العسكري 1981 Servicio Hstorico Militar بمسودة المجلد الثالث والرابع ، لا يتضمن إي إشارة إلى الحرب الكيماوية. فهذا الحذف لا يمكن بالضرورة أن يكون سببه المؤلفون. هناك احتمال كبير ، أنه لم تقدم لهم كل ملفات حرب ـ المغرب. نأمل ، أن يكون عملنا حافزا للمؤرخين الإسبانيين، في أفق الكشف عن المزيد من وثائق الأرشيف الموجودة لتقديم تصور شامل عن أول حرب كيماوية جوية.
الإفادات المتخصصة للسلاح الإسباني هي أيضا أقل وضوحا مثل المخطوطات، فقد تتبعنا آثار الموردين والخبراء الألمانيين، من أجل تكملة المعلومات المكتسبة عبر التأمل الشخصي، هكذا في La Maranosa ، قرابة ساعة بالسيارة بعيدا عن المركز مدريد، قبل نصف الطريق المؤدية إلى الإقامة الصيفية لملك إسبانيا في أرانخويس بقليل، هناك لايزال يوجد حتى الأن مصنع الأسلحة الكيماوية الكبير، الذي أقيم بين سنة  1922 و1927 تحت اسم Fabricia de Productos Quimicos . من الملاحظ أنه مسجل على الخرائط وفي دفتر التلفون سطحيا، المنشأة تنتمي إلى منطقة عسكرية شاسعة مغلقة، وبذلك فهي عمليا غير متاحة الدخول . على الأقل كانت لاتزال في سنوات الخمسينيات والستينيات ، كما تقول مصادر موثوقة ، تصنع هناك أسلحة كيماوية.
أقل أمل في النجاح أبان عنه منذ البداية البحث عن مصنع الغازات ومحطة التعبئة في مليليا. فالإرشادات المقدمة زهيدة ، لأجل تحديد مكان البنايات التي من المحتمل أنها مازالت في حالة جيدة.
إلى جانب الرسومات والخرائط، هناك العديد من الصور، من بينها الكثير، الذي لم ينشر لحد الأن . فتاريخ هذه الحرب الاستعمارية المنسية والمساهمة الألمانية فيها واضحان. إلى جانب ذلك أفاد في البداية انتقاء الوثائق والمصادر من الشعب المركزية ـ  للجيش ، السياسة الخارجية ، الصحافة والصناعة من حيث وضعها في الترتيب التاريخي المنظم، بأنها تعطي هنا شهادات مساهمين ومراقبين لصورة واقعية لنشاط ودوافع الألمانيين .

1 . نظرة عامة

الحرب، التي صنعت التاريخ ، لكنها لم تدخل التاريخ .
المحادثاث السرية حددت بتاريخ 20 دسمبر 1923، في الساعة الثالثة بعد الظهيرة. المكان: السفارة الإسبانية في برلين. الموظف المقدم بوراس، الذي عين من مدريد في مفوضية العاصمة الألمانية. لم تكن العسكرية الألمانية ممثلة بأقل من رئيس إدارة الفيالق، إذا، (المتنكرون) أعمدة جنرالات الجيش الإمبراطوري ، الجنرال ماجور أوتو هازي . الثالث في المجموعة كان هو الهمبوركي المنتج الكيميائي وثقة الجيش الإمبراطوري في ما يخص مسائل الغازات السامة، الدكتور هوكو شتولتسنبرك. هذا اللقاء كان من المؤكد (كما كان متعمدا) أن يبقى سريا أكثر من ستين سنة ، لولم تكن عادة شتولسنبرك، كتابة مذكرات وتسجيل ذلك، حول المحادثاث دوٌن توريد السلاح إلى جانب الزمان، المكان والأشخاص .
„ كولونيل. ب (يتمنى) كل الكميات الممكنة صفراء (…) وافقت واقترحت مالطا كمكان للتسليم . التكلفة 25000 للطن الواحد“
„أصفر“ استعمله خبير الأسلحة الكيماوية، كاختصار لجملة „ الصليب الأصفر“،  وهي التسمية المتداولة عند الألمان لغاز الجلد „لوست“ في الحرب العالمية. عبر رسم صليب أصفر كانت تتميز هذه القنابل المعبأة بـاسم „ ملك الأسلحة الكيماوية“، وتكون معدة للاستعمال المدفعية. „مالطا“ اقترح شتولسبرك لأسباب تنكرية كمحطة توقف . من هناك يمكن للإنتاج المستورد أن يواصل شحنه بسرعة إلى الضفة المقابلة للمغرب ـ الإسباني ، حيث عليه أن يستعمل ضد قبائل الريف الثائرة.

„كل الكميات الممكنة صفراء“

الرغبة الملحة ـ صفراء ـ للإسبانيين أربعة أيام قبل ليلة عيد ميلاد المسيح لم تكن هذه هي الطلبية الأولى للغازات السامة من الجزيرة الإيبيرية. لكن هذه المرة ، كما تعني عبارة شتولسنبرك ، من أجل أن تسلم كل الكميات المصدرة بصفة عامة. مع الاستعمال الكبير للسلاح الكيماوي „ الأشد حرارة“ .
أنذاك يجب أن يوضع حد نهائي للتمرد في منطقة الحماية، ولمسلسل الهزائم الثقيلة والمخزية، التي كان على القوات الإسبانية لمدة سنتين من الزمن تكبدها . غير هذا تلح القوى الاستعمارية الأخرى على نهاية سريعة لشبح الدولة القومية في المغرب. فالتمرد الريفي كان سنة 1923 قد أصبح تهديدا لكل السياسة الاستعمارية الأوروبية، بحيث أصبحت في الشرق المتوسط تباع مطبوعات ملونة، تبين الزعيم عبد الكريم، وهو يهزم المسيحيين. 2) في نظر فرنسا و إسبانيا ، اللتين تقاسمتا الحماية عن المغرب، يكمن الخطر الكبير في „ وقاحة „ الثوار ، المطالبة بحق الشعوب في الحرية و تقرير المصير،  وهذا ما أعلنته الدول البيضاء من فترة وجيزة في رابطة الشعوب المؤسسة حديثا. فالإعلان عن قيام جمهورية مستقلة للقبائل الريف في بداية سنة 1923 أجج نار المفاهيم الناشئة للقوميات الإسلامية ، من المغرب عبر مصر، الجزيرة العربية ، حتى الهند و بدأت تدفع الشعوب الى الصحوة. التجديد الإسلامي بدأت إنطلاقته ، التي واجهت الوصاية عبر السيادة الاستعمارية الأوروبية ، وهو تطور، يبدو أنه لم ينته حتى اليوم أيضا.

الكاتب : إدريس الجاي

بتاريخ : 12/غشت /2021.

(2)

في حروب الإسبان في المغرب ضد قبائل الريف، خلف إلقاء القنابل من الطائرات نهاية حرب سريعة، وذلك عبر محاولة تفجير القرى، شبه الواحات في المنحدرات الصخرية الجافة والمناطق الجبلية“.
الدكتور هوكو شتولتسنبرك


مذكرات حرب السلاح الكيماوي، حول استراتيجية وخطط السلاح الكيماوي. يونيو 1938

„صحيح أنه ليس هناك  خطر مباشر، لكن قد يكون بالنسبة لأقامتنا في المغرب بالكاد لحظة مناسبة ، غير إنشاء منطقة دولة إسلامية مستقلة عند البحر الأبيض المتوسط، على بعد يسير من فاس“. 3)
حذر أنذاك حاكم فرنسا في المغرب، المرشال هوبر ليوطي . حركة التحرر في الريف ، يقول اليوطي ، هي أكبر تهديد لحضارة و سلام الغرب . فرغم أن المرشال ، مؤيد قبل كل شيء للتفاهم و العمل معا من أجل سياسة استعمارية عملية، طالب على الفور بقمع المتمردين بأسلحة تقليدية وقيادة عسكرية معتادة، كانت خطط حرب العصابات قائمة على شجاعة وحزم قبائل جبال الريف، التي لم يكن هناك سبيل لإيقافها. على كل حال لم ينجح الجيش الإسباني إلى ذلك الحين ، رغم تفوقه في العدد في الحد من تقدمها. لكن كذلك القوات الفرنسية شريكة الإسبانية في الحماية المكونة عسكريا و المسلحة بشكل أفضل و بقيادة أحسن والتي فوق ذلك ذات تجربة في الحرب العالمية واجهت هي الأخرى الصعوبات مع هذا الخصم ، حين دخلت باريس الحرب سنة 1924/1925. بشيء من الرضا عن مشاكل „ العدو التقليدي“ الفرنسية سجل ضابطان لجيش الطيران القيصري الألماني، اللذان كلفا بمهمة سرية سنة 1925 ، استكشاف موقع الحرب، الملاحظة التالية: „حتى قوة مثل فرنسا نفسها [وجدت] هنا خصمها القوي.“ 4) فالأسباب حسب منظورهما كالاتي:
«في المغرب يدافع شعب لم يخضع لحد الأن أبدا، بنجاح عن حريته ضد تفوق هائل في العدد وبكل المعدات الحديثة و التقنيات الحربية. مدعوم في هذه الحرب عبر طبيعة بلاده، حيث أنه من غير الممكن بشكل أو بآخر توظيف طرق الحرب الحديثة ومعداتها وأقل من ذلك ممكن القيام بعمليات كبيرة، لأن المؤهلات الضرورية لذلك تنقص تماما مثل الطرق والممرات.
في المغرب تقاتل فرنسا و إسبانيا ليس ضد عبد الكريم فقط ، وإنما أيضا ضد طبيعة بلد، الماء فيه أغلى من الدم . إننا نرى في المغرب ، شعبا قنوعا إلى أقصى حد ، صلبا ، غير مسلح بما فيه الكفاية ، غير مدرب على القيادة العسكرية الحديثة ، لكنه ممتلئ بعطش حارق إلى الحرية ومتشبع بقوة تصور ديني، التي تجعل الموت في القتال أعلى درجة في الحياة ، حتى ينتزع من أعداء يفوقونه عددا وتقنية في الحرب ، حريته خطوة خطوة من فوق الأرض ـ فيتحقق انتصار الروح المعنوية على المادية!“ 5)
على إثر المشاكل العسكرية أوفد مرشال فرنسا „فليب بيتان“ إلى المغرب ، فأبدى نفس الشيء تماما. المنتصر في معركة الحرب العالمية حول قلعة فردان وصف في إحدى تقاريره الموجهة إلى حكومته قبائل الريف بأنهم: „ذوو بأس وأفضل عدو مسلح واجهته فرنسا في كل تاريخها الاستعماري لحد الآن»، وأنهم „شجعان، أشداء، متمرسون على السلاح وسريعو الحركة“ ، يثني على المقاتلين الأمازيغيين ، الذين „ يعرفون المنطقة الجبلية الوعرة، حيث يقاتلون، بامتياز“ 6) ويعرفون كيف يستغلون ذلك. لهذا طالب بيتان باريس بالتعزيزات فورا. وكما كتبت „ الأسبوعية العسكرية“ في 4 من شهر يوليوز سنة 1925.
„دعوا الإشارات […] المختلفة من طرف [الوزير الأول ووزير الحرب] باينليف، بأسرع ما يمكن سارية المفعول كوسيط حتى يتحقق السلام معهم بأقل الضحايا. بعد ذلك نستنتج أن فرنسا أيضا تتجهز إلى عملية واسعة للغازات السامة، التي تفكر فيها كآخر ورقة للنصر، إذا لم تكن هناك وسائل تقود إلى حسم الصراع “. 7 )

الأسلحة المحظورة: الكتمان والانتشار الواسع

هناك سبب واضح لذلك، وهو أن الأسلحة الكيماوية بقيت عمليا غير معروفة في المغرب حتى اليوم . فالمصابون لم يستطيعوا في هذه الحالة الحصول علنا على آذان صاغية : نداءات حكومة الريف سنة 1925 لدى الصليب الأحمر 9) بقيت دون تأثير وبعد الهزيمة لم يسمح لا للقبائل تحت الأغلال الإسبانية أو لعبد الكريم في الأسر الفرنسي بالكلمة حول هذا الموضوع. فيما يرجع إلى الممارسين والمساهمين، هكذا فقد تحاشوا كل إعلان : عن استعمال الطرق غير المشروعة ، هؤلاء أيضا ما زالوا متمسكين بالتكتم ، وفي الختام لا يحبب إليهم الاعتراف. وطالما حقائق استعمال الغازات لا يمكن الإبقاء عليها سرا، فقد بذل كل ما في الوسع ، من أجل التقليل من حجمها ومخلفاتها قدر الإمكان . طبقا لذلك بالكاد نجد في المنشورات المعاصرة لحرب الريف أكثر من إشارات منفردة عن استعمالات الأسلحة الكيماوية وحكم إجمالي : „ الحرب [الفرنسية] الكيماوية لم تكسر روح معنوية سكان الجبال العنيدين ولا قوة اشتباكهم.“ 10 ) أو: „فالغاز[الذي استعمله الإسبانيون] يبدو أنه أخفق .“11)
القصة الرسمية للحملات الإسبانية في المغرب قد تمت معالجتها من طرف „ المكتب التاريخي العسكري ولا زالت مستترة خلف هذا الوضعية المعلوماتية: فهي لا تذكر استعمال الغازات السامة بأية كلمة ، رغم أن الجزئين الأخيرين من أربعة مجلدات هذا العمل تم إنجازهما بعد نصف قرن تام من انتهاء الحرب.
سلوك مستعملي الغازات المميز استعرضه الإيطاليون في حربهم الكيماوية في الحبشة سنوات 1935/36. فالتردد والإقدام والتراجع في البيانات من روما يحلله العقيد السويسري فولكارت في عمل منشور سنة 1950/51:
„لقد استغرق وقت طويل ، قبل أن يقر الإيطاليون عموما بحقيقة استعمال الغازات السامة علنا. فقد نفوا مدة طويلة كل شيء . ثم بعد ذلك لم يعودوا ينكرون، لكنهم طالبوا بوجوب إثبات استعمالهم للأسلحة الكيماوية. ـ كان لا يزال هناك في سنة 1936 عدد من الشخصيات في الجهات المسؤولة الإيطالية ـ وهو ما لم يعرف ـ  في أوروبا ـ من يروجون لفكرة أن السلاح الجوي كأداة لاستعمال الأسلحة الكيماوية لا طائل من إرساله، نعم، بل حتى أنه غير صالح للاستعمال . نفس المسؤول استند علاوة على ذلك إلى تصريح رسمي (؟) ، عموما غير منشور، للقيادة العليا الإيطالية ، بناء على أنه لم يتم استعمال الأسلحة الكيماوية في حملة الحبشة . عن استعمالاتها يجب صرف النظر أكثر، حتى لا يكون هناك أي هدف فعلي . لكن في نفس الفترة كانت القنابل الكيماوية في شرق إفريقيا قد دخلت في مختلف التعقيدات.“ 12)
فسياسة المداراة والتقليل من قيمة الأشياء هذه، التي غالبا ما وقع المعلقون والمؤرخون في شرك رعايتها ، قد تحولت مع حرب الغازات السامة الأولى إلى قاعدة، فقد مورست منذ ذلك الوقت بنجاح: في الريف وفي إثيوبيا مرورا بحرب الفيتنام حتى الحالة الحديثة، حرب الخليج، حيث تمت المحاولة على الأقل.
منذ الاستعمال الكبير الأول سنة 1915 عند إيبر عبر الألمانيين اعتبرت (وتعتبر) الأسلحة الكيماوية في رأي العالم شنيعة وهمجية. المنتصرون سنة 1918 وفي مقدمتهم فرنسا، قيموا الخطوة الألمانية في هذا الشكل الجديد للسبق الصناعي الحربي والإبادة الجماعية كانتهاك لكل القواعد الحربية المعترف بها وإجرام حربي، في اتفاقية السلام لفرساي تم منع ألمانيا تماما من أي نشاط في مجال الحرب الكيماوية، وكذلك بالمثل كل الإجراءات الوقائية. لجنة الحلفاء راقبت تطبيق هذه الإجراءات لنزع
السلاح من طرف واحد، فضلا عن ذلك تمت المطالبة بقانون دولي مُلزم بمنع مواد الإبادة الجماعية هذه، الأولى في تاريخ البشرية.
بينما كانت القنابل والقذائف تهطل في المغرب، كانت المفاوضات في جنيف حول هذا المنع: بحضور فرنسا وإسبانيا. حين تم التوقيع على محضر „إتفاقية جنيف“، لتحريم استعمال الأسلحة الكيماوية سنة 1925، كانت الدولتان من بين الموقعين. في تلك الفترة الزمنية بلغت حرب الأسلحة الكيماوية في المغرب أوجها. أمام خلفيات هذه السياسة المزدوجة الرؤية بالكاد تم الاستغراب ، حتى أنه لم يتم نشر الوثائق المتعلقة بهذا الموضوع وحتى الآن فهي غير واضحة.
في ما يتعلق بالسجلات الألمانية، صحيح أنها مفتوحة، طالما أنه يتم الحصول عليها، غير أنها، باستثناءات قليلة، لا تمد إلا بمعلومات يسيرة. فلا غرابة، إن كان من العملي في هذه السنوات، عدم وضع قدر الإمكان أي تسجيلات إدارية عن مشاريع مجال التسلح المحرم هذه.
فنجاح سياسة التصرفات السرية هذه تظهر أكثر جلاء عند المساهمة الألمانية في الأسلحة الكيماوية لإسبانيا. فالتزام شتولتسنبرك مع المملكة الإيبيرية صحيح تم التلميح له عبر تصريح علني سنة 1928. 13) لكنه اعتبر قبل ذلك وبوضوح شخصي وصنف بالأساس كذلك كصفقة تجارية غير هامة، التي لم تؤثر على حسم نهاية الحرب. فالكميات المصدرة، الموافقة، والدعم الحيوي للقيادة العسكرية الألمانية وبذلك الحكومة القيصرية ظلت في النهاية غير معروفة.
كذلك حتى العرض الحديث والأكثر شمولية للحقائق الغنية كما ينبغي عن „المتمردين في الريف“ ( عنوان الكتاب)، الذي قدمه الكاتب الأمريكي دافيد.س. وولمان سنة 1968، لم تأت فيه أية إدانة كما يجب لاستعمال الغازات السامة والمشاركة الألمانية في الصراع، فموضوع حرب الأسلحة الكيماوية لم يعالج من طرف وودمان إلا بجمل مقتضبة، هكذا يصف مثلا : On more than one occasion they ]إسبانيا و فرنسا used poison gas“. [14) حول سؤال المشاركة يتبنى وولمان مثل كثيرين آخرين وجهة نظر، أن ألمانيا(بالمناسبة الشركات الاقتصادية الألمانية) ساندت مواصلة الحرب العالمية ضد المتمردين الريفيين، حتى تدعم اهتمامها المنجمي. 15) من المحتمل أن هذا السبب وارد أيضا مساعدة مالية خاصة لعبد الكريم : حقا على الإنسان أن يؤمن نفسه ضد كل الحالات. لكن أمنية المنتصر الرسمية، على الأقل بالنسبة لبرلين، كانت هي إسبانيا.
كذلك لهذا السبب أصبحت إسبانيا أول بلد تساعده ألمانيا بعد الحرب العالمية ، رغم كل منع من معاهدة فرساي للصناعة الحربية لأسلحة الإبادة الجماعية الكيماوية.

الفصل  170

استيراد السلاح، الدخيرة ومواد الحرب سواء من أي نوع إلى ألمانيا هي ممنوع منعا كليا. نفس الشيء يسري على صناعة وتصدير الأسلحة، الدخيرة مواد الحرب سواء من أي نوع هي إلى البلدان الأجنبية

الفصل  171

]حيث أن استعمال الغازات الخانقة، السامة أو نوع آخر شبيه من السوائل ، مواد أو أداة  فهو ممنوع، فإنتاجه في ألمانيا وتصديره جد محظور[
العديد من الدول جاءت كزبائن، والطلب كان كبيرا. في النهاية كانت الأسلحة الكيماوية مثل القنبلة النووية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. الكثيرون يريدونها، القليلون من يستطيعون صنعها بأنفسهم . في نهاية الحرب العالمية الأولى كانت هناك أربع دول فعلية تنتمي إلى دائرة القوى الكيماوية . ألمانيا ، فرنسا ، بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.  إيطاليا والاتحاد السوفياتي لم يكونا يملكان إلا قدرا ضئيلا من الأسلحة الكيماوية، إلى جانب إسبانيا حصلت من ألمانيا ابتداء من سنة 1923 دول روسيا السوفياتية، إيطاليا، يوغسلافيا، اليابان، الصين، تركيا، رومانيا، السويد والبرازيل على التقنية الكيماوية أوعلى الأقل على جزء أو حجم وافر من المساعدات. 16)
رغم أن العلاقات قد تغيرت جوهريا، فالشركات الألمانية اليوم أيضا لاتزال دائما أو من جديد في الخط الأمامي في ما يخص تصدير هذه التقنية، كما تُبين ذلك أولا المساهمة الحديثة العهد في بناء مصنع الأسلحة الكيماوية الليبي الرابطة.

الكاتب : إدريس الجاي

بتاريخ : 13/غشت /2021