{ وإذ قال إبراهيم رَبِّ أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي). البقرة 260

الشك لغة:

     جاء في معجمي الوسيط والمحيط: “الشَّكُّ: نقيض اليقين، وجمعه شُكُوك، وقد شَكَكْتُ في كذا وتَشَكَّكْتُ، وشَكَّ في الأَمر يَشُكُّ شَكّاً وشَكَّكَه فيه. وفي اللغة أيضاً مصدر الفعل شك يشك في الأمر، أي تردد في أمر بين شيئين، لذا فإن نقيض الشك هو اليقين الذي يعرف بالاعتقاد الجازم .

     وعرف “الجرجانى” الشك بقوله: هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الأخر عند الشاك.. وقيل إن الشك هو ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما..  . (1).

الشك اصطلاحاً:

     وقد عرفه الفقهاء: بأنه عدم الاستيقان في الحكم على الشيء، وهذا المفهوم يتفق مع مفهوم أهل اللغة، حيث إنهم وقفوا بين الاستواء والرجحان . وفي هذا الباب ترد مصطلحات متقاربة أو متشابهة من حيث الغاية، مثل الاشتباه والظن والوهم، فكلها تعني الشك في الأمر وعدم اليقين.(2).

 الفرق بين الشك والريبة:

     الشك : كما بينا أعلاه, هو تردد الذهن بين أمرين على حد سواء.  و أما الريبة فهي شك مع تهمة.

أنواع الشك:

     هناك نوعان من الشك، الشك السوىّ, والشك غير السوىّ وهو الشك المرضىّ.

     1- الشك السويّ: ويتضمن الغيرة السويّة, أي الغيرة المحمودة مثل غيرة الزوج على زوجته من الأغراب والزوجة على زوجها, وهو حق مشروع وواجب وهى طبيعة متأصلة فى النفس البشريّة.

الشك المرضيّ: وفيه يعاني الفرد من أوهام اضطهاديّه يعتقد الشاك من خلالها أن الآخرين يريدون إيذاءه, وأن هناك مكائدَ ومؤامراتٍ تحاك ضده ,وهذا الشك لا ينمو مع المرء منذ صغره ولا يشمل جميع الناس أو جميع جوانب الحياة, بل يركز على فكرة معينة تصل إلى درجه الاعتقاد الجازم, وهذه الفكرة أو الاعتقاد يسيطر على المريض إلى درجة تصبح شغله الشاغل ويصبح همه دعمها بالأدلة وجمع البراهين .

     ويعتبر الشك وظيفة ذهنيّة, وظاهرة صحيّة, ودلالة على التمتع حتى بالصحة النفسيّة إذا مورس بغير إفراط, وعكسه هو التصديق. وكل شخص يحتاج إلى درجة بسيطة من الشك لحمايته من الوقوع فى بعض الأخطاء والتأكد والتيقن من الأمور, أي أنه لحظة مؤقتة ننتقل بعدها للحقيقة. (3).

     كما أن للشك جانب إيجابي آخر, إذ يمكن للشك أن يقودك إلى آفاق جديدة عندما تشك في صحة مزاعم الآخرين إذا كانت تلك المزاعم تستند الى معلومات قديمة, ووجهات نظر بالية قائمة على الأسطورة والخيال والتخمين والظن, وهذه غالباً ما نجدها على سبيل المثال في الرؤى الدينيّة تجاه تشكل الكون وحركته على سبيل المثال لا الحصر. فشك كوبرنيك في رؤيته للكون وتأكيده على مركزية الشمس, وأن الأرض جرماً يدور في فلكها كما ورد في كتابه “حول دوران الأجرام السماويّة”, قد حطم التصورات التقليديّة لنظريّة مركزيّة الأرض. وهذا كولومبوس قد حطم أيضاً باكتشافاته الجغرافية العظيمة الاعتقاد التقليدي القائل بأن الأرض مسطحة وليست كرويّة. (4).

أهمية الشك في تأكيد المعرفة:

     لقد تبين لنا من خلال تعريفنا للشك, على أنه حالة ذهنيّة يكون حكم العقل فيها تجاه قضية ما, مُعلّقًا بين افتراضين أو احتمالين متناقضين أو أكثر، بحيث يعجز التفكير عن قبول أي منها حتى تكتمل مقومات هذه المعرفة.

      والشك باعتباره قلقًا, بين افتراضين متناقضين كما بينا أعلاه, فهو يغطي مجموعة من الظواهر تضم التالي:

      المستوى العقلي: التفكير وفحص الحقائق والأدلة.

     وعلى المستوى العاطفيّ: التصديق والإنكار.

     وعلى المستوى الاجتماعيّ: يخلق الشك جوًا من انعدام الثقة، وربما يُصيّر الشخص الشاك اتهاميًا في طبيعته, أو في واقع الأمر مُدّعيًا, إما حماقة أو خداعًا من جانب آخَر.

     وعلى مستوى علم النفس: “تعزو نظرية التحليل النفسيّ لـ”سيغموند فرويد” الشك إلى الطفولة،  حيث يُفسر (باعتباره عَرَضًا لإرهاب نابع عن الأنا). وأثناء تطور الأنا. تحتج نظريّة التحليل النفسيّ بأن تجارب الطفولة يمكنها زرع الشك في نفس الفرد حول إمكانياته, بل وحتى حول هويته الخاصة. (5).

     وعلى المستوى اللاهوتيّ: قد يشكل الشك في وجود إله أساس “اللاأدرية”؛ أي الإيمان بعدم قدرة المرء على إقرار وجود إله من عدمه. وقد يشكل أيضًا أنواعًا أخرى من الشكوكيّة اللاهوتيّة، كأن يثير التساؤلات حول صدق معتقدات هذا الدين أو المذهب أو الطائفة أو تلك.

      وعلى مستوى العلم: تقيس الطريقة العلميّة الشك بصورة منتظمة، وتستخدمه لتحديد ما إذا كانت هناك حاجة لبحث إضافي أم لا.

الشك فلسفيّاً:

      بدأ الشك منهجيّاً وفلسفيّاً في الحضارة الغربيّة الحديثة مع “رينييه ديكارت”, ويعتبر ديكارت شأنه شأن “فرانسيس بيكون” أحد الذين آمنوا بالشك من أجل الوصول إلى اليقين, فهو يشك بيقينيّة المعارف السابقة التي تدعي بأنها تمتلك الحقيقة, فالمعرفة عنده لا تأتي عن طريق الحواس, ولا حتى عن طريق العقل, فالحواس كثيراً ما تخطئ. والاستنتاجات العقليّة المجردة كثيراً ما تخطئ أيضاً, لذلك من هنا يجب الانطلاق من الشك… الشك المطلق الكلي .. الراديكالي. مع تأكيده بأن هذا الشك ليس لا أدريّاً وليس ريبيّاً كذلك. فعبر الشك تتم عملية انتقاد المعرفة الموجودة للوصول إلى المعرفة الأكثر يقينيّة .. إن الشك عنده وسيلة لامتحان قوانا العارفة ومنها الوصول إلى اليقين. فالشك هنا بتعبير آخر, هو وسيلة لإثبات الوجود : (أنا أفكر إذن أنا موجود). (6). فطالما أنا أشك فأنا أفكر,

     من هذا المنطلق المنهجيّ في الشك, راح دعاة الشك يشكّون في كل شيء.. في المعايير الدينية.. وفي النُظم الأخلاقية.. وفي وجود الإله.. وفي المادة.. وحتى في الوجود ذاته.

      إن التأسيس لمنهج الشك في حد ذاته, أثبت وجود الأنا المفكرة أو الواعية التي قامت بالشك في كل شيء, وأدت بالتالي إلى طرح سؤال الوجود، أي أصبحت تلك القدرة على الشك وطرح الأسئلة, هي إثبات وجود الأنا الواعية، لتكون بذلك مصدر اليقين الأول في العالم العلمانيّ العقلانيّ الحديث، وبالتبعيّة, يسبق وجودها – أي الأنا الواعية – وجود أي معايير دينية أو أخلاقية أو طبيعية سابقة عليها ومشكوكاً في أمرها ومصدرها بالأساس تبعا للتقليد الفلسفي الديكارتي.

     إن التأسيس الديكارتي للفلسفة الحديثة القائمة عنده على الشك, كان في جوهره إعلاناً ثوريّاً بتشكيل رؤية جديدة كلياً للعالم، واليقين الأول فيها هو الإنسان كذات واعية عقلانيّة ومُفكرة وسيدة هذا الوجود, ودلالة حيّة ومستمرة عليه.

     هكذا أصبح مبدأ (الذات العاقلة) المستقلة عن أيّة قوى دينيّة لاهوتيّة أو اسطوريّة أو غيرها, أساساً فلسفيّاً ومصدر شرعيّة لكل أشكال المؤسسات والأنشطة الإنسانيّة، وسمة أساسيّة لكل أشكال الثقافة الحديثة. فالحق والأخلاق أصبحا قائمين على الإرادة الحاليّة الحاضرة للإنسان، في حين أنـها كانت من قبلُ مُدونة ومُملاة على الفرد من خارج عالمه. كما أصبحت الذات أساس المعرفة العلميّة التي تكشف أسرار الطبيعة, بقدر ما تحرر الذات العقلانيّة الواعية من أوهامها ، فالطبيعة في تلك الرؤية العقلانيّة الجديدة للعالم لم تعد سراً غامضاً, تتحكم في آليّة سيرورتها وصيرورتها قوى من خارجها, بل هناك جُملة قوانين موضوعيّة شفافة تحكمها, وهي  قابلة للفحص والمعرفة من طرف الذات الإنسانيّة. وعلى وجه العموم فإن الحياة الدينيّة، والدولة، والمجتمع، وصولا إلى العلم والأخلاق والفن والأيديولوجيات السياسيّة، بدت جميعاً تجلٍّ للذات الإنسانيّة العاقلة وفاعليتها في التاريخ. هذا المبدأ الذي ظهر كمفهوم في “الكوجيتو الديكارتي”, أو الوعي الذاتي المُطلق لدى كانط،, أصبح هو الأساس لكل الثورات المعرفيّة الحديثة وسيّد العالم الحديث.

نقد منهج الشك عند ديكارت:

       في النظرة الماديّة للتاريخ, يعتبر الشك في صيغته الديكارتيّة هذه, هو اتجاه نحو المثاليّة الذاتيّة, وذلك بسبب  تركيز قوة المعرفة في ( الفكر) الذي جاء عنده أكثر يقينيّة وأصالة من وجود (المادة) أو الظاهرة التي يشكل الفكر انعكاساً لها.

     إن الشك ينشأ بالضرورة عندما نفتقر إلى المعرفة والمعلومات حول أشياء معينة لم تكتمل سبل معرفتها بعد, أي لم نصل إلى اكتشاف قوانين آليّة عملها الداخليّة والخارجيّة المحيطة بها معاً, لأن فهمنا لها قد تأثر بشكل استسلاميّ بآراء من سبقنا من الذين اشتغلوا على هذه الظاهرة أو تلك, أو أن تكون موثوقيّة الحقائق مشكوكًا فيها وغير مؤكدة إلى حد ما, لأن التفسيرات قد تأثرت بالإدراك المباشر والعاطفة واللغة والمنطق وغيرها.  هذا مع تأكيدنا  بأنه, حتى لو امتلكنا كل الوسائل المتاحة للوصول إلى حقيقة الظاهرة المدروسة أو المشتغل عليها معرفيّاً, تبقى استحالة الوصول إلى الحقيقة المطلقة لأية ظاهرة, طالما أن هذه الظاهرة في حالة حركة وتطور وتبدل دائماً. أي نسبية في وجودها, وبالتالي سيظل الشك المعرفي العقلاني مرافقاً للباحث والمفكر والفيلسوف, طالما هو يسعى للوصول إلى الحقيقة.

عدنان عويد كاتب وباحث من سوريّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1- (فى معجمه الفلسفى “التعريفات” ).

2- .(راجع موقع الخليج – مفهوم الشك في الفقه الإسلاميّ).

3- (موقع فلسفة وعلم.).

4-(موقع فلسفة وعلم).

5- . موقع ( areq.net).

6- ( كتاب موجز تاريخ الفلسفة – أصدار دار التقدم موسكو – ودار الفكر دمشق 1971 ط3 ص231 وما بعد).