الحاكميّة كمفهوم :

      هي رؤية سياسيّة سلفيّة, يعتقد دعاتها بأن العقيدة الإسلاميّة هي المصدر الوحيد للتشريع أو الحكم بين الناس, كونها هي القادرة على إعادة إصلاح هذه الأمة بعد أن فسد أمرها, وأن كل الأفكار والمبادئ والنظريات الوضعيّة, هي مجرد رؤى جاهليّة لا يقر بها الإسلام كنص مقدس, أو تشريع اقره الله. 

     عموماً, الحاكميّة مفهوم ملتبس في دلالاته المعرفيّة والعمليّة, إلا أنها في سياقها العام تقول : (لا حكم على الناس إلا حكم لله), وكل حكم يقول به الناس غير الحكم الذي جاء به (القرآن) والرسول هو كفر وخروج عن الدين وتجاوز لحقوق الله.

      أما قضيّة الالتباس في مفهوم الحاكميّة فقد جاءت لاعتبارات تتعلق  بطبيعة النص الدينيّ نفسه, وبخاصة في الآيات المتشابهات وموقف الإنسان نفسه من هذا النص الدينيّ, ودور مصالحه في تفسيره أو تأويله, أو حتى وضع بعض النصوص الدينيّة (الحديث) تمريراً أو تثبيتاً لهذه المصالح الدنيويّة. وإذا ما نظرنا إلى تلك المواقف الإنسانيّة تجاه النص الديني المقدس لوجدناها قد شكلت عوامل الالتباس في مفهوم الحاكميّة وتطبيقها عمليّاً على أرض الواقع, وبالتالي نستطيع الإشارة إلى أهمها هنا وهي:

     أولاً: في حجة الوداع نزلت الآية القرآنية (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (المائدة 3)

     ففي تفسير هذه الآية اختلف الكثير من رجال الدين وفقهائه حول دلالاتها, هل هذه الآية تقول بأن الإسلام قد اكتمل بما يدعو إليه من إيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخرة, ومن تأكيد للأخلاق الحميدة التي بشر بها الرسول وفقاً لتعاليم الإسلام التي يريدها الله لعباده, وهي أخلاق أو قيم العدل والمساواة والمحبة والتسامح وغير ذلك؟. أم أن الآية تقول بأن الإسلام كدين قد اكتمل وفقاً لهذه الآية كدين ودولة معاً؟. وهذا رأي طلاب السلطة في تاريخ الدول الإسلاميّة منذ صفين حتى اليوم. وخير من عبر عن هذا الموقف من الدين بعد سقوط الخلافة الإسلاميّة عام 1924 على يد كمال أتاتورك, هي تلك الأصوات التي ارتفعت في مصر تطالب بعودة الخلافة كما فعل رشد رضا وبعض رجال التيار السلفيّ الأزهري. وهناك من وقف ضد هذه الرغبة كما هو الحال مع الشيخ الأزهري علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) الذي قال بأن الإسلام لم يتضمن مفهوم الدولة في متن نصوصه المقدسة, الأمر الذي كلفه رأيه هذا الكثير من المعاناة, حيث حُورب , وفُصل من عمله. كما طرحه أيضاً (الإخوان المسلمون) كتنظيم سياسيّ, حيث جاء واضحاً في كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب, وكذلك تيار القاعدة بكل فصائله , وهو ما مثلته دولة الخلافة المعلن قيامها في سوريّة والعراق من قبل داعش والنصرة وكثير من الفصائل الإسلاميّة الجهاديّة في سورية أو غيرها.

     ثانياً: إن مسألة الصراع على السلطة فتح في المجال واسعاً أمام شهوة طلابها كما أشرنا أعلاه, في الاشتغال على تفسير النص المقدس وتأويله ووضع الأحاديث التي تُرضي مصالحهم منذ بداية طرحها في تاريخ الدولة الإسلامية. وهذا ما أدخل الدين ذاته (العقيدة) وليس الحاكميّة فحسب, في إشكالات معرفيّة كثيرة منها إشكاليّة القضاء والقدر ما بين الجبريّة والقدريّة, وإشكاليّة مرتكب الكبيرة كافر هو أم مذنب, حيث قرر الخوارج كفره, وقال المعتزلة بأنه بين منزلتين, بينما المرجئة فقد ردوا أمر تحديد ذنبه في العقاب إلى يوم الحساب, أو هو زنديق على رأي الأشاعرة. كما ظهرت إشكاليّة الافتراء على الدين نفسه, عندما تحولت الخلافة إلى ملك عضوض مع معاوية, وراح من بعده الخلفاء الأمويون والعباسيون يفترون على الله نفسه, عندما قالوا بان الله هو من اختارهم خلفاء له في قيادة هذه الأمّة, وراحوا يفسرون الدين ومن ساعدهم من فقهاء ذاك الزمان بما يخدم مصالحهم, وليقيموا محاكم التفتيش, يكفرون من خلالها من يختلف معهم ويمنحون صكوك الغفران لمن يؤيد حكمهم. هذا إضافة إلى من قال ببطلان هذه الخلافة الأمويّة والعباسيّة كلها وهي خروج عن النص الديني الذي قال إن الخلافة أو الإمامة قررت بالوصيّة كما تقول شيعة عليّ , أو بالإجماع والاختيار كما قال الخوارج. دون أن نغفل هنا ذاك الخلاف أيضاً بين من قال بأن الخلافة يجب ان تحصر بالبيت القرشي, وبين من قال هي حق لكل مسلم يمتلك صفات الوصول إليها حتى ولو كان عبداً حبشياً.(1)

     ثالثاً: بعد ثلاثة قرون من الصراع على السلطة ومسألة الحاكميّة, وما تركه هذا الصراع من اختلافات لم ترحم المسلمين يوماً, لا من الناحية الفكريّة ولا العمليّة, حيث كُفر الكثير وزُندقوا لآرائهم الفكريّة أو الدينيّة, كما قتل الكثير وصلب, وقطعت الرؤوس والأوصال, وسالت الدماء وهدمت البيوت وشرد أهلها.

     مع وصولنا إلى نهاية القرن الثالث للهجرة, ومع الركن الربع من أركان الفكر السلفي (أحمد بن حنبل), الذي أوقف ومن جاء بعده من تلاميذه الاجتهاد, وحُدد صحيح الإسلام بمراجعه الأصليّة  التي حددها الشافعي وهي : (القرآن والحديث والقياس وإجماع أهل المدينة أو أهل الحل والعقد في تلك القرون الثلاثة). ومع إيقاف الاجتهاد أوقف دور العقل وحريّة الإرادة, كما أوقفت حركة التاريخ نحو الأمام, وأصبحت حركة تراجعيّة, حددت نقطة نهايتها القرن الثالث للهجرة. وبالتالي أصبح كل جديد بدعه وكل بدعه ضلالة.. وبذلك حددت نهاية التاريخ في مسألة الدين والدنيا معاً. وأصبحت الحاكميّة محكومة حتى هذا التاريخ بما قال به أنس بن مالك, وأبو حنيفة, والشافعي, وابن حنبل, وأخيراً من دَوَنَ الحديث في القرن الثالث للهجرة, كالبخاريّ ومسلم وإبن ماجه وأبو داوود وغيرهم من الذين اشتغلوا على جمع الحديث أو رويّه,  وخاصة من انطبقت عليه شروط الجرح والتعديل التي حددها أهل السنة بعد محنة ابن حنبل, بالنسبة لمسألة الثقة في أخلاق الراوي وانتمائه للبيت السلفي. كأبي حسن الأشعري, وأبي حامد الغزالي, وابن تيمية, وابن قيم الجوزيّة والقطني وغيرهم الكثير من فقها الخلافة الإسلاميّة, وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب والباز وغيرهم الكثير من رجال الدين السلفيين ومشايخه في تاريخينا المعاصر, الذي أنتج كل من يرفض الأخر ويكفره ويقول بالفرقة الناجية, كما أنتج كل تلك الفصائل الجهاديّة التي اتخذت من (القرآن والسيف), أداتين أساسيتين لبناء خلافة الإسلام التي بشر بها الرسول محمد (ص). وفي مقدمة من راح يبشر في هذه الخلافة في تاريخنا المعاصر كما أشرنا أعلاه, (الإخوان المسلمون) وكل الفصائل التي تفرعت أو انشقت عنه ومنها القاعدة وتياراتها كداعش والنصرة وغيرهما. 

     رابعاً: من القضايا الإشكاليّة التي أثرت على مسألة الحاكميّة قضية من هو المؤمن؟. هل المؤمن هو من آمن بقلبه ولسانه فقط؟, أم هو من آمن بقلبه ولسانه وجوارحه؟. أي هو من ربط في إيمانه بين قلبه وعقله وعمله؟. لقد تحولت هذه المسألة إلى حالات صراع طويل في تاريخ الدولة الإسلاميّة لم يزل قائماً بين رجال الدين ومشايخه… صراع بين من يرفض استخدام العنف ضد المختلف, ويعتبر الإسلام دين رحمة ومحبة وتسامح, وبين من يقول بأن هذا الدين هو الدين الحق, وهو خاتم الديانات, وكل من لا يخضع لعقيدته وتعاليمه يعتبر كافراً, ويجب أن يقام عليه الحد كما فعلت داعش في سورية والعراق. وهذا يدفعنا أن ننتقل إلى قضية إشكاليّة أخرى وهي :

     خامساً: اعتبار بعض رجال الدين السلفيين المتطرفين أن الإسلام فقط هو الدين الإسلاميّ الذي بشر به محمد (ص), وما عداه دين كفر, حيث راحوا يفسرون هذه الآيات القرآنيّة التالية وفقاً لفهمهم ومصالحهم هم.(إن الدين عند الله الإسلام). (آل عمران – 19. (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). (آل عمران- 85). وهم باقتصارهم الإسلام على الدين الإسلاميّ (المحمدي) فقط, قد تجاهلوا تلك الآيات التي تقرر أن المسلم هو كل من أسلم أمره لله وآمن بكتبه ورسله واليوم الآخرة , وهذا ما تقرره الآيات التالية بصريح الدلالة وقطعها: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم, إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم, ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. ). (النمل – 29-30-31). ( ووصى ابراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وانتم مسلمون.). (البقرة – 132 ). وكذلك قوله تعالى في سورة يوسف: (توفني مسلماً والحقني بالصالحين). (يوسف – 101 ). (فلما أحسّ عيسى منهم الكفر قال مَنْ أنصاري إلى الله ؟. قال الحواريون نحن انصار الله آمنا به وأشهد بأنا مسلمون.).(آل عمران – 52). وأخيرا لم تكن هذه الآية الكريمة التي جاءت مع حجة الوداع إلا تأكيداً على أن أتباع محمد ليسوا إلا مسلمين كغيرهم ممن أسلموا لله : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي, ورضيت لك الإسلام دينا.).(المائدة – 3 ).

     إن قول الله عز وجل (ورضيت لكم الإسلام دينا), تشير دلالتها إلى أن الإسلام دين قد طُرح قبل الرسالة المحمديّة, وقد جاء الرسول ليبشر به من جديد بما يتفق وخصوصيات عصره.

     سادساً: وهنا تكمن إشكالية الحاكميّة الأكثر خطورة على الدين والمجتمع معاً, وهي قضية تحديد الناسخ والمنسوخ بين الآيات المكيات والمدنيات من جهة, وبين قضية اختيار الآيات التي على أساسها تتم عملية تفسير النص المقدس الذي سيأخذ به وبالتالي تطبيقه على الواقع من جهة ثانية. ففي الوقت الذي نجد فيه الآيات المكيات تدعو إلى المحبة والتسامح وأن الرسول ليس إلا مبشراً, وليس له سيطرة على أحد, وتحديد من هو المؤمن ومن هو الكافر. نجد في المقابل الآيات المدنيات التي تدعوا إلى الجهاد, والقتل والصلب والتشفي بقتل العدو (الكافر). ودعاة الحاكميّة أمام اشكاليّة هذه الآيات المكيّة والمدنيّة, راحوا يقولون بأن هذه الآيات المدنيات قد نسخت الكثير من الآيات المكيات, فـ (الآية الخامسة من سورة (التوبة.) مثلاً وهي القائلة 🙁 (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم), قد نسخت برأيهم أكثر من (500) آية مكيّة من الآيات السابقة عليها التي  تدعوا المؤمنين إلى الصبر، والاكتفاء بدعوى الفكر، وعدم الابتداء بالقتال، وترك الناس وشؤونهم العقديّة، ورفض الإكراه في الدين.

     من هنا نرى كيف مُورست الحاكميّة اليوم من قبل داعش في سوريّة والعراق, عبر محاسبة الناس وفقاً لتفسير أو تأويل النص الديني المقدس من قبل أهل الحل والعقد عندهم, ثم كيف حددت صفات الكافر أو المذنب, الذي مُورست بحقه عقوبة القتل أو الصلب أو الجلد. وهي أحكام لم تراع لا الحريّة في التعبير, ولا الاختلاف في الرأي, ولا الشورى أو الديمقراطيّة أو كل ما يمت إلى الإسلام بصلة سوى صلة مصالح أهل الحل والعقد من دعاة هذه الحاكميّة وفهمهم في تفسير النص المقدس الذي كلفوا أنفسهم هم وحدهم تفسيره وتطبيقه على العباد.

     ملاك القول: إن الحاكميّة في رؤيتها وأدواتها وأهدافها, ليست أكثر من مواقف ارتجاليّة لشخصيات ركبت صهوة الدين وراحت تفسر النص المقدس وفقاً لمصالح خاصة بها, تحت ذريعة إقامة خلافة إسلاميّة موهومة باسم الحاكميّة لله, التي تريد تحقيق العدل والمساواة والمحبة, ونشر القيم الأخلاقيّة التي بشر بها الإسلام, للقضاء على عالم الجاهليّة والكفر, عالم الفساد والظلم وعدم المساواة. إنها حاكميّة قد حددت بداية التاريخ الإنسانيّ ونهايته في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى, وكل ما جاء بعدها بدعة وضلالة.. إنها حاكميّه وضعت نهاية للتاريخ الإنساني. بيد أن ما نراه من سلوكيات وممارسات اخلاقيّة للكثير من دعاتها اليوم  ينطبق عليه المثل الشعبي المصري الذي يقول : (أسمع كلامك يعجبني, أشوف عمايلك أستغرب.). أو قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ). الصف- 2 و3).

كاتب وباحث من سورية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 1- لمعرفة المزيد عن الصراع الذي دار على السلطة منذ السقيفة حتى تحولها إلى ملك عضوض. راجع كتاب : مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين – أبي حسن الأشعري – تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد – الجزء الأول – المكتبة العصرية – بيروت – 1990.ص6 وما بعد.