تُعْرَفُ السلفية في سياقها العام, على أنها مصطلح لمنهج فكريّ يدعو إلى فهم النص المقدس, (الكتاب والسنة), بما فهمه سلف الأمّة في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى، والأخذ أيضاً بنهج وعمل النبي محمد (ص) وصحابته الكرام، والتابعين، وتابعي التابعين, باعتبارهم يمثلون نهج الإسلام الصحيح، وهذا الفهم لمصطلح السلفيّة, تبنته القوى الإسلاميّة السياسيّة الجهاديّة ممثلة بعدد كبير من الفصائل والأحزاب الإسلاميّة المعاصرة كالإخوان وداعش والناصرة وجند الشام والقاعدة وبوكو حرام, وغيرهم ممن ظهر على الساحة العربيّة والإسلاميّة, وخاصة من ظهر من الفصائل الإسلاميّة السلفيّة مع ما سمي بثورات الربيع العربي.

     هذا وقد امتاز الخطاب السلفيّ المعاصر بمجموعة من الإشكالات المنهجيّة والفكريّة أهمها:

     1- انحسار العقل عند القوى السلفيّة المعاصرة عما كان عليه في الحركة الاصلاحيّة الأولى التي اشتغل عليها الأفغاني  ومحمد عبده والكواكبي, وتركيزهم على أهمية الايمان قبل العقل, مما جعل هذه القوى في فكرها وممارستها, دينيّة استسلاميّه وثوقيّه أكثر منها عقلانيّة, كونها تبدأ من الايمان كمسلمة لا تقبل النقاش. وهذا التوجه الفكريّ والسلوكيّ ساهم كثيراً في سيادة العاطفة والتعصب وضيق الأفق والتصلب في الرأي, ورفض الحوار مع المختلف.

     2- تبني فكرة الحاكميّة كأساس للدولة الإسلاميّة, وهذا التبني سيعمل بالضرورة على تقوض أنظمة الحكم القائمة واعتبارها غير شرعيّة في وجودها, وذلك بسبب الغياب الفاضح عند هذه القوى السلفيّة التي لم تبحث في طبيعة النظم الحاكمة وآلية عملها  بحثاً موضوعيّاً, وبالتالي يمكن القول  ليس كل ما في هذه الأنظمة هو من حكم الشيطان بالضرورة كما يدعون, وإن  كل قوانينها المطبقة هي قوانين كفر, وإن المجتمع الذي يسير وفق هذه الأنظمة وقوانينها هو مجتمع الجاهليّة. إن هذا الموقف الرافض لأنظمة الحكم الوضعيّة, رسمه “سيد قطب” في كتابه “معالم في الطريق” وجذره في عقليّة جماعة الإخوان, وكذلك فعل أبو الأعلى المودودي قبله. وهي الفكرة التي استخدمت كاهم معوّل في قتل أو اغتيال الكثير من القادة السياسيين المنتمين لهذه الأنظمة الحاكمة على مستوى الساحة العربيّة والإسلاميّة. كالسادات على سبيل المثال لا الحصر.  

     3- العمل على إقامة الدولة الإسلاميّة وتطبيق شريعتها تنفيذاً لقانون إلهيّ, وطاعة للإرادة الإلهية دون النظر لمصلحة تطور مصالح الفرد والمجتمع التي هي أساس التشريع. ودون النظر أيضاً إلى الأضرار التي قد تنجم عن هذا التطبيق في المجتمعات المعاصرة المتعددة الديانات والطوائف والمذاهب والأعراق, كون هذا التطبيق غالباً ما جاء تطبيقاً فوريّاً وصوريّاً في الدول أو المجتمعات التي سيطرت عليها هذه القوى السلفيّة كمصر وتونس على سبيل المثال لا الحصر مع قيام ما سمي بثورات الربيع العربيّ, حيث فُرض هذا التطبيق دون تهيئة الظروف الملائمة والإعداد الصحيح له. وهذا ما أوقع دعاة الخطاب السلفيّ وتنظيماته في إشكالات تطبيقيّة انعكست سلباً على حياة الناس الذين راح معظمهم يتخذ مواقف سلبيّة من تيار الدعوة السلفيّة الجهاديّة بشكل خاص, كما جرى في المناطق التي سيطرت عليها داعش أو الإخوان المسلمون.

     إن الشريعة الإسلاميّة وفق تطبيقاتهم كانت تعني الحدود, أي الحسبة أو تطبيق العقوبات, أي النظر في المحرمات دون المباحات, ومطالبة المسلم بواجباته قبل إعطائه حقوقه, (تجربة داعش) في سوريّة والعراق.

     4- المطالبة بإحداث التغيير الاجتماعيّ من خلال إحداث انقلاب على السلطة القائمة والاستيلاء عليها. وتم هذا التغيير السريع مثلاً في تجربة داعش في سوريّة والعراق, وإلى حد ما في تجربة الإخوان في مصر وتونس دون الانتظار كي يمهد للدعوة والتبشير بها, وتثقيف الناس بأهدافها. لذلك جاءت الدعوة على رقاب الجماهير بدلاً من أن تأتي على أكتافهم.

     5- استخدام العنف في التغيير عن طريق الأجهزة السريّة والجهاديّة للتنظيمات وأحزاب هذا الخطاب, وهذا ما أدخلها في صراع مع الدولة.

     6- الوقوع في مطب أخذ كل شيء أو لا شيء, أي يجب أن يُطبق النظام الإسلاميّ ككل. و تُرفض الدولة العمانيّة ككل. او بتعبير آخر: الإسلام أو مناهضيّ الإسلام.

     7- إن طريقة تفكيرهم هذه أو سلوكياتهم الاقصائية, حولت قوى هذا التيار إلى قوى خارجة عن القانون بنظر الدولة, حيث راحت تتبعهم الأجهزة العسكريّة والأمنيّة وتنكل بهم وتزج دعاتهم والناشطين منهم في السجون, وهذا ما أخاف الشعب من أحزاب وتنظيمات هذا القوى أو الاقتراب منها.

      8- اتسام نظام الجماعة بالنظام الهرميّ, الذي يستخدم الطاعة المطلقة من القاعدة إلى القمة, وبذلك يكون النظام قد توجه توجها سلطويّاً أوامريّاً.

     9– رغم عداء الجماعة للاستعمار الغربيّ, وللنظام الشيوعيّ, إلا أنها راحت في فكرها وممارساتها ضحيّة التصور الرأسماليّ للعالم, حيث ركزت على اقتصاد السوق والتجارة والربحيّة والملكيّة الخاصة اللامشروطة. على اعتبار المال كله رزق من عند الله, يعطيه لمن يشاء ويمنعه عمن يشاء, وطبقاً للجهد. وقد اتخذوا من الصحابة قدوة في العمل التجاري كعثمان بن عفان وطلحة والزبير وغيرهم,  من أغنياء قريش قبل الإسلام وبعده. (1).

ما هي أفكار الإسلام السياسيّ الإخوانيّ كما قدمت نفسها عند حسن البنا وسيد قطب؟:

     1- إن الإسلام نظام شامل يطور نفسه بنفسه تلقائيّاً. والإسلام هو الطريق الأساس والنهائيّ للحياة بكل مجالاتها المختلفة.

     2- إن الإسلام ينبثق ويرتكز على مصدرين هما : القرآن الكريم والسنة النبويّة الشريفة.

     3- الإسلام صالح للتطبيق في كل زمان ومكان, أي هو أيديولوجيا شاملة يقدم نظاماً قادراً تماماً على تنظيم كافة تفاصل الحياة السياسيّة. (2).

وظيفة الحكومة الإسلامية كما يراها سعيد حوى.

     1- الإسلام لا بد له من حكومة تَقِيْهِ وترعاه وتحميه.

     2- والحكومة ضرورة من أجل حفظ العقيدة وحمايتها من عبث العابثين ولهو اللاهين المارقين وشبه الكافرين.

     3-  الحكومة ضروريّة لإقامة حكم الردة على المرتدين (من بدل دينه فاقتلوه).  أخرجه البخاري .

     4- الحكومة ضرورة من أجل إقامة العبادات, فالكسالى عن الصلاة يؤدبون. والممتنعون عن الزكاة يغرمون ويعزرون, وتاركي الصيام يعاقبون, والمقصرون عن الحج وهو باستطاعتهم يزجرون.

     4- الحكومة ضرورة لحفظ الأرواح (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) البقرة 178. (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .) البقرة 179.

     5- وهي ضرورة لحفظ الإعراض (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ). النور- 2. (الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). النور – 4.

     6- وهي ضرورة لحفظ الأموال (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ). البقرة 188.

     7-  والحكومة ضرورة لإقامة الجهاد (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰاتلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَٱعْلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ). التوبة – 123.

     8- وهي  ضرورة كي تكون كلمة الله هي العليا, فإن الإسلام مالم تكن له حكومة تحمله وتحميه يكون ذليلاً, والنفوس تجد الانطلاق والانفلات إلى كل شهوة وهوى : (وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ) المؤمنون – 71. فلا بد من حكومة تصرف الناس عن الهوى إلى الاستقامة. وقديماً قال الخليفة عثمان كما أشؤنا في موقع سابق: ( إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).

     9- غير المسلم لا يؤتمن على حريّة العقيدة, وغير المسلم لا يؤتمن على العدل ولا قانون ولا حق ولا مصلحة. (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ). المنافقين – 8. (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). آل عمران 139.

     إن الإسلام هو الصورة الوحيدة للتقدم البشري في كل العصور وفي كل مكان. (3).

ملاك القول:

     يظل الخطاب السلفي في مضمونه وحوامله الاجتماعيّة موقفاً إشكاليّا في تاريخنا المعاصر, كونه لم يستطع ان يستوعب قضايا العصر على كافة مستوياتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافية. انطلاقاً من موقفه الغيبيّ الاستسلاميّ الايمانيّ الوثوقيّ الذي يقر بأن الماضي هو المنطلق الوجوديّ والمعرفي ّلكل ما هو تالٍ. فكل جديد عندهم بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. هذا إذا ما أخذا بعين الاعتبار اعتقادهم, بأنهم وحدهم المفوضون من قبل الله في تطبيق شريعته التي تحددت معالمها عندهم في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى, وبالتالي على الواقع (أي الفرد والمجتمع والدولة) بالنسبة لفهمهم وسلوكياتهم أن يرتقي دائماً إلى النص المقدس, وليس العكس بأن ينزل  النص المقدس دائما إلى الواقع, على اعتبار أن الدين جاء أصلاً لحل قضايا الناس المتطورة والمتجددة في التاريخ, والناسخ والمنسوخ في القرآن يؤكد ذلك. ومن يؤمن بهذا الموقف الجدليّ العقلانيّ بين الواقع والنص, عليه أن يجتهد ويفتح النص على كل دلالاته بما يخدم الإنسان وقضاياه الحياتيّة والمصيريّة.

كاتب وباحث من سوريّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- (عن كتاب : الدين والثورة في مصر – 1952 – 1981- الأصولية الإسلامية – حسين حنفي – مكتبة مدبولي- القاهرة – ص33 وما بعد.

2- (للاستزادة في معرفة الخطاب الفكري للإخوان راجع – منهج حركة الإخوان المسلمين ورؤاها الفكريّة – موقع الجزيرة نت)

3- (كتاب الإسلام – سعيد حوى إصدار دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع). ص 325 وما بعد .

ملاحظة: سعيد حوى: داعية سوري ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، دعا إلى توحيد الأمة الإسلامية، وإحياء منصب الخلافة، ونصح الصحوة الإسلامية بإزالة الصورة المزيفة للمسلم المدمر للحضارة. شارك في بيان الدستور في سوريا 1973 وسجن على إثره خمس سنوات، وكان هدف البيان المطالبة بإسلامية سوريا ودستورها.