وأنا أحرص كل الحرص على تتبع كل ما يكتب في موضوع الهوية العربية عامة، والمغربية خاصة، والانتاجات الفكرية الرصينة في مجال تحديث التراث، أثارتني كل مرة بعض ردود أصحاب الفتاوى غير الرسمية، التي تحدث ضجيجا يصم الآذان، ويطمس التفكير في العقول، ويعكر صفوة النفوس ويوترها. إنه الضجيج الذي هيئت ظروف نفاذه في النفوس مبكرا بسبب تشبث الفقهاء بالمواقع في هرم السلط الحاكمة. فكلما تمت المطالبة بالمناصفة في كل القضايا التي تهم العلاقات الخاصة والعامة بين الجنسين، كنموذج من مطالب العصر الحداثي، تواجه الإجتهادات والتأويلات الداعية إلى مراجعة القراءات التقليدية للأحكام الشرعية المقيدة لعقل الإنسان المسلم وحريته الحقوقية والإبداعية، بخطابات عنيفة، ترتدي في أغلب الأحيان حلة التكفير بحماس التكبير.

فبعد أكثر من ثلاث عقود من الحراك بالمغرب الأقصى، ارتقت في نظري هذه القضية، قضية حرية المرأة، إلى إشكالية مصيرية، ومعقدة في نفس الوقت. لقد توالت الأحداث منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، بجرعات كافية من الجرأة الفكرية، وأضفت على القضية طابع الاستعجال في الحسم فيها في المجتمع ومؤسساته. لقد فتح النقاش في مسألة إدماج المرأة في المجتمع، وتوج بمدونة أسرة جديدة، ارتقت، بعد تدخل أمير المؤمنين، إلى منتوج فقهي وفكري رصين وحكيم، اختتمت به معركة جدال عقلاني، حسم بمنطق تقدمي نسبيا في العديد من القضايا الشائكة، وفتح آفاقا أخرى للنضال في قضايا جديدة.

أما على المستوى الإسلامي عامة، فليس مستساغا، والشعوب تعيش سنوات العشرية الثالثة من القرن الواحد والعشرين، أن لا تتجند العزائم وتتكاثف قوتها من داخل الضمير الجمعي في كل قطر من الأقطار الإسلامية بالقدر الكافي لتفنيد الادعاءات والمزايدات الإنتهازية. لقد حان الوقت لتكسير القيود المصطنعة، وبالتالي تقوية مناعة هذا الضمير، والرفع من قدرته على مواجهة الطموحات الريعية. ارتفعت الأصوات مطالبة السلطات الشرعية في المجتمعات والدول الإسلامية للاستعداد بالجدية المطلوبة للتدخل الصارم للحد من الخطابات الكاذبة التي يسعى من ورائها روادها ومعتنقوها الاستمرار أطول مدة ممكنة في عملية الاستغلال الفئوي لعقل المواطن المسلم البسيط، ومن تم تيسير عمليات ابتزاز الأنظمة الحاكمة. لقد ألف هؤلاء المغتنمون العطاء والريع كشرط للمهادنة وإيقاف تحريضاتهم وتهديداتهم مؤقتا.

والحالة هاته، ارتقت الحاجة للاجتهاد لغربلة التراث من المكبلات الواهية إلى أحد الركائز الأساسية في حياة المجتمعات والأمم الإسلامية. لقد أبرزت الأوضاع الحاجة إلى إدماج وإشراك الرأي العام في مناقشة أهم القضايا التي تحكمت في طبيعة الاعتقاد المناوئ لمتطلبات العصر. لم يعد مجديا إهدار الزمن التنويري والتماهي مع التراكمات الهدامة لممارسة الابتزاز السياسي الريعي. إن المسؤولية في المجتمعات والدول الإسلامية تقتضي اتخاذ الإجراءات المدروسة والمبررة عقلانيا للحيلولة دون إبعاد عقل الإنسان المسلم عن التفكير العقلاني وتركيز انشغاله على تطوير ممارساته اليومية وعلاقاته الداخلية والخارجية. فما يعترض الأفراد والجماعات من منتوجات معرفية واقتصادية وتكنولوجية، وبكميات هائلة، يضعهم أمام إجبارية التأمل بعمق في المستلزمات الجديدة، التي يمكن أن تضمن لهم بطبيعتها المتطورة التواجد في واجهات المتغيرات الحضارية السريعة للشعوب والأمم المتقدمة.

وقبل الدخول في صلب الموضوع، أود أن أذكر القارئ والمتتبع أن المجتمع المغربي، بخصوصيته الثقافية، قد نجح نسبيا في معركته الدائمة من أجل تحقيق التقدم، ولو ببطء، في مجالي الديمقراطية السياسية والحداثة الثقافية. يمكن القول أنه نجح إلى حد ما في إثارة القضايا التي تخدم المجتمع، وفي مواجهة «الأفواه» أو «الذقون» الانتهازية باحترافية وصبر وحكمة. الكل يتذكر أيام الصراع العمودي بعد الاستقلال، الذي كان التفاعل خلاله صعبا، لكنه كان في نفس الآن مجديا ونافعا، وترتبت عن تراكمات وقعه مكتسبات متقدمة عن سابقاتها. تحققت تراكمات ملموسة، بالرغم من كون البلاد عرفت صراعا سياسيا عنيفا في سياق إقليمي شديد التحولات.

استمر النقاش القوي للقضايا الفكرية الأساسية لعقود. إنها قضايا توجد في صلب مشروع مجتمعي تتبناه الدولة والأحزاب الوطنية بشكل مختلف، مشروع بواجهات سياسية وجمعوية وشبابية وفكرية وهوياتية، وقضاياه ذات أبعاد تاريخية تستحضر الماضي بعقلانية لخدمة المستقبل. تمت فعلا إثارة هذه الإشكاليات المعقدة في إطار نظرة علمية متطورة، تعتمد المناهج العصرية المعروفة والمراجع الفكرية المغربية ذات الترابط القوي مع المدارس الفلسفية الكونية. اشتدت المعارك في الإعلام والمقرات والشارع العام، ولم يكن أحد يستسلم لردود الفعل الفئوية المتسرعة المناوئة لمسار التطور المجتمعي، بل كانت تواجه بقوة نضالية ومروءة عالية، ليتم تعبيد الطريق أمام تراكم مزايا التفنيد والتهميش للدفوعات والمزايدات الهدامة.

وبالعودة إلى موضوع المرأة في المغرب، كقضية شائكة، لا يمكن لأحد أن ينكر حدة اشتداد الصراع في شأنها في المشهد السياسي. لقد انتصر الصراع لفكرة كون المرأة كانت دائما وستبقى الشريك الوحيد للرجل في صناعة أحداث التاريخ البشري. إنها، بحكم التاريخ والفكر، نصف المجتمع، وأن الحياة العمومية والخاصة لا ولن تستوي إلا بمشاركتها المكثفة. الكل يلاحظ اليوم كيف تمكنت من «غزو» عدد كبير من المجالات بقدرة وكفاءة عاليتين، مجالات كانت محرومة من «الولوج» إليها بسبب ذرائع واهية وقيود مصطنعة. كما مكنت تطورات علاقتها المجتمعية مع الرجل من تقوية وجودها في كل مجالات الاختصاص في حياة المجتمع المغربي، حيث نجدها إلى جانب الرجل في الأسرة، والجندية، والشرطة، والدرك، والإدارة، والمدرسة، والثانوية، والجامعة، والرياضة، والسياسة، والمطبخ (الشهرة في مجال الطبخ مثلا أصبح يقتسمها الرجال والنساء بعدما كان مجالا من اختصاص النساء)،…إلخ.

إن مبدأ المساواة قد فرضته التطورات الواقعية، وبذلك تكون دينامية الواقع قد وصلت إلى مستويات ليست بالبعيدة عن الاستنتاجات الفكرية الغربية والمبادئ والكليات في الإسلام. فعندما دعا الوطنيون طوال مسارهم النضالي إلى فتح النقاش في مسألة المناصفة في الإرث ومسألة تعدد الزوجات والمساواة، كانوا بذلك يطمحون جعل كل تلك القضايا في صلب وروح السياسات العمومية، يتناولها الفاعلون في إطار نظرة فكرية وسياسية شمولية، مع مراعاة روح النصوص الدينية المقدسة. كانوا يعتبرون أن ذلك يشكل السبيل الوحيد والسريع للرفع من وثيرة التقدم في تحقيق العقلانية في الرؤية والتطبيق بالنسبة للفرد والجماعة.

وعليه، ولتعميق النقاش في هذا الموضوع، سأركز فيما تبقى من المقال على ثلاث مسائل تخص وضعية المرأة في الإسلام، منها أولا مسألة «الشهادة»، وثانيا مسألة حقوق المرأة في الإرث والزواج، وثالثا مسألة الطلاق وتعدد الزوجات.

مراجعنا في ذلك عديدة ومتنوعة. فإضافة إلى روح النصوص الدينية وكتابات المفكرين العرب الأفذاذ وعلى رأسهم الدكتور ماجد الغرباوي، سأركز على كتابات المرحوم محمد عابد الجابري. كما نرى هنا أنه من الواجب تذكير القارئ ببعض المبادئ الأساسية التي ركز عليها هذا الرجل في أطروحاته وتحليلاته وبياناته المختلفة والمتعددة في مجال التراث وتحديثه. بالنسبة له، القاعدة الأولى تتجلى في اعتبار الشريعة الإسلامية كليات وجزئيات، مبادئ وتطبيقات، والأصل في الحكم الصادر في الجزئي أن يكون تطبيقا للمبدأ الكلي. فإذا كان هناك اختلاف، فلسبب وحكمة. والأسباب التي تبرر الحكم الجزئي وتبين معقوليته هي، إما “أسباب النزول”، وهي عموما الظروف الخاصة التي اقتضت ذلك الحكم، وإما مقاصد عامة تستوحي الخير العام.

وعليه، من أجل فهم معقولية الأحكام الشرعية في الإسلام، يقول الجابري، لا بد من استحضار ثلاثة مفاتيح أساسية: كليات الشريعة، الأحكام الجزئية، المقاصد وأسباب النزول. أما القاعدة الثانية، فتتجلى في كون “عالمية” حقوق الإنسان هي حقيقة مقررة في الفكر الإسلامي مثل ما هي مقررة في أي فكر إنساني آخر، والبحث عنها يجب أن يكون في الكليات والمبادئ العامة. أما الجزئيات فأحكامها قابلة دوما للاجتهاد لأنها مجرد تطبيقات، والتطبيق يختلف من زمن إلى آخر، ومن ظهور وجه للمصلحة إلى ظهور وجه آخر. فكما سبق القول، الحديث عن حقوق الإنسان في الإسلام لا يمكن أن يتم إلا باستحضار ثلاثة مفاتيح ضرورية: ما تقرره كليات الشريعة الإسلامية، ما تنصص عليه أحكامها الجزئية، وما تضفيه المقاصد وأسباب النزول على هذه الأحكام من معقولية. كما أن الحديث عن حقوق المرأة في الإسلام لا يمكن أن يكون موضوعيا إلا إذا تم استحضار المفاتيح الثلاثة السالفة الذكر.

قرآنيا، الحكم العام المطلق والمبدئي في قضية العلاقة ما بين الرجل والمرأة هو المساواة. وفي هذا الشأن، اعتبر النبي (صلى الله عليه وسلم) النساء شقائق الرجال، بل أكثر من ذلك أوصى الأجيال المتعاقبة على تقدير المرأة لأهمية أدوارها في الحياة البشرية حيث قال :”الجنة تحت أقدام الأمهات”. أما بخصوص الحقوق والواجبات، فقد جاء في كتابات الجابري أن الله عز وجل ساوى بينهما، وتم تكليف المرأة في القرآن بما كلف به الرجل، مستشهدا بقوله تعالى:

  • “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (سورة الحجرات الآية 13 ).
  • ·        “ثم استجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى، بعضكم من بعض» (سورة آل عمران الآية 195).
  • ·         “ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا» (سورة النساء الآية 123).
  • ·        “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض» (سورة التوبة الآية 72).

فاعتبارا لما ورد في الآيات السالفة الذكر من كليات واضحة، تبقى الأحكام الجزئية ذات طابع تطوري تتغير حسب المستجدات وتطور العقليات والثقافات والحاجيات الجديدة في الزمان والمكان. ولذلك، فالبحث في معقوليتها، يقول الجابري، يجب أن يكون مرتبطا بالمقاصد وأسباب النزول. ومن ضمن القضايا الجزئية، التي تناولها الجابري بالتحليل العقلاني، والتي وردت في القرآن الكريم وصدرت بشأنها أحكاما جزئية الهدف منها تحسين وضعية المرأة في مجتمع الجزيرة العربية مقارنة مع وضعها في الجاهلية، نجد مسألة «الشهادة»، مسألة حقوق المرأة في الإرث والزواج، ومسألة الطلاق وتعدد الزوجات.

  1. مسألة حقوق المرأة في الإرث والزواج

نص القرآن الكريم على أن للبنت نصف نصيب الولد من الإرث: “يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين» سورة النساء الآية 11. كما هو الشأن بالنسبة للشهادة، والتي سنتطرق إليها في النقطة الثانية، فمسألة «الإرث» بدورها، بالنسبة للجابري، تحكم فيها الوضع السائد في الجزيرة العربية. المجتمع الجاهلي كان رعويا ومرتبطا بالأرض، حيث كانت كل قبيلة تفتخر بمراعيها وقطيعها من الأنعام والماشية المختلفة، وتحاول بكل ما لديها من قوة وجهد من أجل الحفاظ عليها وتوسيعها. ونتيجة لهذا الحرص، وصل الحد إلى اعتبار الزواج أكثر من علاقة ارتباط بين رجل وامرأة، بل كان علاقة بين القبائل عبر المصاهرة. لذلك كان التركيز شديدا على اختيار الزوجة أو الزوج لكي تتجنب القبائل المنازعات والحروب والفتن بسبب «الإرث» وما يحدثه من اختلال في التوازنات الاقتصادية بين القبائل. أكثر من ذلك، كان التعصب للقبيلة وحماية ممتلكاتها في بعض الأحيان سببا مباشرا في حرمان البنت بالمرة من حقها في الإرث، وازدادت الأمور تعقيدا مع استفحال ظاهرة تعدد الزوجات ما قبل الإسلام.

بنفس المنطق، مع مجيء الإسلام، لم يكن في المستطاع فرض قاعدة المساواة في الإرث، وفرضها في مجتمع تلك الفترة لأن ذلك كان مصنفا في خانة الأضرار التي لا يمكن أن يتحملها الصالح العام. إنه الاعتبار الذي جعل عز وجل يفضل إصدار حكم قرآني جزئي في تلك المرحلة، تنعم من خلاله المرأة بوضع متقدم يمكنها من الرفع من قيمتها مقارنة مع الماضي. فالقرآن في هذه القضية أخذ بعين الاعتبار الوضع القائم وقرر نوعا من الحل الوسط (حكما جزئيا) الذي يناسب عقليات المجتمع القبلي وحاجيات مرحلة تقوية ركائز الوحدة بين المسلمين آنذاك. وهكذا تم إقرار مضاعفة نصيب الذكر من الإرث مقارنة مع نصيب الأنثى، مع تحميل نفقة المرأة على الرجل في الزواج (كمقابل).

احتكاما لمنطق المصلحة، مصلحة المجتمع والدين الظرفية، فرض القرآن حلا وسطيا. بنفس المنطق الشرعي، تعامل الخلفاء الراشدون مع حكم «السارق» (تعطيل حكم قطع اليد)، حيث اعتبروا أنه بزوال مقاصد الحكم الجزئي (التعرف مجتمعيا على السارق من خلال يده المقطوعة كما كان معمولا به في الجاهلية)، يعطل التنفيذ. فبتشييد السجون كمؤسسات رسمية لإعادة التأهيل والتربية، لم يعد ما يبرر الاستمرار في تطبيق الحكم، بل تم استبداله بالعقوبة السجنية التي تفتح للسارق باب التوبة، وفي نفس الوقت تحمي المجتمع من أن يكون السارق مقطوع اليد عالة عليه (الوظيفة العصرية للسجون في عصرنا هي إعادة تأهيل السجين وإدماجه في المجتمع).

بنفس المنظور، نعتقد أنه كان من المرجح لو تطورت الأحداث المتعلقة بالمرأة في زمن النبوة كما حدث بالنسبة لقضية «الخمر»، أي لو تطور وضع المرأة والأحداث النضالية من أجل الرفع من قيمتها، لنزلت أحكام جزئية أخرى أكثر تقدما في شأنها. فما أظهرته المرأة اليوم من قدرات ومؤهلات في المجتمع، وما برهنت عليه من تفوق في العديد من المجالات الحيوية، يفرض ضرورة مراجعة الأحكام الشرعية الجزئية بالاجتهاد بالشكل الذي يضمن الرجوع إلى المبادئ والكليات (الأصل).

  • مسألة الشهادة

نظرا لهشاشة وضع المرأة الاجتماعي والتعليمي والاقتصادي قبل الإسلام وفي عهد النبوة، فقد تم افتراض تعرضها للخطأ أّو النسيان (قبل الإسلام كان المجتمع ذكوريا وكانت المرأة مضطهدة مورست عليها كل أشكال الضغط والاستبداد والاستعباد حيث ساد في الجاهلية ما يسمى بظاهرة «وأد البنات»). فأمام هذه الهشاشة الواقعية التي كانت مترسخة في ثقافة الجاهلية، كان من الصعب إسلاميا فرض المساواة بينها وبين الرجل في الشهادة نظرا لما تتطلبه من حرص وتركيز وضبط وشجاعة في إعادة تشخيص الأحداث. وعليه، فاشتراط رجلين على الأقل أو رجل وامرأتين كان قرارا متقدما جدا ومنصفا لوضع المرأة في تلك الفترة (الآية : “واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى» سورة البقرة الآية 281).

واليوم، مع تطور وضع المرأة في كل المجتمعات الكونية وزوال الموانع والاعتبارات بمقاصدها القديمة (الاضطهاد، والتعسف، والجهل، والضغط، النسيان،…)، بات من الضروري أن يفتح المجال للاجتهاد لإنصاف قيمتها الحقيقية الحالية بالرجوع إلى الأصل (الكليات والمبادئ)، أي المساواة.

  • الطلاق وتعدد الزوجات

استنادا على النصوص القرآنية دائما، يتضح جليا أن ما تمت وتتم إثارته في موضوع الطلاق وتعدد الزوجات للطعن في مبدأ المساواة ما بين الجنسين في الإسلام هو أمر مردود عليه، بل لا يمكن اعتباره إلا مزايدة سياسية لا مبرر لها. الإسلام لا يوجب الطلاق (إن أبغض الحلال عند الله الطلاق)، ولا تعدد الزوجات. فهذه الظاهرة، بعدما استفحلت وشاعت في الجاهلية، جاء الإسلام وعقلنها ووضع لها شروطا من الصعب تحقيقها حيث اشترط «العدل» بين الزوجات (الآية : «فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة» سورة النساء الآية 3، والآية: “ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم” سورة النساء الآية128 . وتأملا في هاتين الآيتين يتضح جليا أن كلام الله في قضية التعدد يميل إلى المنع لأن الشرط المرتبط بها يصعب الوفاء به، بل هو من باب المستحيلات. إن تبادل سلط التأثير، أي الجاذبية، بين الناس يختلف من حالة إلى أخرى. فإذا كان الأمر واضحا في مسألة الصداقة بين الرجال (قوة الصداقة مرتبطة بقوة تبادل السلط، ولكل شخص في الواقع صداقات تعد بالأصابع)، فإن الأمر أشد وضوحا في العلاقات العاطفية والحميمية ما بين الرجال والنساء.

 خاتمة

عندما نتكلم عن ضرورة الاحتكام إلى الاجتهاد في الأحكام الجزئية وربطه بالصالح العام ومصلحة الأفراد والجماعات والأوطان، نعني بذلك أن التطورات التي تعرفها المجتمعات والحضارات، وما تحدثه من تغييرات في الأوضاع والأسباب والمقاصد ومن زوال للموانع، تفرض على المسلمين الرجوع بالأحكام الشرعية الجزئية المقترنة بظروف زمنية ومكانية محددة، عندما يتغير وجه المصلحة فيها، إلى كليات الشريعة ومبادئها العامة. وهنا يقول الجابري: الكليات في الشريعة كالمحكمات في العقيدة، ودعا إلى اعتبار قيام التعارض بين الحكم الصادر في جزئيته وبين المصلحة المستجدة بمثابة نوع من المتشابه الذي يستوجب الرجوع إلى المحكم والمبادئ والكليات.

من الواضح إذن أن وضع المرأة اليوم، غربيا وعربيا ومغاربيا، يفرض الرجوع إلى الكليات والمبادئ. لقد عبرت على قدرات هائلة في كل الميادين حيث أصبحت اليوم في احتكاك وتنافس دائمين مع الرجل. ففي العديد من الواجهات، نجد بعض النساء أكثر ذكاء ومردودية من الرجال: في الدراسة، والتعليم، والتربية، والعمل، والبحث العلمي، والاقتصاد، والسياسة،…إلخ. فالجنس في عصرنا هذا لا يمكن الاستمرار في اعتماده كأساس للتمييز بين الرجل والمرأة، بل ما تعبر عليه العلاقة بينهما من تكافؤ واضح في القدرات الذهنية وفي المردودية في العمل والابتكار والإبداع، يفرض إعطاء انطلاقة حقيقية للاستثمار في تحرير الإرادات والطاقات وفرض المساواة. وعندما نتحدث على “تحرير الإرادات” نعني بذلك القطع النهائي مع القرارات والقيود التقليدية المكبلة كالتي أمرت بحرق كتب الغزالي لا لشيء سوى لأنه أفتى بمشروعية العزف على الآلات الموسيقية.

وفي الأخير نقول، أن ذكاء الله وعلمه لا يمكن وصفهما دنيويا، وأن وظيفة الإنسان على الأرض هي الاجتهاد بحرية من أجل الاقتراب من الحقيقة المطلقة التي لا يعلمها إلا الرحمان الرحيم. فجزاؤه، حصيلة عدد الحسنات (النقطة النهائية)، سيكون مرتبطا بلا شك بمجهوداته الصادقة للاجتهاد في كل أمور الدين والدنيا والالتزام بتطبيقها بحرية كاملة، فمن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد. وبذلك يكون، خارج النقاش وتبادل الأفكار والخبرات، لا وصاية للإنسان على الإنسان.