إنه مدمن التخيل والانبهار. لا يحتمل مسايرة الأحداث الواقعية. صياغات فكره تحلق ساخرة دائما من معطيات الواقع. هائم في ثواني حياته في البحث عن الرموز الدالة عن أعماق المعاني والمغازي. أحلام استحضار اختراعات وكشوفات الألباب المرتبطين حقا بالكون لا تفارقه. يغفوا في كل لحظات يقظته، وهو ينفذ أنشطته اليومية المعتادة، مصدر دخول معيش يومياته الدنيوية. لا يفكر، بحيرة وحب اطلاع، إلا في عواطف وأعماق نفوس نبغاء التاريخ وكشوفات تسعينيات القرن الماضي وبداية القرن الواحد والعشرين. يصيبه الأرق كلما قابل حجم الحقائق المطلقة الكونية والظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية في قطر انتمائه وجغرافية أمته. إنه عبد اللطيف الزماني، المترعرع في تراب الشمال الإفريقي. كان كلما التفت شرقا، اشمأز من انتصاب بنادق ومدافع العساكر غازية روح الجماهير، قاهرة حرية التفكير والتعبير، متعسفة بشدة تحكم قاهر على اختلاق ذرائع الحدود الوهمية لخدمة الأنا البيولوجية. فكلما امتد تأمله في واقع شرق الشرق، ازداد تذمرا وعزلة. تعجب بذهول لبروز ممكنات وإمكانيات الجنوب. ابتسم لأول مرة، بعدما وئدت ابتسامته لعقود، طارحا سؤالا استنكاريا :”لماذا نتجاهل أن في الحنظل دواء، وننبهر من أشواك تزهر ورودا؟”.

اشتد عليه الضيق في ليلة شتاء باردة. انقطع بسرعة البرق حبل التذكر. تسجى على سريره بمائز رؤية فكرية شاسعة الآفاق. أجبره تقدمه في السن للتفكير في مغادرة الكون. اشتاق لنوم عميق يريحه عناء الضنى. استسلمت أجفانه مستجيبة لأمله في الغوص فيما يشبه منطق مغادرة مزهوة. اكتسحه حلم بأنوار غير معتادة. داهمه ما استوعبه من كشوفات أنشتاين ونيوتن، وما استجد من اختراعات مبهرة. استحضر حقائق الجاذبية، والأرض، والمجموعة الشمسية، والمجموعات الأخرى، وسرعة الضوء. أصابه جزع بحدة لم يعهدها، وهو يطل على ما وراء الكون. رأى الناس متساوية الأعمار، متسمرة في أمكنتها. بهر بعدل لم يستوعب مقوماته.

اغرورقت مآقيه دموعا. وجد نفسه أمام كائن بنور ساطع، ناصحا إياه بالعودة إلى الغبراء بسرعة معاكسة في الحدة لسرعة الصعود.

تشبث عبد اللطيف بحقه في الفهم، وهو يعلم أنه في عالم العدالة بأعلى مستوياتها القياسية. التمس من الكائن الخارق : “أيمكن لمعاليكم أن يشرح لي معجزة السرعة والأعمار والكون وما وراءه؟ فأجابه مغتبطا بوجوده وتاريخه الأرضي : “أنتم المعالي سيدي. أنتم المستخلفون في الأرض بعدما فضلكم الله عن بقية المخلوفات. ملتمسكم أوامر مستجابة. إن سن بعث الإنسان حدده مولانا في الواحد والثلاثين سنة أرضية. إنه عمر الخلود والنضج والقوة والأحقية في تلذذ المتعة الأخروية. فمن تجاوز هذا العمر في الحياة، سيغادر الغبراء بسرعة تفوق سرعة الضوء. لكل عبد سرعة إيابه إلى ما وراء الكون، فمن لم يتجاوز عمر البعث، سيغادر بسرعة أقل”.

استيقظ عبد اللطيف بنفسية الشجاعة والإقدام. انتقى موقفا تصوفيا جديدا، طامحا تشكيل نموذج عبد يستحق إعمار الأرض فيما تبقى من أيام حياته، آملا أن يكون بذلك مؤهلا لينال رضا الواحد القهار.