عندما بدأ الحديث، في وسائل الإعلام العربية، وبعضها مغاربية، عن أزمة بين مغرب محمد السادس وروسيا فلاديمير بوتين، كان الجواب مرتين عن طريق الدبلوماسيين الروس أنفسهم، فقد صدرت عن وزارة الخارجية بلاغات توضيحية تنفي أي أزمة بين الرباط وموسكو. ولعل الرد الأكثر إثارة للاهتمام رد الخارجية الروسية على يومية “الشروق” الجزائرية، لمّا أصدرت تقريرا مهولا عن تصعيد في التوتر بين العاصمتين. علقت على تقرير نشرته الصحيفة في 18 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) بأن “المزاعم عن العلاقات المتوترة للغاية بين روسيا والمغرب، لا سيما بسبب تعزيز التعاون بين موسكو والجزائر، وفقاً لكاتب المقال، لا تتوافق مع الواقع، ولا توجد إلا في خيال هذه الصحيفة”.


ومن باب تقنين الخيال العام للمتابع ولمواطني الدول في المنطقة، تم الحرص على ترويج عناصر كثيفة توحي بوجود الأزمة، منها وجود قوات “فاغنر” القريبة من موسكو، والرفع من تسليح الجزائر التي تعد الزبون الأول لروسيا، بما يفوق 80%، وتأجيل القمة العربية الروسية، وسفر السفير الروسي إلى بلده، وتعليق الرحلات الجوية، وغير ذلك من التأثيث الدرامي الذي قد يوحي بدوره بوجود “بناء عقلاني” ومنطقي يتيح استنتاج وجود الأزمة، والحقيقة أن الوضع أعقد من صناعة إعلامية.


مناسبة هذا الحديث الإعلان شبه الرسمي عن انعقاد القمة العربية الروسية في مراكش في نهاية الشهر المقبل (ديسمبر/ كانون الأول)، والتي ستتولّى إعطاء دفعة أقوى للتعاون بين العرب والروس، في تزامن واضح مع تجديد روسيا نشاطها الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لماذا هذه المنطقة مترابطة في الأجندة الجيوستراتيجية لموسكو، من سورية وفلسطين، إلى المحيط وغرب المتوسط؟ لعل الجواب يكمن في الاعتقاد الروسي أن “من يملك حضورا قويا في هذه المنطقة (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) يملك بالضرورة حضورا قويا في العالم” كما عبّر عن ذلك عالم السياسة، فيودور لوكيانوف، القريب من مراكز القرار الروسية. وفي هذه الدائرة، نجد أن جزءاً من شبكات العلاقات يعد في حكم الإرث السوفييتي أيام الحرب الباردة، والذي ظل ثابتاً في وجه كلّ التقلبات، وجزءاً آخر تبنيه الدولة الروسية على قاعدة المصالح الحيوية، اقتصادياً وسياسياً وجيوستراتجياً في المنطقة، بمضاعفة الجهود في شمال أفريقيا وفي دول أفريقيا جنوب الصحراء، وتنويع الشراكات الاستراتيجية.


وفي هذا السياق، لم تنل العلاقات بين روسيا والمغرب والجزائر اهتماماً كالذي يحصل اليوم، على ضوء التطورات الحاصلة في المنطقة منذ بداية الألفية الثالثة، ومع ما يحصل في دول الساحل والصحراء.


بالنسبة للمغرب الكبير، يُجمع محللون كثيرون على أنّ المشروع الروسي يجد بيئةً مناسبة “بسبب حاجة دول المغرب الكبير إلى عالم متعدّد الأقطاب، يعمل بتوازن أفضل” والتحرّر، ولو بدرجات متفاوتة من الهيمنة الأورو- غربية على المنطقة. وعلى الرغم من الميل الروسي إلى التدخل المباشر والصريح في نقاط عديدة من الشرق الأوسط (الحالة السورية)، فإن موسكو تميل إلى “حذر عال واتخاذ نوع من المسافة من كل التوترات الجارية في المنطقة”، على حد قول الباحث الروسي، أندري كروتز. ولتيسير هذه الرؤية السياسية، تعمل روسيا بمنطقين، اقتصادي وآخر دفاعي، بحيث توفر لزبائنها التقليديين الأسلحة التي يريدونها، في وقتٍ تطور شراكات اقتصادية وتجارية مع آخرين. وتتجلّى هذه الثنائية أكثر في العلاقة بين روسيا والجزائر والمغرب، فالمغرب هو أول شريك تجاري لروسيا في القارّة السمراء، وإلى حدود يونيو/ حزيران 2021، ارتفع حجم الصادرات الروسية نحو المغرب بـ20%، ما يجعله أول شريك، أمام مصر والجزائر، الشريكين التقليديين لموسكو.

وقد عمل العاهل المغربي، محمد السادس، منذ اعتلائه العرش، على تنويع الشراكات الجيوستراتيجية مع كل العواصم التي تصنع القرار الدولي. فقد زار روسيا في 2002 وفي 2016. ووضعت في الزيارة الثانية ملامح التعاون الثنائي. ومن المتوقع أن تكون القمة الروسية العربية، واللجنة الثنائية الروسية المغربية العليا، مناسبتين لتفعيل العقود المتفق عليها بين البلدين، منها مشاريع كبرى في مجال البتروكيماويات في شمال المغرب. وقد يكون المغرب في استراتيجية الروس الاقتصادية المتردّدة الطريق نحو أفريقيا، بالاستفادة من شبكات علاقته المتعدّدة التي تربطه مع دول كثيرة في غرب أفريقيا ووسطها. وهو، بهذا المعنى التجاري، يفعّل طريق الحرير الروسي، للعودة إلى مواقع أيام الاتحاد السوفييتي، مع تغير في طبيعة العلاقات ودرجتها.


ويجمع المراقبون كذلك على أن السلاح، في إطار هذه الحيوية الاستراتيجية، واجهة تكنولوجية لروسيا الجديدة، لإثبات القوة الدولية، في رد بعدي على ما قاله الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، من وصف في حق روسيا، باعتبارها “مجرّد” قوة إقليمية، أي لا ترقى إلى المنافسة! وهو ما استتبعته إعادة ترتيب الأولويات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وبالنسبة للمغرب وعاهله، يتجاوز معيار المصلحة الربح الاقتصادي، بل هو متوقفٌ على الموقف من سيادة المغرب على صحرائه ووحدة ترابه. وفي هذا الباب، تلتزم موسكو نوعاً من الحياد الذي يختل كلما تعلق الأمر بالولايات المتحدة “حاملة القلم” في القضية. وقد ظلت تمتنع عن التصويت في كلّ القرارات التي تخصّ الأقاليم الجنوبية للمغرب، وجديدها أخيراً القرار 2602، الذي غيَّر كثيراً من معطيات الحل، وانتصر للحكم الذاتي المقترح من المغرب. غير أنّ موسكو هي نفسها التي وقفت مع المغرب، في عهد أوباما، عندما حاولت الإدارة الأميركية الدفع نحو توسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو)، لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، وهو موقفٌ لم ينسه المغاربة، وفي مقدمتهم ساكن القصر الملكي بالمشور السعيد، للروس.


في الجانب الآخر من العملية، تحضر موسكو ضمناً، عنصراً غير محايد لناحية تسليح الجزائر، بما يقوّي النزعة الحربية لدى ساكني قصر المرادية في رئاسة الجمهورية. وقد يكون عليها أن تلزم أقصى درجات الحياد، في توتّر أخذ طابعه الإقليمي، أي الشمال الأفريقي، حيث تنوي تجديد وجودها وتقويته، وهو وجودٌ لا يمكن أن تكون طبول الحرب التي يدقّها العسكر الجزائري في صالح استمراره ومردوديته.

عن صفحة فيسبوك الاخ عبد الحميد جماهري

نشرت بها 21 نونبر 2021.