في يوم تكدرت فيه الأحوال والأوضاع النضالية. تمدد حسون على سريره هائما في ذكريات الماضي المجيد. تذكر كيف كان ينام كل يوم في الساعات المتأخرة من الليل. يزوره في المنام مع العتمة رجل بحلة بيضاء ملائكية، قابضا بين أصابعه وردة جوري الحمراء. مدها له في اليوم الأول والسعادة العارمة تنبعث من محياه ومن أوراقها الزاهية. يبتسم حسون كل عتمة في نومه السعيد. يتمتع جسمه وخاطره بأحلى اللحظات. يستيقظ ويردد بابتسامة مشرقة على مسامع أفراد أسرته “صباحكم وطن”، بعدما تعود على تحيتهم قبل النوم: “تصبحون على وطن”.

تكرر على لياليه هذا الحلم الرائع عدة سنوات. كان كلما زار رفاقه في منازلهم، كان يذهل بالجدار المزينة بلوحات الورود المتنوعة، تتوسطها دائما لوحة وردة جوري الحمراء الراقية. حتى وهو يتجول شوارع المدينة، كان يصادف كل مرة مجموعة من الفنانين يزينون الجدار بفنونهم التشكيلية مزخرفين إياها بالأزهار المتنوعة، تتوسطها دائما وردة جوري الحمراء المتسلطنة ببهائها الأسطوري. أما في الأيام المخصصة لزيارة رفاقه المناضلين في السجون الخارجة عن أسوار الوطن، كان يغمر بهجة عندما يستقبلوه بوردة جوري الحمراء ببواعث الزعامة والإقدام، وأخرى منحوتة بالصوف على معاطفهم. حكى له حراس السجن أن رفاقه، المعتقلون السياسيون، حولوا حدائق السجن إلى فضاء يكسوه احمرار وردة الجوري الخلابة. تعمد حسون مقاومة رجال الأمن في تظاهرة مطلبية. اعتقل لمدة ثلاثة أشهر. أتيحت له فرصة التمتع بدفء صداقة المناضلين، وكذا بجمالية حدائقه المكسوة باحمرار وردة جوري الأبية.

تطورت الأوضاع إلى الأسوأ. بدأ العديد من الرفاق يتذرعون بتبريرات التوقع الجارف. منذ ليلة اليوم الأول الذي سيطر عليه هذا الإحساس، عم محيطه الغموض القاتم. حال ضباب خانق بين عينيه وجمال الحدائق الجذابة. لم يعد يشم إلا الروائح النتنة، بعدما تعود على دوام الروائح الطيبة مجتاحة الطبيعة في مدن وقرى بلاده. وهنا تساءل بحيرة :” ما هذا التحول المخيف؟ هل النيل من حيوية الورود هي بداية إضعاف للثقافة والسياسة والفنون كصاريات المدينة، وضياع لحياة الروح الجماعية للأمة؟ في منامه هذه المرة، حضر الرجل الملائكي باكيا متذمرا، ويده اليمنى ترتعش خوفا ورعبا وهي تمد وردة جوري الحمراء تئن حزنا وألما من ذهاب نضارتها ومما دَبَّ فيها من اليُبْس. ضمرت المسكينة وهزلت. اهتز لها خاطر حاملها. انفجرت جوارحه وجسده لشهيق هستيري، وابتل وجهه ومعطفه دموعا ذات طبيعة قل نظيرها.

فشل الرجل المقدام. استسلم للضعف الذي حل به فجأة جاهلا أسباب التحولات الجارفة من حوله. جلس على ركبتيه. ارتمى على رجلي حسون يقبلهما قائلا: “سيدي ومعزي، أغيثوني، ساعدوني، لا تتركوا الورود تذبل، فموتها هو موتي”.

استيقظ حسون مرتجفا. غادر النوم أجفانه. تراكمت مجريات الليالي الحالكة المخيفة على حياته. ينام متأخرا لثلاث ساعات على الأكثر استجابة للتعب. يزوره الرجل الملائكي بحال يزداد سوءا كل مرة. لم يعد حسون يردد على مسامع أهله “تصبحون على وطن” ولا “صباحكم وطن”. يلتحق بمقر عمله منهوكا وبنفسية يداهمها الاحتقار والمذلة. ينتابه الحزن الشديد عندما يتابع عددا من رفاقه يتباهون بالموقع والريع وراء أسوار أسرار الحياة الإنسانية.

اشتد به المرض. انعزل مستسلما لحياة “الأنا للأنا المذمرة” خوفا من نظرات التشفي. استمر تدهور أحواله بضعة شهور. سلم روحه لخالقها. دفن في أجواء سرية زمن انتشار وباء كورونا. ترك كتابين هامين. ساد كساد نفوس الشباب. يبست أو اقتلعت النباتات والورود المزينة للفضاءات العامة والخاصة في بلاده. ساد تأزم النفوس ووئدت الروح الجماعية النافعة. اشتدت الرقابة والترقب والأمل لعل حياة مشرقة جديدة تعود إلى وردة جوري الحمراء.